يتزامن تصاعد عجز الموازنة العامة في الكويت مع لحظة مفصلية في مسار الإصلاحات المالية بالبلد الخليجي الثري، حيث يلتهم الإنفاق على الرواتب الحكومية والدعم السلعي نسبة هائلة من الإيرادات النفطية، ما يضغط على الحكومة لإعادة ترتيب أولوياتها في ظل تذبذب سعر النفط، ويفتح الباب أمام ضرائب جديدة وتعديلات في الخدمات العامة مثل التعليم والصحة لضمان استدامة النموذج الاقتصادي.
ويتنبأ مشروع الموازنة للسنة المالية 2025/ 2026 بزيادة العجز بنسبة 11.9% إلى 6.31 مليارات دينار كويتي (حوالى 20.5 مليار دولار)، مدفوعاً بانخفاض متوقع في إيرادات النفط، رغم محاولات خفض الإنفاق الجاري، ما يعكس تحدياً هيكلياً يجعل دعم الوقود والرواتب أكثر عرضة للتعديل في ظل ضغوط مالية متزايدة، حسبما أورد تقرير نشرته وكالة بلومبيرغ في 2 فبراير/ شباط الجاري.
وتأتي هذه التوقعات في وقت تشهد فيه الكويت جهوداً لتنويع الإيرادات، لكن الاعتماد الثقيل على النفط يجعل أي هبوط في الأسعار يستقطع من الحيّز المتاح للحفاظ على مستويات الدعم دون اللجوء إلى قروض أو سحوبات من الصناديق السيادية، بحسب التقرير ذاته.
وفي سياق الرواتب الحكومية، التي تمثل جزءاً كبيراً من الإنفاق، يبرز الضغط السياسي عاملاً عائقاً أمام الإصلاحات الجذرية، إلا أن التصاعد في العجز يدفع نحو خفض التوظيف الحكومي وتعديل البدلات، مع اقتراحات لربط الأجور بالأداء للحد من نمو الكتلة الأجرية التي تهدد الاستقرار المالي، حسب تقدير نشره صندوق النقد الدولي في 18 ديسمبر/ كانون الأول الماضي.
أما احتمال فرض ضرائب جديدة، فيرجحه التقدير ذاته، إذ أقرت الكويت ضريبة أرباح شركات بنسبة 15% على الشركات متعددة الجنسيات ذات الإيرادات السنوية أكثر من 750 مليون يورو، متوقعة جمع مئات الملايين من الدولارات سنوياً، مع خطط محتملة لضريبة قيمة مضافة بنسبة 5% وضرائب انتقائية على السلع الضارة، في خطوة أولى نحو توسيع القاعدة الضريبية وفك الارتباط بالنفط.
وتتوافق هذه الإجراءات مع معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، وتهدف إلى تعزيز الاستدامة المالية في وجه تقلبات السوق النفطي، رغم التحديات السياسية لتنفيذها، وفقاً لما أورده تقدير نشرته مجلة التمويل العالمي Global Finance Magazine، المعنية بتحليل الاقتصادات الناشئة والإصلاحات المالية، في 25 يناير الماضي.
يؤكد الخبير الاقتصادي، حسام عايش، لـ”العربي الجديد”، أن الموازنة الكويتية تعاني من “عجز هيكلي” يقترب من 32 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 10 مليارات دينار، ما يجعله ثاني أكبر عجز تسجله البلاد بعد ذلك الذي تجاوز الحاجز نفسه في عام 2021، ويعزو السبب الرئيسي وراء تفاقم هذا العجز إلى تراجع أسعار النفط.
فإيرادات النفط تشكل نحو 79% من إجمالي إيرادات الحكومة الكويتية، حيث انخفضت هذه الإيرادات بنسبة 16.3%، بينما ارتفعت المصروفات بنسبة 6.2% في الوقت ذاته، وهو التباين الذي يشير إليه عايش على أنه دليل على غياب التوازن بين مراجعة النفقات وانخفاض الإيرادات.
وتستحوذ البنود الجارية، وتحديداً الرواتب والدعم، على النصيب الأكبر من الإنفاق الحكومي بنسبة تصل إلى 76%، أي ما يقارب 20 مليار دينار، منها نحو 16 مليار دينار للرواتب وحدها و4 مليارات دينار للدعم، فيما لا تتجاوز النفقات الرأسمالية الإنتاجية 3 مليارات دينار، مؤكداً أن الموازنة موجهة للاستهلاك أكثر من كونها محفزة للإنتاج.
وتبرز الإشكالية الهيكلية، حسب عايش، في اعتماد الموازنة على سعر تعادل نفطي يبلغ نحو 90 أو 91 دولاراً لتحقيق التوازن، في حين أن السعر المعتمد في الموازنة ما بين 60 و70 دولاراً، وهو واقع يفرض استمرار العجز ما لم يُضبَط الدعم وتُراجَع كتلة الرواتب الضخمة، ولذا يحذر الخبير الاقتصادي من استمرار هذا النمط في ظل انعدام التوقعات بعودة أسعار النفط لمستوياتها المرتفعة.
فالخروج من هذا المأزق يتطلب إعادة تقييم شاملة للقطاع العام وضبط الأجور، بالإضافة إلى تفعيل النفقات الرأسمالية لضمان عائد استثماري، والتفكير الجدي في فرض ضرائب جديدة مثل ضريبة المبيعات والدخل بكونه جزءاً من إصلاح مالي تدريجي، إلى جانب اللجوء للاستدانة عبر قانون الدين العام، وهي الخطوات التي يراها حسام عايش ضرورية لمواكبة بقية دول الخليج في إدارة المديونية والسياسات المالية.
لكن الأولويات الإنفاقية في الكويت تعاني من اختلال واضح، حيث يتجاوز الإنفاق على الرواتب والأجور بشكل كبير الإنفاق على التعليم والصحة، ما يضع الكويت في موقع متأخر مقارنة بمنافسيها الإقليميين الذين يستثمرون بكثافة في التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، ما دفع عايش إلى التوصية بإعادة توجيه الموارد نحو تجويد الخدمات الحيوية بدلاً من تبديد الثروة في إنفاق جارٍ غير منتج.
ويواجه الاعتماد التقليدي على النفط تحديات وجودية مع تحول العالم نحو الطاقة المتجددة وتقنيات السيارات الكهربائية، ما قلل من حساسية الأسواق للأحداث الجيوسياسية وجعل الطلب على النفط أقل استجابة للصدمات، وهو تحول هيكلي يستدعي تغيير المعادلات الاقتصادية الكويتية بعيداً من الريعية، حسب عايش، الذي يشدد على ضرورة رفع إنتاجية الموظف العام وتقليل حجم العمالة في القطاع الحكومي.















