ناصر قنديل
(رئيس تحرير جريدة البناء)
- مع غياب المؤتمر الصحافي التقليدي في مثل حالة لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وقد شهدت الزيارة السابقة مؤتمرين صحافيين، واحداً قبل اللقاء وثانياً بعده، بينما هذه المرّة كان التعتيم سيد الموقف، ما يجعل رسم سيناريو افتراضي للتفاهمات أو اتجاهات النقاش محكوماً بقراءة السياقات التي تحملها المواقف الصادرة بعد الزيارة، سواء من جانب ترامب أو من جانب نتنياهو، بما يطال الخيارات وليس ما يتصل مباشرة بالحديث عن الزيارة، وقد قال ترامب عن الزيارة إن العلاقة ممتازة وإن التفاوض مع إيران سوف يستمرّ، بينما قال نتنياهو إن ترامب يعمل على اتفاق جيد مع إيران، ولو كان التوافق قائماً حول إيران لما كانت هناك حاجة لزيارة مستعجلة، خصوصاً أن نتنياهو يعلم أن ترامب وافق على مسار تفاوضيّ رسمت إيران خطوطه الحمراء بالإصرار على حصره بالملف النوويّ، بينما يريد نتنياهو مكانة الأولوية للبرنامج الصاروخي الإيراني، وهو يعلم أن واشنطن بلغت مرتبة التهديد بإلغاء التفاوض طلباً للجمع بين الملفات وصولاً للقول لإيران، كل شيء أو لا شيء، وعندما أجابت إيران فليكن لا شيء إذاً، قبلت أميركا وقالت إنها تفعل ذلك مراعاة لمواقف حلفائها في المنطقة، ما يعني بما لا يقبل الشك بأن أميركا ارتضت تفاوضاً نووياً حصرياً، و”إسرائيل” قلقة من هذا القبول.
- في البحث عن مضمون التفاهمات التي تمّت خلال اللقاء، نستعيد كلام المعارضة الإسرائيلية التي أضاءت على غياب أي مسؤول يرافق نتنياهو في زيارته بعكس ما يستدعيه الزعم بأن البحث سوف يكون في أغلبه حول إيران ومقدراتها والحرب عليها، وسألت لماذا ألغيت مشاركة قادة الأجهزة الأمنية ورئيس الأركان وتوصّلت المعارضة إلى الاستنتاج أن زيارة نتنياهو انتخابية وليست سياسية ولا أمنية، وفي هذا السياق كان لافتاً السجال الذي دار بعد الزيارة علناً بين ترامب ورئيس الكيان اسحق هرتسوغ حول العفو عن نتنياهو، حيث قال ترامب إن “على الرئيس الإسرائيلي اسحق هرتسوغ أن يخجل من نفسه لعدم منحه العفو لنتنياهو”، بينما أشار الرئيس الإسرائيلي اسحق هرتسوغ رداً على طلب ترامب بشأن العفو الى أن “طلب رئيس الحكومة موجود في وزارة القضاء للحصول على رأي استشاري قانوني، وفقط بعد استكمال الإجراءات سيدرس رئيس الدولة الطلب وفقاً للقانون ومصلحة الدولة، ووفقاً لما يمليه عليه ضميره من دون أي تأثير من ضغوط خارجية أو داخلية أو آخرين”، مضيفاً أن “”إسرائيل” دولة قانون ذات سيادة”، وربما يؤكد هذا السجال بين ترامب وهرتسوغ اتهامات المعارضة لنتنياهو بوجود أهداف انتخابيّة لزيارته، ويبدو ترامب قد بدأ بتنفيذ التفاهم الأول بالضغط لصالح تسريع العفو عن نتنياهو.
- في غزة يبدو الرئيس ترامب مكتفياً باحتفالات تحقيق إنجازات إعلامية، فهو يعقد مجلسه للسلام الأسبوع المقبل، ويراهن على إدخال قوات دولية تشكل القوات الإندونيسية قوامها الرئيسي وتنتشر في رفح، ويعلن بدء إعادة الإعمار من هناك حيث لا سكان فلسطينيين، بينما يفسح نتنياهو المجال لتسهيل المهمة في هذا الحيّز الجغرافي الضيق من غزة، حيث يواصل جيش الاحتلال عمليات القتل والتدمير في سائر مناطق قطاع غزة، ويتواصل دخول المساعدات تحت السيطرة الإسرائيلية بما لا يلبي إلا الجزء اليسير من حاجات غزة ويمثل ربع ما هو متفق عليه. وسوف يكتفي ترامب بإدخال لجنة إدارة غزة إلى رفح، ومعها قوات شرطة فلسطينية برعاية مصرية، وتصبح غزة ثلاث مناطق، منطقة حدودية جنوبية أميركية، ومنطقة سيطرة إسرائيلية شرقاً وشمالاً، ومنطقة غربية حيث سكان غزة تبقى حقل رماية لجيش الاحتلال، وسط الحديث عن إنجازات كبرى وهائلة لخطة ترامب.
- في السياق لا مانع لدى ترامب الذي وافق على ضم القدس الشرقية والجولان السوري في محطات سابقة من أن تواصل “إسرائيل” عمليات السيطرة على الضفة الغربية، سواء لجهة توسيع المستوطنات أو تهجير الفلسطينيين، وتوسيع مناطق سيطرة الاحتلال، وإضعاف أي فرص لقيام دولة فلسطينية، وتحويل السلطة الفلسطينية إدارياً إلى مجرد بلدية موسعة، وأمنياً إلى ملحق بأجهزة الاحتلال، وسياسياً إلى صفر لا دور ولا مكانة له، وتحتفظ واشنطن عند الحاجة مع تزايد أي ضغوط عربية إسلامية أو أممية حقوقية، بإصدار مواقف تتحفظ فيها على ما تفعله “إسرائيل”، لكنها لا تحول هذه المواقف الكلامية الى أي مترتبات عملية تزعج “إسرائيل”، تماماً كما كانت تفعل قبل تأييدها ضمّ القدس والجولان عندما كانت تقول إنها تعارض الإجراءات الأحادية التي تقوم بها “إسرائيل”، لكن دون أن تفعل شيئاً، بل تتولى منع صدور أي موقف إدانة عن مجلس الأمن الدولي للإجراءات الإسرائيلية باستخدام حق النقض بلا تردّد وعلناً.
- كل ذلك بينما يقول ترامب إنه يجد فرصة لاتفاق مع إيران، ومعلوم أن الحديث هنا عن اتفاق نوويّ حصراً، رغم كلام ترامب عن إيران دون نووي دون صواريخ، والأمر الأكيد هو أن ترامب يريد استكشاف حدود الاتفاق الممكن مع إيران نووياً، مع التعهد بعدم توقيع أي اتفاق قبل التشاور مع نتنياهو، وبعدها يمكن التحدث عما إذا كان الاتفاق سوف يتجدّد بين ترامب ونتنياهو حول إيران أم أن الافتراق قد يقع، وخلال الشهر الذي قال ترامب إنه يتوقع التوصل إلى اتفاق خلاله، يجب أن ننتظر مسار المفاوضات للتعرف حول ما سوف يتحدث عنه المفاوض الأميركي، علماً أن إيران تقول إنها تفاوض وعيونها مفتوحة على خطر الخداع والذهاب للحرب ويدها على الزناد.















