راسم عبيدات
واضح على أنّ الحرب دخلت مساراً تصاعدياً يصعب احتواؤه ضمن الحسابات التقليدية، وأنّ طهران تتجه إلى رفع منسوب المواجهة بما يتجاوز هوامش التوقعات الأميركية والإسرائيلية، سواء على مستوى قواعد الاشتباك أو على مستوى نطاق العمليات. فالمعادلة لم تعد محكومة بضربة مقابل ضربة، بل بإعادة صياغة موازين الردع وإعادة تعريف الخطوط الحمراء.
يبدو أن إيران انتقلت من الصّبر الاستراتيجي إلى الهجوم المباشر، لم يعد الرّد الإيراني مجرّد حفظ ماء وجه بل هو محاولة لفرض معادلة سياديّة جديدة: الجغرافيا الإيرانية مقابل الجغرافيا الإسرائيلية.
اسرائيل تقرأ العقيدة الإيرانيّة اليوم كاستراتيجيّة الحافة يبدو أنّ طهران مستعدّة للمخاطرة بكل شيء لإنهاء حقبة التفرّد الإسرائيلي بالضّرب في العمق. لم تعد المواجهة على نفوذ في الإقليم بل أصبحت صراعًا على هُويّة المنطقة وأمنها السّيادي.
مع دخول اليوم الخامس للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بدأت واشنطن وتل أبيب بالتأقلم مع حقيقة أن خطة قطع الرؤوس القيادية في إيران وفي مقدمتها اغتيال المرشد الإمام علي الخامنئي، ليس لها المفعول السحري الذي تخيّله الذين خططوا للحرب بدفع الشعب للنزول إلى الشارع تأييداً للحرب أو سعياً لإسقاط النظام، ولا بدفع النظام إلى التفكك، وقد أظهر الشارع الإيراني أن أولويته هي الدفاع عن وطنه بوجه العدوان وتأجيل الخلافات الداخلية لصالح وحدة وطنية تحت سقف الانتقام لدم قائده الذي قتل مظلوماً بينما كانت حكومتهم تبدي كل حسن نية للتوصل إلى اتفاق عبر التفاوض. وكان المفاوض الأميركي يخبئ الخنجر خلف ظهره وهو يستعد للحرب ويفعلها للمرة الثانية، وقد جاء قتل الأطفال في مدرسة للبنات جنوب إيران وقصف مستشفيات عديدة ليسقط مزاعم الحرص على الشعب الإيراني.
أما على مستوى استقرار النظام وثبات منظومة القيادة فقد أظهر إيقاع الضربات الصاروخية الإيرانية ومواصلتها بانتظام وبكثافة رغم الضربات الأميركية الإسرائيلية القاسية والتي بلغ مجموعها 3000 ضربة في أربعة أيام توزعت على كل الجغرافيا الإيرانية بين غارات أميركية وإسرائيلية استهدفت منشآت ومقار نووية وقيادية وصاروخية، ووفق مجموع الأرقام المنشورة من دول الخليج و”إسرائيل” عن عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي قاموا بإسقاطها يبدو العدد قرابة الثلاثة آلاف طلقة، تمت إدارتها على قرابة عشر جبهات، ووفقاً للخبراء العسكريين يمكن اعتماد هذا المجموع لمعرفة عدد الصواريخ التي تم استهلاكها خلال هذه الأيام ما يطرح السؤال عن مدى قدرة “إسرائيل” ودول الخليج على مواصلة إطلاق الصواريخ الدفاعية بهذه الوتيرة إلى أيام كثيرة، فيما يبدو أن هذا إحدى ركائز الاستراتيجية الإيرانية، بما يعني استنزاف قدرة الدفاعات الجوية على إطلاق الصواريخ ليستمر الاستهداف ويتمّ فرض السيطرة النارية، بينما يظهر تشدّد إيران في فرض إقفال مضيق هرمز من خلال استهداف ناقلات النفط التي لا تلتزم بقرار المنع.
إن الضغط الموازي للصواريخ في الخطة الإيرانية هو الضغط بأسعار النفط التي بدأت تستجيب لقرار إقفال مضيق هرمز، بتسجيل الإرتفاع إلى عتبة الـ 85 دولاراً للبرميل والمرشح للمزيد من الارتفاع وصولاً لتجاوز عتبة الـ 100 دولار للبرميل خلال أيام، بينما يعتقد خبراء ماليّون أن سعر الـ 150 دولاراً للبرميل سوف يكون العتبة الحرجة التي يمكن أن تبدأ معها حالات انهيار في البورصات العالمية وأسعار العملات، وبدء مظاهر الشلل في الحياة الاقتصادية وتنقلات السكان في أنحاء العالم، ما يفتح الباب لبدء البحث عن حلول سياسية.
واضج بأن ايران تعتمد استراتيجية تقوم على إطالة أمد الحرب، وإلحاق أكبر قدر من الخسائر المادية والبشرية، بالأساطيل والقواعد الأمريكية والمنشآت الحيوية والاستراتيجية الإسرائيلية، وكذلك السعي إلى استنزاف منظومات الدفاع الجوي الأمريكي والإسرائيلي، وهذا ما نشهده من خلال القصف والاستهداف المتواصل للقواعد الأمريكية في منطقة الخليج وبقية قواعدها في المنطقة، باعتبار تلك الأصول الأمريكية جزءاً من الحرب على إيران.
لقد لجأت ايران الى الخيار النووي الإقتصادي، بقيامها بإغلاق مضيق هرمز، الشريان البحري الأهم للعالم حيث تمرّ من خلاله ما لا يقل عن 20% من التجارة العالمية، هذا الإغلاق سيترتب عليه ارتفاع أسعار النفط والغاز، لتصل عتبة الـ 150 دولارا للبرميل الواحد، وهذا الإغلاق سيؤثر على سلاسل التوريد وخطوط الطاقة وطرق التجارة العالمية ويحدث انهيارات في أسواق البورصة وكذلك انهيار اسعار العملات.
الرهان الإيراني على أن المخزون الأمريكي من الصواريخ الإعتراضية قد لا يتجاوز الأربعة أسابيع، وهذا سيشكل ضغطاً كبيراً على أمريكا ودول العالم التي ستضغط من أجل وقف إطلاق نار بلا شروط. يقول خبراء عسكريون إنه إضافة للوظيفة العسكرية الاستراتيجية لاستهداف القواعد الأميركية في دول الخليج بالنسبة لإيران والمتصل بجعل القوات الأميركية تدفع أثماناً أعلى للحرب، فإن هناك هدفاً تكتيكياً لا يقلّ أهمية وهو يتصل بخطة الحرب الإيرانية التي تريد الوصول إلى لحظة حرجة في الحرب يكون مخزون صواريخ الدفاع الجويّ الذي تستطيع أميركا التحكم بأصوله في كل المنطقة، خصوصاً ما سبق واشترته الحكومات الخليجية من أميركا والذي يمكن للقيادة الأميركية استعارته لما بعد نهاية الحرب واستخدامه ما لم يتمّ استنزافها، واللحظة الحرجة التي تسعى إليها طهران هي إيصال أميركا ومعها “إسرائيل” طبعاً إلى لحظة يبدأ معها الاقتصاد في استخدام الدفاعات الجوية وتبدأ فيها إيران بإطلاق صواريخها الحديثة وطائراتها المسيّرة الأشد حداثة ويصبح وقف الحرب مطلباً أميركياً إسرائيلياً بلا شروط.
الحرب لم تصل بعد إلى ذروتها وأمامنا الكثير من المفاجآت وخصوصاً من الجانب الإيراني الذي من المتوقع أن يميل اعتباراً من اليوم أو الغد إلى الهدوء والضربات المحسوبة استعداداً لمعركة طويلة وحتى ينتهي من ترتيب بيته السياسي، والاستفادة إلى أقصى حد من أجواء الورطة والارتباك والضغط الحربي التي يعيشها العدو. إن مقتل ترامب ونتنياهو هو استمرار التصدي الإيراني للعدوان بكفاءة وتماسك وصبر وتفعيل تحالفاته مع الصين وروسيا حتى ظهور بوادر انسحاب “أساطيله الحربية” بعد ضربة موجعة ومفاجئة لها. أما الذيول في المحميات الخليجية فإنها ستنكمش تلقائيا وتعود إلى أقل من حجمها الطبيعي بانسحاب أساطيل ترامب والطائرات الإسرائيلية من الأجواء الإيرانية والعربية المحيطة بإيران.
كل التطورات والمفاجآت المتلاحقة، وتوسّع الحرب لتشمل أكثر من جبهة وساحة حيث يبدو بأن الساحات ستنخرط في هذه الحرب بشكل ميداني عملياتي، ضمن غرفة عمليات مشتركة، وليس فقط تنسيق سياسي، وهذا بحد ذاته يشكل انعطافة جيواستراتجية، وخاصة بعد دخول حزب الله على خط المواجهة وكذلك قوى الحشد الشعبي العراقي، و اليمن – أنصار الله – قالت على لسان قائدها وأمامها عبد الملك الحوثي، بأنها منخرطة في المعركة، وتقف الى جانب ايران في أطار وحدة مسار ومصير وهي ليست متضامنة بل مشاركة ميدانياً.
كل هذه التطورات المتلاحقة، تقول بأن الأوضاع إما أن تتجه نحو تسوية كبرى تأخذ بعين الاعتبار مصالح المحور في إطار التنازل عن جزء من النفوذ الأمريكي، أو الذهاب الى حرب كبرى، حرب كسر عظيم، يتم الحسم فيها بشكل نهائي، بحيث يكون المنتصر فيها بائن بشكل واضح، والمهزوم بائن أيضاً ، بشكل لا يقبل الشك.
أو لربما يكون خيار واحتمال لا نعرف حدود حظوظه في الترجمة على أرض الواقع، عبارة عن هدنة تقنية، لا ترتقي لتسوية سياسيّة. هدفها تهدئة الجبهة النوويّة مؤقتًا ومنع الانفجار لا إزالة أسبابه.
واشنطن تحتاج إنجازًا سريعًا قابلًا للتسويق داخليًّا وطهران تحتاج متنفّسًا اقتصاديًّا دون المساس بثوابتها. لذلك يبدو الاتفاق المحتمل إن حصل اعترافًا متبادلًا باستحالة الحسم لا إعلانًا عن نهاية الصّراع.















