د. عصام نعمان
يدعو دونالد ترامب إلى فرض السلام بالقوة، يفاخر بأن دعوته أثمرت وقفاً لثماني حروب في العالم، أهمها الحرب بين إسرائيل وإيران صيفَ العام الماضي، وأنه دمّر خلالها منشآت إيران النووية الثلاث في فوردو ونطنز وأصفهان، كما عطّل الأربعمئة كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب المعدّ لإنتاج 6 قنابل نووية.
ليس أدلّ على تهافت ادعاءات الرئيس الأمريكي المزاجي والمهجوس بطموحٍ جموح بأنه يفاوض إيران منذ أكثر من شهر لحملها على تفكيك منشآتها النووية، ما يشي بأنها ما زالت صالحة للعمل، ويطالبها أيضاً بنقل كمية اليورانيوم المخصّب لديها إلى دولة اخرى!
ترامب يهدّد إيران اليوم بحرب جديدة أشدّ ضراوة من سابقاتها، إذا رفضت الرضوخ لطلبه بوقف إنتاج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، التي ألحقت بإسرائيل دماراً شديداً نتيجةَ ضربة إيران الثأرية لها في حرب الأيام الأثني عشر الأخيرة.
بنيامين نتنياهو يُعارض استئناف المفاوضات الأمريكية – الإيرانية ويدعو ترامب إلى معاودة حربه على إيران، ويهدد بأن إسرائيل قد تجد نفسها مضطرةً إلى شنّ الحرب عليها مجدداً إذا انتهت المفاوضات إلى نتيجةٍ لا تحقق مطالب كيان الاحتلال الثلاثة: وقف البرنامج النووي الإيراني نهائياً، ووقف إنتاج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، وإطلاق يد إسرائيل في تصفية فصائل المقاومة المتحالفة مع إيران، في كلٍّ من فلسطين ولبنان والعراق واليمن. ليس نتنياهو وحده مَن يدعو الولايات المتحدة إلى استئناف الحرب على إيران. غالبية الجمهور وأحزاب اليمين الديني والعنصري في كيان الاحتلال، تضغط داخلياً وخارجياً بهذا الاتجاه. سفير إسرائيل السابق في واشنطن مايكل أرون، ركّز محذراً بمقالةٍ له في صحيفة «يديعوت أحرونوت» (2026/2/19) على «الخطر الوجودي الذي يواجه إسرائيل». قال إنه بغض النظر عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستتوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي، «فإن الجمهورية الإسلامية ستسارع إلى إنتاج مئات كثيرة من الصواريخ الباليستية القادر واحد منها على تدمير مجمّع سكني كامل أن لم يكن حيّاً بأكمله، وتحت هذه المظلة الباليستية، تستطيع إيران أيضاً إعادة بناء «حلقة النار» الخاصة بها من «الوكلاء الإرهابيين» (أيّ فصائل المقاومة) المحيطين بإسرائيل، وفي الخفاء تندفع إيران بقوةٍ نحو إنتاج سلاح نووي، وفي نهاية المطاف ستعود إسرائيل إلى الوضع غير المحتَمَل الذي ساد في 6 اكتوبر 2023 وربما إلى أسوأ».
يتظاهر ترامب بأنه يشاطر إسرائيل مخاوفها، لكنه يكابد مخاوفَ أكبر على مصير الحضور الأمريكي الاستراتيجي، الأمني والاقتصادي، وعلى دور أمريكا، بما هي الشريك والمدافع الرئيس عن المصالح النفطية المتكاملة لحلفائها من الدول النفطية في الإقليم. لذا فإن تهديدات ترامب المتكررة لإيران يجب أخذها على محمل الجدّ لأنها ليست مجرد ضغوط لحمل طهران على تقديم مزيد من التنازلات، بل هي إعلان فصيح بأن لديها بديلاً من التفاوض هو الحرب. لذلك كله، فإن ثمة مخاطر وتحديات اخرى تدفع كلاًّ من ترامب ونتنياهو إلى حسم الصراع مع إيران بأقصر وقت ممكن، لأن الولايات المتحدة تقف على عتبة الانتخابات النصفية المقرر إجراؤها في مطلع نوفمبر المقبل، وقد أخذت نتائج استطلاعات الرأي تظهر ميلا متصاعدا لدى غالبية الناخبين للتصويت لمرشحي الحزب الديمقراطي، الأمر الذي يهدّد ترامب، ولاسيما حزبه الجمهوري بخسارة الأغلبية الهزيلة التي يمتلكها حالياً في مجلسيّ الكونغرس.
نتنياهو وأحزاب اليمين الديني والعنصري، التي تشكّل الإئتلاف الحاكم في كيان الاحتلال مهدّدة أيضاً، كما يتضح من نتائج استطلاعات الرأي، باحتمال خسارة غالبية الصوت الواحد الذي «تتمتع» به في الكنيست عند إجراء الانتخابات في مطلع أكتوبر المقبل. وعليه، قد يجد ترامب أنه من الأفضل له ولحزبه، ألاّ يتأخّر في حسم جدليات المفاوضات مع إيران، بالانتقال إلى حسم الصراع معها عملياً، بشنّ حرب جديدة عليها خلال الشهر الحالي، فهل تُحقق له الحرب، كما لحليفه نتنياهو، ما يمكّنهما من الفوز في الانتخابات المقبلة؟
يتضح من متابعة صحافة الرأي في الولايات المتحدة وإسرائيل، كما في دول أوروبا الغربية، أن ثمة إجماعاً على أن الهدف الأول، وربما الوحيد، الذي يمكن أن يشكّل لترامب ونتنياهو نصراً عسكرياً وسياسياً ساطعاً، ويؤدي تالياً إلى تحقيق تغييرٍ مؤثّر وطويل الأمد في موازين القوى الإقليمية، هو إسقاط النظام السياسي في إيران. فهل تستطيع الولايات المتحدة اليوم تحقيق هذا الهدف الكبير، الذي استعصى عليها مذّ أسقطت الثورة الإسلامية نظام الشاه سنة 1979؟ حاولت الولايات المتحدة (ومعها دول حلف شمالي الأطلسي) مرات عدّة وبأشكال مختلفة إسقاط النظام السياسي في إيران أو إضعافه وتفكيكه، لكنها فشلت دائماً، وإذا ما أخذنا حربها الأخيرة على الجمهورية الإسلامية صيفَ العام الماضي كعيّنة للدرس واستخلاص النتائج، لوجدنا أنها لم تتمكّن، لا هي ولا إسرائيل، من إسقاط نظام الحكم، الذي تعتبره مسؤولاً عن الارتقاء بإيران إلى مصاف دولةٍ إقليمية كبرى لها حضور ودور ونفوذ متصاعد في منطقة غرب آسيا، وتحظى بعلاقات جيدة ومتطورة مع دولتين عظميين هما، الصين وروسيا. لذلك، يجب أن نضع في الحسبان أن روسيا عقدت معاهدة تعاون استراتيجي مع إيران وأن الصين، وفق ما يُستخلص من معلومات سرّبتها مراجع سياسية إقليمية موثوقة، قد مدّت إيران في الآونة الأخيرة بأعداد كبيرة من الطائرات الحربية المتطورة وصواريخ الدفاع الجوي الدقيقة والرادارات فائقة الفعالية، وغيرها من الأسلحة والأجهزة والذخيرة الوازنة، ما وفّر لها ترسانة ضخمة من السلاح والعتاد تمكّنها من الصمود في مواجهة أمريكا وإسرائيل، كما تساعدها كثيراً على تنفيذ ما جَهَر به قادتها العسكريون مؤخراً، ومفاده أنها لن تكتفي بممارسة سياسة دفاعية فاعلة فحسب، بل قررت أيضاً الانتقال إلى اعتماد سياسة هجومية على مستوى الإقليم برمته.
أرى أن ترامب ومستشاريه السياسيين والعسكريين يدركون جيداً، كما نتنياهو وفريقه، التطورات اللافتة آنفة الذكر ومدلولاتها السياسية والاستراتيجية، الأمر الذي سيحملهم على التحسّب والإحجام تالياً عن الانزلاق إلى مغامرة عسكرية مجهولة العواقب. صحيح أن في مقدور أمريكا، بما هي أقوى دول العالم، تحقيق مكاسب عسكرية بارزة في حربها المحتملة على إيران، لكنها لا تستطيع على الأرجح تحقيق إنجاز ذي قيمة على الصعيد السياسي، بل على العكس، فإن فشلها المرجّح في هذا المجال قد يؤدي إلى اختلال خطير في موازين القوى الإقليمية، سينعكس بالضرورة على نفوذها ومصالحها ودورها في الإقليم، كما على أمن كيان الاحتلال الصهيوني.
هكذا يتضح أنه بقدْر ما تبدو القوة (لاسيما الحرب) واعِدة لترامب عسكرياً بقدْر ما هي محبِطة له سياسياً.
*نشرت في جريدة “القدس العربي”(لندن) بتاريخ 2026/2/23















