د. نبيلة غصن*
في ليالي الرحمة، حين تُرفع الأكفّ بالدعاء وتُكسَر تمرة الإفطار على مهل، سقطت البيوت على رؤوس أهلها في البقاع. لم تكن جبهة مشتعلة ولا موقعًا عسكريًا، بل أحياءً سكنية ومائدة إفطار وأطفالًا بين لقمةٍ وكأس ماء. اثنا عشر شهيدًا وأكثر من أربعين جريحًا حصيلةٌ أوليّة لليلٍ لبس ثوب المجزرة، فيما الطائرات المسيّرة والحربية أغارت على رياق وتمنين التحتا وسهل قصرنبا ومنطقة الشعرة، واستُهدفت عديسة – مركبا وحولا ويارون وحيّ حطّين في عين الحلوة… خارطة اعتداءاتٍ تقول إن العدوان لم يكن خطأً عابرًا بل نهجًا مكتمل الأركان.
لكن الفاجعة لا تقف عند حدود الصواريخ. الفاجعة الأكبر هي حين يُقابَل الدم بصمتٍ رسميٍّ بارد، وحين يثقل على الدولة حتى بيان إدانةٍ واضح، أو تسمية القاتل باسمه. عندها لا يعود الصمت عجزًا؛ يصبح سياسة. لا يعود حيادًا؛ يصبح شراكةً في الجريمة.
أيُّ معنى لـ«حكومة السيادة» إذا كانت السيادة تُقصف كل مساء؟ وأيُّ قيمةٍ لشعارات مجلس الأمن وحقوق الإنسان وحقوق الطفل، إذا كان الطفل يُقتل في حضن أبيه، ثم يُختزل إلى رقمٍ في نشرة الأخبار؟ إن الدولة التي لا تملك الجرأة على رفع صوتها دفاعًا عن أهلها، تفقد تدريجيًا صفتها التمثيلية. فالسلطة تُستمدّ من حماية الناس، لا من إدارة بياناتٍ رمادية.
لقد قيل الكثير في الساعات الماضية: إن الدبلوماسية الباردة لا توقف نزيف الدم، وإن الأداء الرسمي لم يعد مقبولًا، وإن المجزرة الموصوفة ليست حادثًا بل رسالة. الرسالة واضحة: لا بيت آمن، ولا مائدة إفطار محميّة، ولا طفل خارج دائرة الاستهداف. لكن الرسالة المقابلة من داخل القصور أكثر وضوحًا: تجنّبوا المواجهة الكلامية، وازنوا العبارات، لا تُغضِبوا أحدًا.
هذا المنطق هو ما يجعل القاتل يعود كل مرة. لأن القاتل لا يخاف من «القلق»، ولا يرتدع بعبارات «ضبط النفس»، ولا يتراجع أمام مساواةٍ باردة بين الضحية والجلاد. كل بيانٍ مخفّف هو رصاصة إضافية، وكل دقيقة تأخير في تسمية الجريمة باسمها هي دفنٌ ثانٍ للضحايا تحت ركام السياسة.
ليست القضية قضية انفعالٍ أو خطابٍ شعبوي. إنها قضية معنى الدولة. الدولة ليست منصة وساطة بين شعبٍ يُقتل وعدوٍّ يقصف؛ الدولة موقف. وإذا كان العجز سيد الموقف، فليُصارَح الناس بالحقيقة بدل تسويق الوهم. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يعتاد المجتمع مشهد الطفل المكفّن، وأن تصبح المائدة المدمّرة صورةً عادية في نشرات المساء.
الجنوب ينزف، والبقاع يودّع أبناءه، والمشهد يتكرر. ومع كل تكرار، يتآكل الإيمان بأن هناك مرجعية تحمي، أو قرارًا وطنيًا يردع. لا يكفي أن نُحمّل «المجتمع الدولي» المسؤولية، ولا أن نختبئ خلف توازناتٍ داخلية هشّة. من حق الناس أن يسمعوا موقفًا صريحًا: مَن الذي قَصَف؟ ومن الذي يغطي؟ ومن الذي يساوي بين المعتدي والمعتدى عليه؟
إن العدالة ليست شعارًا يُرفع في المؤتمرات؛ العدالة موقفٌ حين يُستهدف المدنيون. وحين تغيب العدالة، يتضخم الغضب، وتضيق المسافات بين الألم والانفجار. لا أحد يريد بلدًا يُدار بمنطق الحافة، لكن لا أحد يقبل أيضًا بلدًا يُدار بمنطق الخنوع.
هذه ليست أضرارًا جانبية. هذه سياسة قتل. والسياسة تُواجَه بسياسة: بموقفٍ واضح، بمحاسبةٍ واضحة، بقرارٍ وطنيٍّ واضح. أما الاستمرار في المنطقة الرمادية فلن يحمي لبنان، بل سيجعله ساحةً مفتوحة لكل من يختبر حدود صمته.
سيبقى الدم شاهدًا. وسيبقى السؤال معلّقًا في أعناق كل صامت:
كم بيتًا يجب أن يُهدم، وكم طفلًا يجب أن يُقتل،
لكي تتكلّموا؟
*باحثة في علم الاجتماع المعرفي والثقافي.















