د. نبيلة عفيف غصن
مقدّمة: في معنى الأرض قبل أن تُختزل في اسم
ليست سورية الطبيعية رقعةً على خريطةٍ سياسية حديثة، ولا نتاج تسوية دولية عابرة، بل هي فضاءٌ حضاريٌّ عميق تشكّل عبر آلاف السنين من التفاعل بين البحر والبادية، بين الفرات والمتوسط، بين الجبل والسهل. هنا تعاقبت حضارات الكنعانيين والآراميين والعموريين، وتجاورت مدنٌ كإيبلا وأوغاريت وتدمر وأنطاكية ودمشق، قبل أن تولد المفاهيم القومية الحديثة بقرون طويلة[1]. لم تكن الهوية في هذا الفضاء هويةً صافية، ولا كان الانتماء قائماً على نقاء عرقي، بل على شبكة علاقاتٍ اقتصادية وثقافية ودينية متداخلة، أنتجت ما يمكن تسميته بـ”المجال السوري” بوصفه وحدة حضارية تتجاوز الحدود السياسية اللاحقة[2].
غير أنّ القرنين الأخيرين شهدا انتقالاً جذرياً في فهم الجغرافيا. تحوّل المكان من كونه حاضنةً لتعددٍ تراكمي، إلى “أرضٍ قومية” ينبغي تثبيتها باسم جماعةٍ واحدة[3]. ومع هذا التحوّل، لم تعد الأسماء مجرد إشاراتٍ مكانية، بل صارت أدواتِ سيادةٍ ورموزَ شرعية[4]. فحين يُعاد تسمية قرية، لا يُبدّل اللفظ فحسب، بل يُعاد تأطير الذاكرة. وحين تُمحى طبقةٌ لغوية من الخريطة، تُمحى معها طبقةٌ من التاريخ[5].
أولاً: التعريب بين الامتزاج الطبيعي والقرار الأيديولوجي
- التعريب الطبيعي: سيرورة التفاعل في فضاء مفتوح
عرفت بلاد الشام، منذ الألف الأول قبل الميلاد، حركة قبائل عربية استقرت في أطرافها الشرقية والجنوبية، ضمن دينامية تنقّلٍ اعتيادية في فضاءٍ لم يكن تحكمه حدودٌ صلبة[6]. لم يكن هذا الحضور مشروعَ إحلالٍ سكاني منظم، ولا نتيجة قرارٍ مركزي، بل جزءاً من حركة تاريخية طبيعية ربطت الجزيرة العربية ببلاد الشام والرافدين.
استقرّت جماعاتٌ عربية في حوران والبادية والفرات، وشاركت في شبكات التجارة والتحالفات السياسية، وتفاعلت مع المجتمعات المحلية ذات الجذور الكنعانية والآرامية والسريانية. ومع مرور الزمن، لم تبقَ هذه الجماعات كياناتٍ منفصلة، بل انخرطت في النسيج السوري، وتحوّلت إلى جزءٍ من نسيجه[7].
تشير النقوش النبطية والصفوية، على سبيل المثال، إلى تداخل لغوي وثقافي بين العربية المبكرة والآرامية[8]. كما أن تجربة تدمر في القرن الثالث الميلادي تكشف عن مدينةٍ ذات طابعٍ سوري–متوسطي، شارك في إدارتها أفرادٌ من أصولٍ متعددة، من دون أن يُختزل كيانها في منبتٍ قبلي واحد[9]. لم يكن ثمة مشروع لتعريب تدمر، بل كانت جزءاً من شبكة توازناتٍ رومانية–فارسية، تعكس طبيعة المجال السوري المركّب.
- التعريب القسري: لغة الدولة وسلطة الغالب
مع الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، دخلت سورية مرحلةً مختلفة. لم يحدث التعريب اللغوي فوراً، إذ ظلّت اليونانية والسريانية مستخدمتين في الإدارة والكنيسة لعقودٍ طويلة[10]. لكن قرار تعريب الدواوين في أواخر القرن السابع، في العهد الأموي، نقل العربية إلى موقع اللغة الرسمية للدولة[11].
هنا يصبح التعريب مرتبطاً بسلطةٍ سياسية ودينية معاً. لم يكن مجرد تفاعلٍ اجتماعي، بل جزءاً من إعادة تشكيل جهاز الدولة. ومع ذلك، فإن هذا التحوّل لم يمحُ التعدد فوراً، إذ استمرّت اللغات المحلية قرونًا في الحياة الثقافية والدينية[12].
- التعريب السياسي الحديث: الأيديولوجيا تتقدم على التاريخ
التحوّل الأخطر جاء في القرن العشرين، حين انتقلت العروبة من رابطةٍ لغوية–ثقافية إلى مشروعٍ أيديولوجي للدولة. في سياق انهيار الدولة العثمانية وصعود القوميات، جرى تعريف سورية بوصفها “قطراً عربياً” ضمن أمةٍ عربية واحدة[13]. لم يعد الانتماء السوري إطاراً جامعاً، بل حلّ محله تصورٌ عابرٌ للحدود، يجعل الكيان المحلي جزءاً من مشروعٍ أكبر.
في هذا السياق، أصبح التعريب سياسةً رسمية. لم يعد نتاج تفاعلٍ اجتماعي أو تحوّلٍ حضاري، بل قراراً أيديولوجياً. جرى تغيير أسماء قرى وبلدات في الجزيرة السورية، واستبدال تسمياتٍ ذات جذورٍ قديمة – بعضها أموري أو كنعاني أو آرامي – بأسماءٍ عربية ذات طابعٍ قبلي صرف[14]. تحوّلت الجغرافيا إلى ساحة إثبات هوية، لا إلى سجلّ ذاكرة.
المفارقة أن هذا المسار لم يستعد العمق السوري، بل قفز فوقه. فبدلاً من إحياء طبقات التاريخ الكنعاني والآرامي والسرياني، جرى استبدالها برمزيةٍ قبلية حديثة. وهكذا، فُقدت الملامح السورية المركّبة لصالح سرديةٍ أحادية.
رابعًا: التتريك والتكريد والعبرنة… منطق الإحلال ذاته
ليست المسألة في اختلاف القوميات، بل في تشابه المنهج. فحين تتحول الجغرافيا إلى مشروع أيديولوجي، يصبح الاسم أداة سيادة، وتتحول الخريطة إلى بيان سياسي. ما يجمع التتريك والتكريد والعبرنة، رغم اختلاف السياقات التاريخية والسياسية، ليس الهوية التي تُرفع، بل الآلية التي تُستخدم: آلية الإحلال الرمزي تمهيداً للإحلال السياسي[15].
إنها ليست صراعات ثقافية عفوية، بل مشاريع إعادة تعريف للمكان، تنطلق من فرضية واحدة: الأرض يجب أن تُقرأ من منظور قومي واحد، وأن تُعاد كتابتها وفق هذا المنظور[16].
أولاً: التتريك… حين تُربط الجغرافيا بالمركز الإمبراطوري
شهدت أواخر العهد العثماني تحولات عميقة في بنية الدولة. فمع تراجع السلطنة وتصاعد النزعات القومية في البلقان وأوروبا، بدأت النخبة العثمانية تتجه نحو مشروع تحديث مركزي صارم، قائم على توحيد اللغة والإدارة والولاء السياسي[17]. ومع صعود “جمعية الاتحاد والترقي”، أخذت النزعة الطورانية منحىً أكثر وضوحاً، فانتقلت الدولة من هوية عثمانية جامعة متعددة القوميات إلى محاولة بلورة هوية تركية مركزية[18].
في هذا السياق، لم يكن التتريك مجرد سياسة لغوية، بل إعادة تعريف للولاء والانتماء. اللغة الرسمية، المناهج الدراسية، الرموز الإدارية، وحتى الاقتصاد المحلي، صارت أدوات لإعادة تشكيل وعي السكان وربطهم بالمركز[19]. منطق الإحلال هنا يعتمد على تراكم خطوات ناعمة: كل تغيير لغوي أو إداري يهيئ الأرض لفرض سردية قومية جديدة، تتجاوز تاريخ المنطقة المركّب متعدد المكونات[20].
هكذا يصبح المكان تدريجيًا امتدادًا لمركز خارجي، ويتحول الانتماء الطبيعي لسورية الشمالية إلى ارتباط رمزي بمركزٍ خارجي، رغم أن العمق الحضاري للمجال السوري لا يعترف بهذه الانتماءات الأحادية.
التكريد السياسي… من الاعتراف الثقافي إلى تأطير الأرض قومياً
الوجود الكردي في الجزيرة السورية جزء من الواقع التاريخي والاجتماعي. شهدت المنطقة استقرارًا كرديًا منذ أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين نتيجة تحولات الأناضول وسياسات إعادة التوطين[21].
لكن الخطورة تبدأ عند تحويل الاعتراف بالحقوق الثقافية والإدارية إلى مشروع قومي مغلق يفرض سردية أحادية للجغرافيا[22]. هنا تتحول التسمية إلى إعلان سيادة رمزية: كل مدينة أو قرية يتم وصفها على أساس انتماء قومي واحد، مع تهميش الطبقات التاريخية الأخرى.
المناطق التاريخية لم تكن يوماً فراغًا قوميًّا. فقد احتوت على عرب، سريان، آشوريين، مع تداخلات اقتصادية واجتماعية مركبة، تشكل المجال السوري الطبيعي[23]. اختزال هذا الواقع في هوية واحدة يعيد إنتاج منطق الإحلال ذاته الذي بدأته سياسات التعريب السياسي.
العبرنة… الإحلال بوصفه مشروعًا متكاملاً
في فلسطين، يتجلى منطق الإحلال بأقصى درجاته. فقد تم إعادة تسمية آلاف القرى والمدن بأسماء عبرية حديثة، ليس لتغيير اللغة فحسب، بل لتشكيل سردية تاريخية متصلة تعطي شرعية سياسية واقتصادية للمشروع الصهيوني[24].
هنا، يصبح الاسم أداة اقتلاع: محو الاسم العربي يعني محو الذاكرة التاريخية المرتبطة به، ويصعب إثبات الوجود السابق للسكان الأصليين[25]. الإحلال الرمزي هنا يوازي، بل يسبق، الإحلال الديمغرافي، ليخلق واقعًا جديدًا على الأرض والخريطة معًا.
القاسم المشترك… الأرض كملكية إثنية
ما يجمع التتريك والتكريد والعبرنة ليس القومية المرفوعة، بل فرضية واحدة: الأرض ملكية إثنية يجب تثبيتها باسم جماعة محددة[26]. هذا المفهوم يتعارض جذريًا مع طبيعة سورية الطبيعية، التي تشكلت كمجال حضاري متعدد الطبقات وليس كدولة قومية نقية[27].
خطوات الإحلال الرمزي تتكرر في كل سياق:
- إعادة كتابة التاريخ انتقائيًا.
- إعادة تسمية المدن والقرى لترسيخ السردية الجديدة.
- تعديل المناهج والرموز العامة.
- ربط الجغرافيا بمركز خارجي أو إطار قومي عابر للحدود.
- تحويل التعدد من ثراء حضاري إلى “مشكلة” يجب حلها[28].
هذه الآلية تخلق حلقة مفرغة من استبدال الروايات، حيث تصبح الأرض منصة لصراع المعنى أكثر من كونها فضاءً اجتماعيًا.
البديل النهضوي… استعادة المجال السوري
السؤال ليس في مواجهة تتريك بتعريب، أو تكريد بعروبة، أو عبرنة بسردية مضادة، فذلك يعيد إنتاج المنطق ذاته[29]. البديل هو كسر فرضية الملكية الإثنية للأرض، والاعتراف بالمجال السوري بوصفه فضاءً حضاريًا تراكميًا، يشمل جميع مكوناته.
الاعتراف بالحقوق الثقافية لا يعني إعادة تعريف الجغرافيا حصريًا، والانتماء لا يُبنى عبر محو الآخرين، بل عبر إدماجهم ضمن وحدة سياسية جامعة[30].
إن أخطر ما في منطق الإحلال أنه يولد ردود فعل مماثلة، فتصبح الأرض فسيفساء صراعات، ويضيع الإنسان في كل مرة، بينما تُستبدل الأسماء وتتكرر مشاريع الإحلال.
خاتمة: المعركة على معنى المكان
التتريك، التكريد، العبرنة… ليست قدرًا تاريخيًا، بل تعبيرات عن أزمة واحدة: تحويل الحضارة السورية إلى قومية أحادية، وتحويل الجغرافيا إلى شعار[31].
إن سورية الطبيعية ليست مجرد مساحة جغرافية، بل كيان حضاري يمتد عبر آلاف السنين، من الكنعانيين والآراميين إلى العرب والسريان والأكراد والآشوريين. المعركة الحقيقية ليست على الأرض وحدها، بل على معنى المكان ذاته.
إما أن نستعيد سورية الطبيعية كفضاء حضاري جامع لجميع مكوناتها، أو نتركها تتفتت بين مشاريع إحلال متقابلة، حيث يُستبدل اسمٌ باسم، ويُمحى التاريخ، ويضيع الإنسان.
الهوامش
[1] Philip K. Hitti, History of Syria Including Lebanon and Palestine, Macmillan, 1951.
[2] Fergus Millar, The Roman Near East, 31 BC – AD 337, Harvard University Press, 1993.
[3] Michael Macdonald, “Ancient North Arabian Inscriptions,” in The Cambridge Encyclopedia of the World’s Ancient Languages, Cambridge University Press, 2004.
[4] Hugh Kennedy, The Prophet and the Age of the Caliphates, Pearson Education, 2004.
[5] Robert Hoyland, Seeing Islam as Others Saw It: A Survey and Evaluation of Christian, Jewish and Zoroastrian Writings on Early Islam, Darwin Press, 1997.
[6] Sidney H. Griffith, The Church in the Shadow of the Mosque: Christians and Muslims in the World of Islam, Princeton University Press, 2008.
[7] Albert Hourani, Arabic Thought in the Liberal Age 1798–1939, Cambridge University Press, 1983.
[8] Amin Saikal, The Rise and Fall of the Arab Order: From Hubris to Despair, Routledge, 2017.
[9] Syrian Ministry of Local Administration, official records: Changes of towns and villages in the Syrian Jazira (1960–1970).
[10] Charles Lister, The Syrian Jihad: Al-Qaeda, the Islamic State and the Evolution of an Insurgency, Oxford University Press, 2016.
[11] Janet McDonnell, Kurdish Politics in the Middle East: Regionalism, Nationalism and State Formation, Routledge, 2017.
[12] Erik J. Zürcher, Turkey: A Modern History, I.B. Tauris, 2004.
[13] Ibid.
[14] United Nations Security Council Reports on Syria, 2015–2022.
[15] Lise Storm, Syria: From Nationalism to Ba’athism, Routledge, 2011.
[16] David McDowall, A Modern History of the Kurds, I.B. Tauris, 2004.
[17] Wladimir van Wilgenburg, The Kurds of Northern Syria: Governance, Diversity and Conflicts, Routledge, 2019.
[18] M. B. Yapp, The Near East since the First World War: A History to 1995, Longman, 1996.
[19] Hawar, Mustafa. Rojava: An Analysis of Identity and Administration, Kurdish Studies Journal, 2020.
[20] Knapp, Michael, The Political Economy of the Syrian Kurds, Middle East Policy, 2019.
[21] David McDowall, A Modern History of the Kurds, I.B. Tauris, 2004.
[22] Wladimir van Wilgenburg, The Kurds of Northern Syria: Governance, Diversity and Conflicts, Routledge, 2019.
[23] United Nations Office of the High Commissioner for Human Rights (OHCHR), Reports on Minorities in Northeast Syria, 2021–2023.
[24] Ilan Pappé, The Ethnic Cleansing of Palestine, Oneworld Publications, 2006.
[25] Benny Morris, Righteous Victims: A History of the Zionist-Arab Conflict, 1881–2001, Vintage Books, 2001.
[26] Benedict Anderson, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism, Verso, 1983.
[27] Ibid.
[28] Rashid Khalidi, The Iron Cage: The Story of the Palestinian Struggle for Statehood, Beacon Press, 2006.
[29] Ibid.
[30] Janet McDonnell, Kurdish Politics in the Middle East, Routledge, 2017.
[31] Eric Hobsbawm, Nations and Nationalism since 1780: Programme, Myth, Reality, Cambridge University Press, 1990.
*باحثة في علم الاجتماع المعرفي والثقافي















