حاورتها ـ عبير حمدان
ترى التشكيلية اللبنانية أحلام عباس أن الفنان عبارة عن مزيج من خبرات وحقبات ومراحل تجمع بين الموهبة والإبداع المكتسب وامتلاك التقنية شرط أن تصبح قيداً يحدّ من رؤيته التي يخرج فيها عن النص الثابت في ما يتصل بالخطوط.
وتعبّر عباس أن العمل الفني لا ينفصل عن الواقع لذلك يجب أن يحمل رسالة وقضية بمنأى عن أي خوف من احتمال المقاطعة أو التأطير، لافتة إلى أن جزءاً كبيراً من دراستها وأعمالها تعرّض للتلف جراء العدوان الأخير على لبنان، حيث إنها كانت تحتفظ بلوحاتها في بيتها الجنوبي، ولكنها تمكنت من إنقاذ بعض اللوحات وقامت أيضاً برسم المشهد كنوع من مبدأ المواجهة والتصدي وتأكيد التجذر في الأرض رغم كل ما يمارسه العدو من إجرام.
ودعت عباس الوزارات المعنية إلى الاهتمام بنتاج الفنانين اللبنانيين من خلال حفظ أعمالهم في مكان جامع لحفظها من التلف لكونها تُعتبر ثروة ثقافية وفنية لكل الوطن وليس للفنان وحسب.
عن تجربتها الفنية والتزامها بالثوابت الإنسانية والاجتماعية تحدثت الفنانة أحلام عباس لـ”البناء” في حوار يشبه ألوانها وخطوطها المتقنة.
تبدأ عباس بالحديث عن تجربتها بالإشارة إلى كل مرحلة عبارة عن بداية جديدة، فتقول: “الفنان يرى في تجربته تجدداً دائماً، حيث إن كل مرحلة هي بداية جديدة، بمعنى أنه لا يفكر أنه قد امتلك الخبرة الكاملة التي تجعل من الرسم مجرد مهنة وحسب. لأن الفنان حين يفتتح في كل مرة مرحلة من حياته ومسيرته فهو يحتاج للمعرفة والتعلم أكثر. ومن هنا أعتبر نفسي موجودة في مكانين، الأول هو في تطوير تجربتي الفنية من خلال وجود وسائط تقنية فنية ذكية ورقمية وهي ليست بعيدة عن دراستي الأساسية في مجال علوم الكمبيوتر والتي كانت في بداية التسعينيات. والثاني في مجال التعليم الذي أمارسه اليوم فالمعلم أو الأستاذ يكتسب الكثير من موقعه ويكاد يكون طالباً أيضاً خاصة أن الطلاب يجربون تقنيات متطورة مواكبة للعصر وبالتالي يكون تبادل المعرفة بيني وبينهم مزيجاً إيجابياً لي ولهم في آن واحد. من هنا أرى نفسي في تطور مستمر من خلال التلقي ومواكبة كل ابتكار بالتزامن مع حفاظي على الرسم بالفطرة وضمن الإطار التلقائي والعفوي”.
وتفسّر عباس هذا المزيج بين العلم والفطرة، بالقول: “أنا اليوم أمتلك التقنية والقواعد وأعرف كيفية رسم الخطوط على هذا الأساس، ولكني أعمد إلى الخروج عن القاعدة، بمعنى أنه ليس بالضرورة أن يكون الخط مرسوماً وفق القاعدة بل أستطيع أن أخالف قليلا فلا أحيد عن مبدأ الإبداع ولكني أُخرجه من دائرة التقليدية، وفي ذلك تميّز”.
وعن الفرق بين الرسام والفنان تقول عباس: “هناك فرق كبير، الرسام هو الذي يرسم وفق قواعد المدارس الفنية المتعددة سواء كانت انطباعية أو تجريدية أو واقعية ويمكنه أن يكون مقلداً يقوم بنقل لوحة ما وقد لا يهتم كثيراً بمواكبة التطور والمعرفة والاطلاع على تاريخ الفن وفلسفته. بينما الفنان هو مجموعة خبرات فنية متكاملة تجمع بين العلم والثقافة والموهبة والتقنية والفلسفة، وفي المقابل منحه المتلقي مكانة استحقها وفقاً للوحاته وأعماله التي تشكّل هويته، خاصة إذا كان مبدعاً، بمعنى أن أي شخص يمكنه الرسم ولكن ليس كل شخص يمكنه أن يكون فناناً”.
وتستطرد في الإطار نفسه: “الفنان عبارة عن خبرات وحقبات ممكن أن تبدأ بموهبة أو باكتساب متأتية من عامل وراثي ربما او رغبة مكتشفة مع الوقت، ولكن يجب التمييز بين الفنان ومن يدّعي ذلك، وهذا يعتمد على وعي المتلقي، والخروج من منطق المحسوبيات لدى بعض من يصنفون انفسهم كنقّاد ويمنحون من لا يستحق الثناء صفة فنان. وهذا الواقع ينسحب على كل المجالات وليس مجال الرسم فقط”.
وتعتبر عباس أن أي عمل فني يجب أن يحمل رسالة وقضية، فتقول: “برأيي العمل الفني لا ينفصل عن الواقع المجتمعي، ولذلك يجب أن يكون مرتبطاً بالقضايا الإنسانية المحقة، بالنسبة لي هناك الكثير من القضايا التي يمكن للفنان التعبير عنها من خلال لوحاته وألوانه وخطوطه، وتبقى فلسطين هي القضية الأبرز وكذلك كل جزء من الأرض التي يحتلها العدو. من هنا يتحتم على الفنان أن يكون مسؤولاً في التعاطي مع الواقع الإنساني وتجسيده على القماش كرسالة يخاطب في العالم”.
ونسأل عباس على كيفية رسمها للمراحل، فتقول: “هناك الكثير من المراحل التي رسمتها، بدأت في عمر الطفولة حيث رسمت ملامح الدهشة في المنزل ولو أني لم أكن أفهم كثيراً ما أريده، في الصغر رسمت ابي وأمي والزخارف والعصافير، ولاحقاً في المرحلة الدراسية الابتدائية كنت قد بدأت أفهم الواقعية المتصلة بالرسم وأقرّ أنني لم أحب هذه المرحلة لأني شعرت نفسي مقيّدة بضوابط محدّدة تأسر مخيلتي وحريتي ورغم ذلك نلت العديد من الجوائز على أعمال نفذتها في حينه. وخلال دراستي لعلوم الكمبيوتر بدأت بالمشاركة في معارض بالاستناد إلى موهبتي فقط بعيداً عن أي دراسة، لذلك قررت صقل هذه الموهبة بالدراسة الفنية، أضف إلى ذلك أنني كنت أتقبل النقد وأحاول التعلم منه”.
وتعتبر عباس أن الدراسة الأكاديمية ضرورة ولكن يجب أن تترافق مع الاطلاع والقراءة خارج إطار المنهج للتعرف أكثر على تاريخ المدارس الفنية. وكذلك اطلعت على الكثير من النصوص النقدية.
من هنا تؤكد عباس أن التشابه في الخطوط ليس سرقة إنما هو نتاج التعلم من المدرسة نفسها، وترى أن تجربتها تحمل هوية إنسانية اجتماعية هدفها المساهمة في تقديم الفرح ومعالجة النفس المتلقية.
وتستطرد في إطار متصل: “هذه المرحلة أرسمها بأسلوب فطريّ ولكن معاصر، بحيث دمجت بين الأكاديمي والتلقائية التي سبقت اكتسابي للمعرفة التقنية، الناقدة والفنانة التشكيلية والرئيسة السابقة لجمعية الفنانين الدكتورة هند الصوفي أطلقت على أعمالي تسمية “الفطرية المستحدثة” التي تجمع الملامح الأكاديمية وروح الطفولة لدى الفنان والظاهر الإدراكي عنده”.
وعن التقنية والألوان تقول: “لا زلت أحاول الابتكار، فقد أدخلت عناصر مختلفة في لوحاتي منها المحارم والأوراق وبدأت الآن في عالم الوسائط المختلفة في الألوان والمزج بين الديجتال الرقمي والواقعي، يمكن القول إنني وظفت علوم الكمبيوتر التي درستها في التسعينيات في مجال فن الرسم”.
وتشير عباس إلى ضرورة السعي للحفاظ على أعمال الفنانين اللبنانيين من قبل الوزارات المعنية بحيث يكون هناك مكان جامع لأعمالهم لحمايتها من التلف، والدمار بفعل الحروب، وهي التي تعرّضت لوحاتها التي كانت تحفظها في بيتها الجنوبي للتلف خلال الحرب الأخيرة، لكنها تمكنت من إنقاذ جزء بسيط منها وتعمل على ترميمها.
وعن هذا الواقع، تقول: “في مرحلة الطفولة جراء حادث حريق خسرت لوحاتي وبكيت كثيراً في حينه، وحرب تموز حصدت مجموعة كبيرة من لوحاتي ودراساتي وبكيت أيضاً لأني معها خسرت شيئاً من ذاتي، وأخيراً كنت قد وضعت دراساتي ولوحات أنجزتها في سنوات الماجستير في الجنوب وتعرّض بيتنا للقصف فخسرت معظمها، ولكن هذا لن يثنيني عن رسم المشهد الذي يوثق وحشية هذا العدو. وهذا برأيي جزء من تاريخ الفن وشاهد على الحاضر والتاريخ، وفعلياً رسمت ما تبقى من لوحاتي تحت الركام بألوان مشعّة للتأكيد أننا متجذرون هنا وباقون، وقادرون على المواجهة، ورفض أي فكر استسلامي وتطبيعي وانهزامي”.
وتختم عباس: “نحن جبهة مقاومة فنية ثقافية، لأن الرسام صاحب قضية، وإن لم يتمكن من القتال بالبندقية والمال ليحفظ قضيته، يمكنه أن يحفظها بألوانه ولوحاته بعيداً عن أي تصنيف طائفي أو مذهبي، نحن أبناء هذا الوطن وواجبنا حمل صورته الحقيقية إلى كل العالم، كما أننا لا ننفصل عن محيطنا، ولوحتي عن فلسطين التي نالت جائزة جمعية الفنانين للرسم والنحت دمجت فيها الواقعي مع الطفولي لفتاة في وضعية اليوغا ترفض مفهوم السلام الذي يروج له العدو ومن يدعمه، ورسمت أيضاً أطفال غزة تحت الركام، هذه اللوحة شعرت أنني من خلالها حملت بندقية وأطلقت رصاصة في وجه المحتل”.
(جريدة البناء)



















