*سورية الطبيعية قلب العالم النابض بالخير والمحبة والإنسانية الصافية وأمل الكبار، ومطمع لكل الإمبراطوريات الكبيرة عبر التاريخ، لكن النتيجة، كل الغزاة والطامعين، رحلوا إلى الجحيم وبقيت سورية وما زالت قلب الدنيا
*الدراسات والأبحاث التاريخية خطيرة في المجتمعات العربية فالحكام والقادة وأصحاب النفوذ يقرّرون ويفرضون على وزراء التربية والثقافة ما يخدم مصالحهم وتثبيت هيمنتهم
*المغترب العربي النبيل المهندس الأستاذ سميح الجباعي حالة استثنائية بين المغتربين حيث بنى قصراً متنقلاً للثقافة والفنون والوقائع التاريخية. ومركز سميح الجباعي هو الوحيد الذي احتفل بذكرى مرور مئة عام على انطلاقة الثورة السورية الكبرى وفق برنامج مميّز لكبار الباحثين والمهتمين
*التاريخ النضالي لبلدتي ولّد عندي نزعة وميلاً مشبعاً بالحماس للبحث وتقصي الحقائق، وتوثيق الوقائع الحقيقية، والاهتمام بمادة التاريخ الهامة جداً في منطقتنا، التي تعودنا أن نستنطق الوثائق التاريخية، والصور، في بعض الأحيان لكتابة التاريخ بعيداً عن الأوهام والأساطير والخيال
*علينا الموازنة بين التقنيات المعاصرة وتأثيراتها من جهة، واتباع أسلوب شيق وجاذب من جهة ثانية، وربط ذهنية الطالب بالصور المشرقة والوقائع الوطنية التي تهم بيئة الطلاب، وأهلهم وأجدادهم
*الأنظمة الحاكمة، طائفياً، أو عسكرياً، أو فردياً، تحاول أن تكتب التاريخ وتفصله على مقاسها وفرديتها، وهذه من أكبر المصاعب التي تواجه المدرس والطالب والمنهاج.
*أوراق المجاهد فضل لله الأطرش، تحتوي على 250 وثيقة لم تنشر. هذا المجاهد المنسيّ، يستحق أن نسلط الضوء على أوراقه وسيرته الوطنية وإخلاصه للثورة السورية، وثقة القائد العام به، حيث كان الحاكم العرفي لمنطقة راشيا وحاصبيا عندما امتدت الثورة السورية إلى إقليم البلان.
*في مؤتمر الصحراء 1928 في وادي السرحان، رفض سلطان الأطرش ورفاقه المجاهدون جميع الإغراءات المقدّمة من الاستخبارات البريطانية للتوقيع على إنهاء الثورة، وجوابهم كان بسطر واحد: لا يمكن العودة إلى سورية إلا برحيل فرنسا ووحدة الأراضي السورية
*أهم درس تلقيناه وفهمناه هو الاعتماد على الذات، وممارسة أسلوب التحدي في التحصيل العلمي وقهر الظروف الصعبة
تقديم هاني سليمان الحلبي
أعلنت إدارة منصة حرمون مطلع العام الماضي (2025) عن برنامج “مقابلات 2025-2026” لمواكبة لمئوية الثورة السورية الكبرى، وزاد البرنامج غنًى بالتوأمة التي انعقدت مع مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون، منذ سنتين، لمواكبة هذه المئوية التي تأبى إلا أن تعمّدها الدماء والنار، لتأكيد طابعها الوطنيّ وهويتها القوميّة، وأجريت عشرات المقابلات سيكون لها إنْ شاء الله حظٌّ بنشرٍ في كتاب مستقل.
وهذه المقابلة مع ضيف يرتدي ثياب الاشتباك من الميدان اليومي ّفي برزخ متعدد الجزر والجسور والأقنية والموانئ، بين ما قبل وما هو الآن وما هو آتٍ.. بين مهماز التاريخ الذي لا يني يهمزنا إلى أن من يقصِّر منّا في الجهاد إنما يؤخر سير الجهاد كله، فالجبهات المرصوصة بالسواعد والأكتاف والوجود الشمّ السمر والسواعد المفتولة والقلوب العامرة بالنبض والعقول المضاءة بالحقيقة، مدعوّة للارتفاع بواجب التاريخ والمسؤولية القومية على كواهل كل الأحرار الذين يعون حقيقتهم وحقيقة هوية أمتهم التاريخية التي لا تقبل الاختلاط بالمشاريع الطارئة العارضة التي سرعان ما تجرفها السيول المشتعلة عندما تنهض الأمم الحية في حروب تقرير المصير المقدّسة.
ضيف منصة حرمون في هذا الحوار هو الناشط الثقافي، المربّي، المدرس للتاريخ في ثانويات ومدارس محافظة السويداء، الأستاذ إبراهيم جودية، معرّفاً عن نشأته وسيره الجاد في كفاح مرير صقلته التجارب والتحديات بقسوة وحزم، محاولاً الحديث عن التاريخ كتخصص ومنهجية ومنهاج تعليم وظروف العمل التربوي في واقع مستمر يحاول خنق الحقيقة لألف سبب وسبب، حتى يصبح المربي كالقابض على الجمر، متحدثاً عن كتبه وتجربته التعليمية والثقافية والإذاعية، ونشاطه الراهن المستمر مع مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون داعياً الشباب السوري إلى التمسك بقيم بلادهم التاريخية وشعبهم الواحد الأحد المستمر للأبد عصياً على الطغاة والمحتلين والغزاة..
حوار يستحق اهتمامكم ومشاركتنا الفكرة والمعنى والعبرة والفائدة..
إعداد وتنسيق ميساء عبدالله أبو عاصي
1- حبذا تعريف قرائنا وزوار موقعنا بحضرتك؟ ماذا عن النشأة وتحدياتها؟ وما أبرز الدروس التي قطفتها منها؟
إبراهيم جودية، مواليد قرية قيصما، منطقة صلخد، من أسرة فلاحية عادية، تعلّمت في مدارس القرية، وحصلت على الثانوية العامة من ثانوية صلخد، وتم قبولي في كلية الآداب، قسم التاريخ، جامعة دمشق، رغم صعوبة الحياة وتحدياتها المؤلمة في نهاية السبعينيات، من القرن الماضي، كانت الحياة شاقة وصعبة، في العاصمة والسكن الجامعي، لذلك كنا نعمل ليل نهار في كل المجالات وخاصة المطاعم، وأحياناً الأعمال الإنشائية الشاقة، حتى تخرجت من جامعة دمشق، بمعدل جيد، قسم التاريخ، وأهم درس تلقيناه وفهمناه هو الاعتماد على الذات، وممارسة أسلوب التحدي في التحصيل العلمي وقهر الظروف الصعبة.
2- ما الذي دفعك لاختيار مجال التاريخ المعاصر مجالاً لدراستك؟ وهل كان لديك اهتمامات أو تأثيرات شخصية جعلتك تركز عليه؟ برأيك هل نكتب التاريخ أم يستكتبنا؟
الدافع الأساسي للاهتمام بالأحداث التاريخية، هي النشأة الأولى من حياتنا حيث كنا نصغي ونتابع، للأحاديث الشيّقة في المضافات، وسهرات التراث، وقصص البطولة والأمجاد أثناء الثورة السورية الكبرى، خاصة أن قريتنا فقدت ثلاثين شهيداً، من أصل خمسين مقاتلا، وهي نسبة مرتفعة جداً، وعلى أرضها حصلت اشرس معارك الثورة 1926، مع أسر معاون قائد الحملة الكابتن سيكر. إذاً كل هذا الموروث، وما تلاه من ويلات وخسائر أثناء جيش الإنقاذ 1947، ومعاناة المنطقة أثناء عهد الظلم والطغيان العسكري 1954، كل هذا ترك لديّ نزعة وميلاً مشبعاً بالحماس للبحث وتقصي الحقائق، وتوثيق الوقائع الحقيقية، والاهتمام بمادة التاريخ الهامة جداً في منطقتنا، التي تعودنا أن نستنطق الوثائق التاريخية والصور، في بعض الأحيان، لكتابة التاريخ بعيداً عن الأوهام والأساطير والخيال.
3- ما هي أبرز التحديات التي تواجهك عند تدريس التاريخ للطلاب؟ وهل يلبي احتياجاتهم؟
ما هي أبرز التحديات التي تواجهك عند تدريس مادة التاريخ للطلاب وهل تلبي هذه المادة احتياجاتهم، عملت في حقل التربية والتعليم وتدريس مادة التاريخ، في مدارس ريف دمشق والسويداء، ولم أجد أي صعوبة في تدريس هذه المادة رغم جفافها، وعدم حماس الطلاب في بعض الأحيان للعودة إلى الماضي، لكن أحياناً طبيعة الإلقاء وإيصال المعلومة بشكل جذاب إلى عقل الطالب، لتعطي رغبة وجاذبية عند الطلاب للمعرفة والنحصيل والتنافس في مجال النشاط والبحث التاريخي، بينما التوسّع في البحث والمعلومات لا تحتمله المناهج.
4- كيف يمكن جذب اهتمام الطلاب بتعلّم التاريخ، خاصة في ظل اكتساح التقنية والتكنولوجيا لاهتماماتهم؟
نعم كنا نعاني الكثير من المصاعب في هذا الجانب، لكن علينا أن نوازن بين جانب التقنيات المعاصرة، وتأثيراتها، واتباع أسلوب شيق وجاذب، وربط ذهنية الطالب بالصور المشرقة والوقائع، الوطنية التي تهم بيئة الطلاب، وأهلهم وأجدادهم، مع إدخال مراجع للموضوع التاريخي المطروح نفسه، وإعطاء ميزات تشجيعية للبحث والنشاط التاريخي.
5- هل تعتبر أن الطلاب اليوم يفهمون تاريخ بلادهم؟ وفي حال النفي لماذا؟ وما هي النصائح التي تقدمها لهم لتوسيع آفاقهم في هذا المجال؟ هل يمكن أن يسمح النظام الحزبي والطائفي بتاريخ مدرسي مطابق للحقيقة أو يتدخل لتزييفها؟
الأغلبية الساحقة من الطلاب لا يفقهون تاريخهم، والسبب واضح، مناهج التاريخ لا ترقى إلى الحقائق على الأرض، أو الوقائع الوطنية المشعة، وبالتالي طالب التاريخ يتلقى المعلومة من خلال المنهاج أو المدرس المقيّد بذلك، يشعر بالإحباط والبعد عن المادة، ودائماً كنا ننصح الطلاب وبكل جرأة وشجاعة، بضرورة الاعتماد على المراجع ذات الصلة، وعدم التقيد بحرفية الكتاب المدرسي، والمسألة واضحة، الأنظمة الحاكمة، طائفياً، أو عسكرياً، أو فردياً، تحاول أن تكتب التاريخ وتفصله على مقاسها وفرديتها، وهذه من أكبر المصاعب التي تواجه، المدرس والطالب والمنهاج.
6- بعنوان كتابك “أضواء على الثورات السورية” تقول عن ثورات وليس ثورة. كيف ذلك؟ وما هي التحديات التي واجهتك في جمع المعلومات وتوثيقها؟
الكتاب يحمل عنوان الثورات السورية ضد الاحتلال الفرنسي 360 صفحة، عن دار ليندا للطباعة والنشر، هناك ثورات سورية معروفة سبقت الثورة السورية الكبرى، بفترات زمنية واضحة، ثورة الشيخ صالح العلي 1918، في الساحل وجباله، وثورة الشمال السوري إبراهيم هنانو، جبل الزاوية 1919، وكذلك ثورة الدنادشة، وثورة سلطان الأولى 1922، وفي عام 1925 انطلقت الثورة السورية الكبرى، حيث أطلق عليها المؤرخين نعت الكبرى تمييزاً لها عن الثورات التي سبقتها، نظراً لأهميتها، وانتصاراتها المذهلة التي أذلت أكبر الحملات العسكرية على المشرق العربي.
وكتابي، دراسة شاملة لهذه الثورات، كل ثورة حسب حجمها وامتدادها، ومعاركها، بحمد من الله، والبحث المستمر، وعشرات المقابلات مع رجال الثورة، والأطلاع على العشرات من يوميات المجاهدين، والعودة إلى الصحافة الفرنسية المعاصرة للحدث، كان نتاج هذا الكتاب الذي نفد خلال شهر واحد، ونعمل على إعادة طباعته.
7- كتاب “أوراق المجاهد فضل هلال الأطرش” يحمل الكثير من التفاصيل المهمة عن شخصية وطنية. كيف اخترت هذا الموضوع تحديداً؟ ولماذا؟
اوراق المجاهد فضل لله الأطرش تحتوي على 250 وثيقة لم تنشر، ومعظمها مراسلات عن نهاية الدولة العثمانية، والثورة العربية الكبرى، والثورة السورية الكبرى. هذا المجاهد المنسيّ، يستحق أن نسلط الضوء على أوراقه وسيرته الوطنية وإخلاصه للثورة السورية، وثقة القائد العام به، حيث كان الحاكم العرفي لمنطقة راشيا وحاصبيا عندما امتدت الثورة السورية إلى إقليم البلان. الكتاب عبارة عن مقدّمة 40 صفحة، للتعريف من هو صاحب الأوراق والوثائق مع إعداد وتحقيق الوثائق وملحق للصور الخاصة بهذا البحث، وأشرف الأستاذ فرحان الخطيب على التدقيق ووضع مقدمة لهذا الكتاب، بعد أن قدم الأحفاد كل أوراقه، وتم تكليفي من قبلهم لإنجاز هذا العمل الكبير.
8- بمن تأثرت من المؤرخين في منهجك الذي اعتمدته في كتبك؟
من المعروف علمياً في التدوين والتأريخ، اتباع المنهجية العلمية في الوقائع التاريخية، وخير من طبق هذه المنهجية المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، والمؤرخ اللبناني أمين حسن البعيني، لذلك تأثّرت كثيراً بإنجازاتهما وكتبهما التاريخية.
9- هل كنت تتوقع أن تحظى هذه الكتب بالاهتمام؟ وكيف كان تفاعل الجمهور معها؟
الدراسات والأبحاث التاريخية مسألة خطيرة في المجتمعات العربية وفي معظم الأحيان الحكام والقادة وأصحاب النفوذ يقررون ويفرضون على وزراء التربية والثقافة ما يخدم مصالحهم وتثبيت هيمنتهم، وفي كثير من الأحيان يلجأ الكتاب والباحثون في مجتمعات الأقليات بالميل الى نسج الأساطير والبطولات الوهميّة والخيالات لإثبات الوجود.
لذلك في محاضراتنا وكتبنا، ومعارضنا، لا نتحدّث إلا عن الحقائق والمثبتة بوثائق. وأحمد الله كل الكتب نفدت بفترة زمنية قليلة جداً، مع تقديم دراسات مكثفة من قبل المهتمين بهذه الكتب، ووسائل الاتصال الاجتماعي.
10- “مشاهد ووقائع من الجنوب”، هذا الكتاب قيد الطباعة، ماذا يتضمن، وما هو الدافع لاختيار هذا العنوان؟
هذا الكتاب يختلف عن الكتب السابقة، يتضمّن تسعين واقعة تاريخية، مختلفة، بزمانها ومكانها، ومعظم هذه المشاهد غير معروفة ولم ترد في كثير من المراجع التاريخية، فأبطالها من الفلاحين والطبقات العامة، الذين صنعوا أمجاداً ومآثر خالدة، ولم يتحدّث أحد عنهم، في زمن العثمانيين والفرنسيين، وبعد الاستقلال، والدافع الوحيد لإخراج هذه الدراسة، عدم الإضاءة على الطبقات الفلاحية، من قبل الباحثين، والتركيز على الزعماء، والقادة والأغنياء.
11- برامج الإذاعة تعد وسيلة قوية للوصول إلى الجمهور. كيف يمكن للعالم أن يلعب دوراً في توعية الناس بتاريخهم وحمايته؟
عملتُ في إذاعة الريان لفترة طويلة منسقاً عاماً لبرنامج مضافات الجبل، وفي هذا السياق، كان الإعلام حاضراً، ومؤثراً في أهمية المادة التاربخية، خاصة الوقائع الوطنية والبطولات في الثورة السورية الكبرى وبيارق الجبل، ودور المضافة المؤثر والحاسم في صناعة الحدث التاربخي.
12- برنامج “مضافات الجبل” كان ذا طابع محليّ، كيف كان تأثيره في تسليط الضوء على تاريخ الجنوب السوري بشكل خاص؟
الفقرة الرئيسية في برنامج مضافات الجبل، تاريخ القرية وسيرة مجاهديها وشهدائها، والبحث عن المعارك التي حصلت على أرضها، هذه الفقرة كنا نستثمرها بشكل علمي ووثائقي باستضافة المختصين للحديث عن التاريخ، والمصاعب التي كانت تواجهنا، هي عدم معرفة العامة والأغلبية الساحقة بالوقائع التاربخية، والاعتماد على الأساطير والأوهام، وبعض الحكايا التقليدية، وتغلبنا على هذه الإشكاليات، بإبراز الوثيقة التاريخية والمراجع المعروفة.
13- هل هناك موضوعات تاريخية معينة كان الجمهور يفضل الاستماع اليها؟
أكثر المواضيع التي كانت تترك إثارة واهتماماً لدى الحاضرين في المراكز، الوقائع التاريخية الجديدة وغير الموجودة في المراجع أو في ذاكرة الناس، مثلا على ذلك، معركة المسيفرة 17 أيلول 1925، البطولات الفردية، سبب التراجع، كيف نجح الإعلام الفرنسي، بخديعة الثوار، الخ..
14- ما الهدف الرئيسي من المحاضرات التي قدّمتها في المراكز الثقافية؟ وكيف كان تفاعل الناس معها؟
منذ فترة طويلة، قدّمت عشرات المحاضرات التاريخية، بالإضافة الى تقديم صور وثائقية على الشاشات الضوئية مع توثيقها، وفي معظم هذه الأنشطة كان الحضور مميّزاً والتفاعل مثيراً، وأحياناً يستمر النقاش حول المعلومات التاريخية المطروحة لفترة تتجاوز الزمن المخصص، وخاصة المحاضرات، بتاريخ المجاهدين والشهداء وسيرهم.
16- كيف يمكن توظيف الفعاليات الثقافية، مثل المحاضرات والندوات، لتعزيز الفهم؟
الهدف الأساسي من هذه الأنشطة التاريخية وخاصة الوقائع الوطنية والارتباط بالأرض وبيع الأرواح، ليبقى المجتمع وجيل الشباب مرتبطاً بالماضي، للاستفادة من العبر التاريخية، والاتكاء على الموروث الوطني ووحدة الأرض ومقارعة الطامعين، مثلاً على ذلك مؤتمر الصحراء 1928 في وادي السرحان، رفض سلطان الأطرش ورفاقه المجاهدون جميع الإغراءات المقدّمة من الاستخبارات البريطانية للتوقيع على إنهاء الثورة، والجواب كان بسطر واحد لا يمكن العودة إلى سورية إلا برحيل فرنسا ووحدة الأراضي السورية، رغم معاناتهم لشظف العيش في صحراء قاسية موحشة، عندما يسمع الأحفاد ويلامس هذه القيم يشعر بالمتعة الوطنية ومحبة التاريخ ومن صنع مجد الأوطان
17- ما غاية الجمعية التاريخيّة ومتى تأسست وأبرز أهدافها؟
تأسست الجمعية التاريخية في محافظة السويداء عام 2007، حيث تداعت مجموعة من مدرسي مادة التاريخ بتشكيل وولادة هذه الجمعية التي أخذت على عاتقها نشر الحقائق التاريخية، وإزالة الغبار عن الوثائق الهامة وخاصة الثورات والمعارك والوقائع المميزة، في العهد العثماني البائد والاستعمار الفرنسي، مع إعادة النظر بكثير من المسائل البحثية في التاريخ المعاصر.
18- ما هو دور الجمعية التاريخية في الحفاظ على الإرث التاريخي في سورية؟
كان واضحاً بهذه الفترة الحرجة، دور الجمعية التاريخية من خلال مجلس إدارتها والمهتمين بالأبحاث التاريخية، في النشاط العلمي الوثائقي، ضمن المراكز الثقافيّة وغيرها، مثلاً، الشهداء كانوا أول قافلة زيّنت ساحة المرجة 1911، إثر حملة القائد العثماني سامي باشا الفاروقي، قبل شهداء السادس من أيار، أول قافلة زيّنت ساحة المرجة 1911 قبل شهداء السادس من أيار، وعشرات الوقائع التي تم إخراجها بشكل علمي ووثائقي. تُضاف إلى ذلك، ثلاثة إصدارات من الحوليات التاريخية في شتى المجالات ودورها في تطوير مناهج التاريخ المدرسية والجامعية.
19- ما جديدك، وهل سنشهد إصدارات قريبة؟
نعم، من خلال هذه المرحلة المريرة من تاريخ سورية، وخطورة الأوضاع، ورغبة الكثيرين من الأصدقاء المتابعين لمنشوراتنا ضمن التواصل الاجتماعي، لدينا كتيّب بحثيّ قيد الإنجاز، بعنوان الدولة الدرزية بين حقائق التاريخ ولعبة الأمم.
20- ما هي رسالتك للمهتمين بالتاريخ، رسالتك للشباب السوري، سوريا العظيمة بموروثها، والغنية بشعبها الخلاق، وأرضها المشبعة قداسة ومجدا، وعراقة، باقية في الوجدان الحر، وكل ما نشهده من مآسٍ إلى الزوال؟
عليكم أيها الشباب العودة إلى تاريخ القيم السورية التي علمت الدنيا معاني الحضارة والإنسانية والرقي.
21- يقول أرنست رينان لكل إنسان في العالم وطنان، وطنه الأم، وسورية، ما تعليقك؟
كم كان كبيراً وحكيماً، صاحب هذه الكلمات، سورية الطبيعية قلب العالم النابض بالخير والمحبة والإنسانية الصافية وأمل الكبار، ومطمع لكل الإمبراطوريات الكبيرة عبر التاريخ، لكن النتيجة، كل الغزاة والطامعين، رحلوا إلى الجحيم وبقيت سورية وما زالت قلب الدنيا.
22- نشط منذ سنتين معهد سميح للتنمية في إصدار موسوعة ذاكرة الثورة ومن ثم انطلق في رعاية ندوات وإصدارات تغني مكتبة سميح للثقافة في السويداء، وليس آخرها كان كتاب “صفحات من تاريخ جبل حوران” بأقلام 5 باحثين أعلام. ما رأيك في هذا النشاط؟
المغترب العربي النبيل المهندس الأستاذ سميح الجباعي حالة استثنائية بين المغتربين حيث بنى قصراً متنقلاً للثقافة والفنون والوقائع التاريخية. هذا المركز يحتاج إلى حلقة خاصة لتغطية إنجازاته بخاصة على صعيد التوثيق التاريخي وتكريم المجاهدين الكرام. ولأول مرة في تاريخ المحافظة تتم طباعة مجموعة من الكتب تتضمّن أنشطة مركز سميح للتنمية والثقافة والأدب والفنون على ثمانية مجلدات تحت عنوان ذاكرة الثورة ومجموعة من الكتب المتنوعة لكبار الباحثين والمختصين.
ومركز سميح الجباعي هو الوحيد الذي احتفل بذكرى مرور مئة عام على انطلاقة الثورة السورية الكبرى وفق برنامج مميّز لكبار الباحثين والمهتمين.
23- مع حلول العام 2025 حلّت مئوية الثورة السورية الكبرى، وكانت منصة حرمون أطلقت 3 لقاءات علمية، ماذا ترى في مناسبة المئوية وكيف يمكن تطويرها؟
أذكر أنه منذ ست سنوات، جاء وفد كبير من منطقة راشيا الوادي لزيارة صرح الثورة السورية في بلدة سلطان الأطرش، القريا، في سياق التشبيك للاحتفال المشترك بمئوية الثورة السورية الكبرى، وكان لي الشرف بمرافقة هذا الوفد وتعريفه بصرح الثورة. وقال الدكتور منير مهنا، بإذن الله سنحتفل في هذا المكان بعد ست سنوات بمرور مئة عام على انطلاقة الثورة السورية، وفعلاً هيأنا برنامجاً لهذه الاحتفالية، لكن الغصة في القلب، ارتفعت أمواج الإرهاب الأسود واقتلعت آمالنا.
الذكرى المئوية، تذكّرنا وتذكّر جيل اليوم، كيف تمكن الثوار بسحق أكبر حملة فرنسية على المشرق العربي، حملة الجنرال ميشو، نتذكر ملحمة المزرعة، التي خلعت قلب الجنرال ساراي في قصر الصنوبر في بيروت. الذكرى المئوية للثورة تنعش الذاكرة وترسخ قيم الجهاد وسير المجاهدين النبلاء، الذين صنعوا مجد الوطن.
نتذكر، كيف أجمع السوريون على قيادة سلطان الأطرش لهذه الثورة الكبرى، نتذكر أول بيان، إلى السلاح إلى السلاح يا أحفاد العرب الأمجاد…
كل الشكر لمنصة حرمون التي شاركت واحتفلت على طريقتها بالذكرى المئوية، من خلال التشاركيّة المميّزة مع مركز سميح للتنمية والثقافة والفنون من خلال نشر الكتب والأنشطة المتعدّدة، خاصة موسوعة ذاكرة الثورة والندوات والإصدارات الجديدة بهذا الخصوص، ستبقى الثورة السورية الكبرى وقادتها رموز جهاد وكرامة عربية، زينت صفحات التاريخ المعاصر.
24 – أي كلمة أخيرة تودّ نشرها عبر موقع حرمون؟
تحية من القلب للأستاذ والباحث الكبير هاني الحلبي، والتحية مع الشوق من شموخ جبل العرب إلى الواحة الزمردية في راشيا الوادي وقراها وقلعتها العصيّة على الأعداء.
تغمرني السعادة بهذه الدعوة للحديث عن وقائع التاريخ الوثائقي في هذا الزمن المشبع بالضياع والتردي، وعلى منصة حرمون الإعلامية، مع الشكر والتقدير للأستاذ والإعلامي الكبير هاني الحلبي، ولجميع العاملين في هذه المنصة الراقية، والشكر والتقدير للإعلامية المميزة ميساء أبو عاصي، كل الشكر والتقدير والعرفان بالجميل، الإبنة البارة لجبل العز والكرامة. لكم جميعاً المودة والاحترام، وأنتم تقدمون إلى القراء والمتابعين ابجدية مختلفة تنعش القلب والوجدان.
أخيراً أحسست بالفخر والاعتزاز وألق الماضي الجميل ونحن نتحدث عبر “حرمون” هذه المنصة المميزة والغنية.




























