د. عصام نعمان**
أخيراً وبعد طول مماحكة وضغوط وافقت الولايات المتحدة على مفاوضة إيران في مسقط بسلطنة عُمان. الجولة الأولى للمفاوضات بمراحلها الثلاث تمّت بشكل غير مباشر لعب خلالها وزيرُ الخارجية العُماني بدر البوسعيدي دور ناقل الأفكار والمواقف بين الوفد الإيراني برئاسة عباس عراقجي الجالس مع مساعديه في غرفةٍ والوفد الأميركي برئاسة ستيف وتكوف الجالس مع مساعديه في غرفة مجاورة.
بعضُ وسائل الإعلام اعتبر أن إيران انتصرت بإصرارها على نقل مكان المفاوضات من إسطنبول إلى مسقط، وعلى ألاّ تكون وجهاً لوجه بل بطريقةٍ غير مباشرة. دونالد ترامب أدرك أن إيران أحرزت نصراً معنوياً بمسألتي مكان المفاوضات وكيفيّة إجرائها فحرص، عشيةَ اجتماع الوفدين، على إطلاق تهديد جديد ضد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي بـ “أن عليه أن يكون قلقاً”! تصريح عراقجي بعد انتهاء الإجتماع لم يوحِ بأنه او خامنئي كانا قلقين بدليل تأكيده بأن المحادثات بين الوفدين كانت إيجابية وتركّزت على البرنامج النووي الإيراني فقط.
الحقيقة أن بنيامين نتنياهو انتابه القلق مذّ وافق ترامب على معاودة التفاوض مع إيران، وذلك لخشيته من أن يجاري الرئيس الأميركي الإيرانيين في مطلبهم بحصر جدول الأعمال بمسألة السلاح النووي دون غيره من المواضيع الأخرى التي ترى فيها “إسرائيل” تهديداً وجودياً لها كالصواريخ الباليستية بعيدة المدى. موقف ترامب من مطالب “إسرائيل” بشأن أنشطة إيران المثيرة لمخاوفها لن تتضح إلا بعد مباشرة الجولة الثانية للمفاوضات التي لم يُحدَّد موعدها بعد، لكن يمكن استشفاف عناوينها من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين وتحليلات الصحف الرصينة في كِلا البلدين والممكن إيجازها على النحو الآتي:
- إلزام إيران بوقف تخصيب اليورانيوم ونقل الكمية الوازنة المخصّبة منه إلى خارج البلاد.
- إلزام إيران بتقليص عدد صواريخها الباليستية، وتقليص مداها في حال إصرارها على الاستمرار في تصنيعها.
- إلزام إيران بوقف دعمها بالمال والسلاح لحركات المقاومة ضد “إسرائيل” في كلٍّ من فلسطين المحتلة (حماس) ولبنان (حزب الله) والعراق (الحشد الشعبي) واليمن (أنصار الله).
إلى ذلك، يعتقد نتنياهو أن ترامب اتخذ قراراً مبدئياً بـِ “بناء شرعية لعمل عسكري” ضد إيران، بدليل ذلك الأسطول الحربي الضخم الذي حشده والمؤلف من حاملة طائرات ومدمّرات وبوارج وزوارق طوربيد سريعة وكتائب مشاة البحرية، ناهيك عن الطائرات الحربية المتطورة بعيدة المدى المحمّلة قنابلَ ثقيلة، وهو حشد تُقدّر تكاليفه بعشرات مليارات الدولارات، لكن غاب عن علم نتنياهو أن قيادة هيئة الأركان المشتركة للجيوش الأميركية تعتقد أن لا خيار هناك لـِ “حل سحري” قوامه عملية عسكرية واحدة أو اثنتين تُسقطان نظام إيران السياسي لأن ذلك يتطلبّ زمناً أطول وأسطولاً أكبر، لا سيما أن إيران احتاطت لذلك كله وأصبح في وسعها ردع كل هذه الحشود والاستعدادات التعبوية.
مع تزايد عوامل القلق لدى نتنياهو، سارع فريق المستشارين المحيطين بترامب إلى الهمس في أذن نتنياهو بأن لا موجب للهلع طالما جولة المفاوضات المقبلة لن تتناول قضايا رئيسية تتعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي، ولأن البيت الأبيض حريص على حماية مصالح أميركا و”إسرائيل”، ولأن ثمة إجراءات يمكن التوافق عليها لاحقاً من شأنها تبديد مخاوف نتنياهو وحلفائه كاشتراط تخصيب اليورانيوم في إيران بخفض نسبة التخصيب من 60 في المئة إلى 3 في المئة، ونقل كمية الأربعمئة كيلو من اليورانيوم المخصّب الباقية لديها إلى روسيا.
هذه “التطمينات” يمكن أن تريح نتنياهو قليلاً لكنها لن تدفعه إلى التخلي عن قناعة راسخة لديه كما لدى أسلافه ممن تعاقبوا على رئاسة الحكومة في “إسرائيل” وكان أوضحها تساحي هنغبي، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي بمقالٍة نشرها في صحيفة “يديعوت أحرونوت” (2026/2/3) ذكّر فيه الإسرائيليين كيفَ تصرّف رؤساء الحكومة السابقون في كل مرةٍ واجه الكيان خطراً وجودياً كـ “سعي أي نظام عربي متطرف لامتلاك سلاح نووي”. ففي سنة 1979 رصدت “إسرائيل”، حسب قوله، تقدماً ملحوظاً في بناء مفاعيل بلوتونيوم في العراق. وبعدما أخفقت النداءات المتكررة التي وجهتها حكومة “إسرائيل” إلى المسؤولين الأميركيين لإحباط المشروع، أمر رئيس الوزراء مناحيم بيغن في حزيران/يونيو 1981 بتدمير المنشأة النووية المعروفة لدى العراقيين باسم “تموز”. وفي سئة 2007 فعلت “إسرائيل” الأمر نفسه بعدما رصدت منشأة نووية كانت تبنيها سورية بمساعدة كوريا الشمالية على مقربة من نهر الفرات. وعندما وقّعت الولايات المتحدة سنة 2015 في عهد الرئيس باراك أوباما اتفاقاً مع إيران لتقليص برنامجها النووي، قام الرئيس ترامب خلال ولايته الأولى سنة 2018 بإخراج أميركا منه بدعوى أنه يشكّل خطراً على أمنها القومي.
نتنياهو يعرف بالطبع كل هذه الوقائع، لكنه يرى أن إمتلاك أيّ دولة عربية سلاحاً نووياً يشكّل خطراً وجودياً، وأن لا خيار أمام الكيان سوى إحباط أي تهديد نووي عربي ناشئ في مراحله الأولى. اليوم يرى نتنياهو أن الكيان يجد نفسه أمام خطر وجودي تمثله إيران الساعية إلى امتلاك سلاح نووي، فماذا تراه يفعل؟
فريق كبير من الإسرائيليين، مواطنين ومسؤولين، يشاطرون نتنياهو رأيه بأن الكيان بات أمام خطرٍ وجودي، وأن الخيار الوحيد الكفيل بإنهائه هو إسقاط النظام في إيران، لا سيما أن نتنياهو نجح خلال السنة الماضية بإقناع ترامب بمساعدته الأمر الذي شجع نتنياهو على شنّ هجوم قوي على إيران في حزيران/يونيو من العام الماضي. وعندما أخفق في تحقيق غايته نتيجةَ نجاح إيران في احتواء هجومه بسرعةٍ قياسية وقيامها بشن ضربةٍ ثأرية بالغة القسوة ألحقت بكيان الاحتلال أضراراً وخسائر بشرية ومادية فادحة، سارع إلى مناشدة ترامب مساعدته، فكان أن لبّى الرئيس الأميركي النداء بسرعةٍ فائقة بشنّه هجمةً دمّر خلالها الأقسام السطحية لثلاث منشآت نووية إيرانية، لكنه عجز عن المسَ بأقسامها الكائنة في باطن الجبل.
اليوم، ماذا تراه يفعل نتنياهو المأزوم فيما يرى نفسه مهدداً بخطرين داهمين: انشغال ترامب بمفاوضات طويلة مع إيران قد تحول دون مدّه بالدعم المطلوب من جهة، ومن جهة أخرى إقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في مطلع تشرين الأول / أكتوبر القادم ومعها احتمالٌ راجح بخسارة أكثريته الضئيلة في الكنيست وبالتالي خسارته السلطة. ؟
هل يخاطر نتنياهو، بالتفاهم مع ترامب أو من دونه، بشن حربٍ على إيران للتهرّب من الانتخابات؟ ثمة فريق كبير من الإسرائيليين لا يستبعد هذا الخيار (صحيفة “معاريف”، 2026/2/2) الأمر الذي يضع خصوم نتنياهو كما أصدقاءه أمام أمر واقع لا سبيل إلى تجاوزه.
أخشى ان يُقدم هذا الرجل المترع بعشق السلطة على إستباق خسارته المتوقعة في الانتخابات بالإقدام على إستخدام سلاح نووي تكتيكي ضد إيران تفادياً لاحتمال تردّد ترامب في دعمه، فيضع بذلك الخصوم والأصدقاء والعالم جميعاً أمام أمر واقع لا سبيل إلى منعه ولا فرصة لردعه من جانب رئيس أميركي مزاجي ومتقلّب ولا يمكن التنبوء بردود فعله لا في الحرب ولا في السلم.
*نشرت في جريدة “القدس العربي” (لندن) بتاريخ 2026/2/9
**مفكر وقانوني ومناضل.















