سفيان التل*
حاملة الطائرات جيرالد فورد بدئ في بنائها عام 2005 وأفهم وأنا من هذا أن مخططاتها كانت جاهزة تماماً وأنها بنيت على أسس دفاعية تجعلها غير قابلة للغرق بناء على المعطيات والعلوم العسكرية التي كانت متوفرة حتى عام 2005.
أما بين عام 2005 وعام 2025 مر 20 عاماً من التطوّر العلمي والعسكري وظهرت، وبتصارع علوم جديدة لم تأخذها مخططات وتصاميم بناء حاملة الطائرات بعين الاعتبار في ذلك الوقت. يّضاف إلى ذلك أن حاملة طائرات انتر برايس التي دخلت الخدمة في عام 1961، تمّ إيقاف تشغيلها رسميًا في 3 فبراير 2017، بعد أكثر من 55 عاماً.
فهل يمكن أن نبدأ التفكير الاستراتيجي في هذا المجال.
تُعدّ حاملة الطائرات جيرالد فورد إحدى أكثر القطع البحرية تطورًا في التاريخ الحديث، وغالبًا ما يُشار إليها بوصفها «غير قابلة للإغراق». غير أن هذا الوصف، على الرغم من وجاهته في سياقه العسكريّ، يظل توصيفًا نسبيًا لا مطلقًا. فالسؤال الحقيقيّ ليس ما إذا كان إغراقها ممكنًا نظريًا، بل ما إذا كانت فلسفة تصميمها الدفاعية لا تزال قادرة على مواكبة التحولات العلمية والعسكرية المتسارعة التي شهدها العالم ما بين عامي 2005 و2025.
بدأ العمل على تصميم حاملة الطائرات جيرالد فورد في مطلع الألفية الجديدة، ودخلت مرحلة البناء الفعلي قرابة عام 2005. وهذا يعني أن المخططات الهندسية والعقائد الدفاعية التي بُنيت عليها استندت إلى ما كان متوفرًا آنذاك من علوم عسكرية وتقنيات تسليح وأنماط تهديد متوقعة. في ذلك الوقت، كانت التهديدات البحرية التقليدية، مثل الصواريخ المضادة للسفن والغواصات، معروفة ومُستوعبة ضمن منظومات الدفاع السائدة، ما أتاح تصميم الحاملة جيرالد فورد كسفينة عالية التحصين، متعددة الأنظمة، وقادرة على امتصاص الأضرار دون فقدان القدرة القتالية.
من الناحية الهندسية، لا تُصمّم أي قطعة بحرية على أساس الاستحالة المطلقة للغرق، بل على مبدأ النجاة بعد الإصابة. وتعتمد حاملة الطائرات جيرالد فورد على تقسيم داخلي معقد يقلل من خطر الغرق المتسلسل، وأنظمة متقدّمة لإطفاء الحرائق والسيطرة على الأضرار، إضافة إلى القدرة على الاستمرار في العمل حتى بعد التعرض لضربات مباشرة. غير أن كل ذلك يفترض نوعًا معينًا من التهديدات وسيناريوهات قتال تقليدية نسبيًا ضمن معطيات ذلك الوقت..
ما بين عامي 2005 و2025، شهد العالم العسكري تطوّرات نوعية لم تكن في صلب الحسابات التصميمية الأولى. من أبرز هذه التطورات ظهور الصواريخ فرط الصوتيّة بسرعات ومسارات يصعب اعتراضها، تنامي قدرات الحرب السيبرانية التي تستهدف أنظمة القيادة والسيطرة، وظهور أسراب الطائرات المسيّرة كوسيلة لإغراق الدفاعات عبر التشبّع، إضافة إلى تطور تقنيات الاستشعار والذكاء الاصطناعي في تتبع الأهداف الصغيرة، والكبيرة، والمعقدة، والمتحرّكة. هذه التحوّلات لا تعني بالضرورة أن الحاملة أصبحت ضعيفة، لكنها تثير تساؤلات مشروعة حول مدى كفاية الفلسفة الدفاعية التي وُضعت قبل عقدين.
في ذلك الوقت، كانت التهديدات البحرية التقليدية معروفة ومُدمجة في تصميم الحاملة، التي اعتمدت على دفاعات طبقية وأنظمة متقدمة للسيطرة على الأضرار. ولكن، ما بين عام 2005 و2025، مر العالم بتطورات علمية وعسكرية هائلة ومتسارعة. وقد قفزت الصين، على سبيل المثال، في الإنفاق العسكري والابتكار، حيث ارتفعت نسبة التطور لديها بين 2005 و2025 إلى حوالي 250–300%، لتصبح أقرب المنافسين عالميًا. في المقابل، حافظت الولايات المتحدة على تفوقها لكن بنمو أبطأ، حيث تقدير نسبة تطورها بنحو 160–180%. أما روسيا، فقد حققت تحديثًا انتقائيًا مع الحفاظ على قوتها النووية، حيث قدّرت نسبة تطورها بحوالي 140–160%. أما إيران، التي انطلقت من قاعدة متواضعة، فقد سجلت قفزة كبيرة نسبية في قدراتها الصاروخية والمسيّرات، حيث قدّر تطورها بحوالي 300-350%.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال آخر يتعلّق بطريقة تفكير بعض الدول التي لا تسعى، لمجاراة الولايات المتحدة في حجم الأساطيل أو عدد حاملات الطائرات، مثل الصين أو روسيا أو إيران. فبدل الدخول في سباق تسلح كلاسيكي مكلف، يتركز التفكير العسكري (تفكير خارج الصندوق) لدى هذه الدول على القفز على هذا النموذج، والبحث عن وسائل غير تقليدية لتحييد المنصة وشلّ فاعليتها او إغراقها مباشرة..
ضمن هذا المنطق، يُطرح الحديث عن تقنيات تعتمد على الأشعة، أو الميكروويف، أو غيرها من وسائل الطاقة الموجهة. ومن حيث المبدأ العلمي، لا يوجد ما يمنع تطوير أدوات تعتمد على الميكروويف عالية الطاقة، أو النبضات الكهرومغناطيسية، أو الليزر عالي الطاقة. غير أن دور هذه التقنيات المحتمل، ضمن ما يعرف هذه الأيام، لا يتمثل في صهر هيكل الحاملة أو تدميرها ماديًا، بل في تعطيل أو إرباك الإلكترونيات الحساسة، أو شل أنظمة الرادار والملاحة والاتصالات، أو إحداث فوضى في أنظمة التحكم بالطيران على سطح الحاملة.
أما فكرة صهر الفولاذ البحري السميك أو الهيكل المدرع أو أجزاء منها عبر الأشعة من مسافات قتالية، فهي غير واقعية ضمن المعطيات الحالية، نظرًا لمتطلبات الطاقة الهائلة، وتشتت الإشعاع، وصعوبة التثبيت الدقيق على هدف متحرّك ومحمي بطبقات دفاع متعددة. ولكننا لا نستطيع أن نؤكد أو أن ننفي أن هناك من يفكر ويعمل في هذا المجال ويحيط أعماله بسرية مطلقة، فمفاجئة العدو بأسلحة غير متوقعة كانت وما زالت من صلب التخطيط العسكري..
الخطورة الحقيقية لا تكمن في سلاح شعاعي خارق، بل في التكامل بين مجالات متعدّدة، مثل ضربة سيبرانية تعطل أنظمة الإدارة القتالية، وتشويش كهرومغناطيسي يربك منظومات الاستشعار، يتبعها هجوم مادي تقليدي. في مثل هذا السيناريو، تتحول الحاملة من منصة فائقة التنظيم إلى نظام معقد يعاني من اختناق معلوماتي، وهو من أخطر التحديات التي تواجه الجيوش الحديثة..
ويُظهر التاريخ العسكري أن ما يُوصف بالعلوم السرّية ليس اكتشافًا لقوانين فيزيائية جديدة، (وهذا يكون مذهلاً وخارقاً إذا حصل) بل تطبيقات مبتكرة لعلوم معروفة، يكون الجديد فيها غالبًا في طريقة الدمج والتوظيف، لا في جوهر العلم نفسه. لذلك، ورغم احتمال وجود تقنيات لم تُعلن تفاصيلها فلا بد من الإشارة إلى تطور صيني وآخر إيراني:
وتتناقل وسائل الإعلام حالياً عن إنجاز صيني سُمّي ” قاتل حاملات الطائرات” وهو صارخ باليستي محمول جواً ومصمم على الأرجح لاستهداف حاملات الطائرات الأمريكية والسفن الحربية. وبما ان هذا الصاروخ فرط صوتي ويتبع نظام توجيه خاص فإنه قادر على المناورة وتفادي الأسلحة المضادة.
وفي ما يتعلق بتهديدات إيران بأن السلاح القادر على إغراق السفينة أخطر من السفينة نفسها فيدور الحديث ومن مصادر إسرائيلية عن ”طوربيد الحوت” الذي يطلق تحت الماء ويعمل في التجويف الفائق ويتحرك داخل فقاعة غازية تقلل احتكاكه بالماء وبسرعة تصل إلى 360 كم في الساعة ما يقلص زمن رد الفعل من السفن المستهدفة ويصعب عملية التصدّي له.
الخلاصة أن القفز على التسلّح الكلاسيكي بات واقعًا، وأن تعطيل حاملة طائرات أصبح، من الناحية النظرية ممكننا، أما إغراقها الكامل فيبقى من الأسلحة السرية التي لا يعلن عنها من يمتلكها لتتم مفاجئة العدو بها.
*كاتب أردني















