د . فواز فرحات*
شيخوخة على أرصفة النسيان، حينما يُصبح العطاء لعنةً في زمن الجحود.
في زمنٍ باتت فيه القيم تتهاوى كأوراق الخريف، وصرنا نرى الوفاء سلعةً نادرة في أسواق البشر، يقف كبير السن على قارعة العمر، يحدّق في وجوهٍ كان يظنها ملاذه الآمن، فإذا بها تتحول إلى جدران صمّاء لا تعرف للرحمة بابًا. كم من شيخٍ أفنى زهرة عمره في خدمة أبنائه، يقتطع من قوته ليزرع في قلوبهم الأمل، ويبيع من دنياه ليشتري لهم غدًا مشرقًا، فإذا به في خريف العمر يُرمى إلى زوايا النسيان، أو يُترك يلوذ بدور الرعاية، حيث لا دفء إلا من ذكرياتٍ تئن في صدره.
ألمٌ عظيم يعتصر القلب حين ترى من كان بالأمس عماد البيت، وصاحب القرار والكلمة، يُذل ويُهان، لا لذنبٍ اقترفه سوى أنه أفنى ماله وصحته من أجل من حسبهم يومًا “أحبته”. ما أقسى أن يصبح الإنسان عالةً في عيون من ربّاهم على الكرامة، وما أوجع أن يكون المال هو المعيار الوحيد للودّ والاحترام!
انظر إلى قصة ذلك الأب الذي باع كل ما يملك ليمنح ابنه فرصة أن يصبح مهندس طيران، أربعون ألف دينار كانت ثمن أحلام الابن، وثمن شيخوخة الأب أيضًا. فما إن تحقق الحلم حتى انقلب الابن ظهر المجن، وترك والده يبيع الجرائد في الشوارع، يتوسل لقمة العيش، ويقتات على فتات الذكريات.
هذه المأساة ليست حكاية عابرة، بل صرخة في وجه مجتمعٍ فقد بوصلته، وأدار ظهره لأضعف حلقاته. إن كبار السن الذين لا يملكون تقاعدًا أو مالاً، كثيرًا ما يصبحون عبئًا ثقيلًا على أقرب الناس إليهم، وتُقاس قيمتهم بما في جيوبهم لا بما في قلوبهم.
مثال يُحتذى به.
لكن في زوايا هذا المشهد القاتم، ثمة شموع لا تنطفئ. هناك من الأبناء من جعلوا من شيخوخة آبائهم تاجًا على رؤوسهم، يفتخرون بخدمتهم، ويعتبرون رضاهم أغلى من كنوز الأرض. هؤلاء هم النبلاء الحقيقيون، الذين يدركون أن البر بالأبوين ليس منّة بل شرفٌ لا يناله إلا من صفت روحه وسمت أخلاقه.
عمق المأساة، أن مأساة كبار السن الذين يُهملون ليست مأساة فردية، بل جرحٌ في ضمير المجتمع كله. حينما يُقاس الإنسان بما يملك لا بما أعطى، وحينما يصبح العطاء لعنةً تلاحق صاحبها في شيخوخته، فاعلم أن الإنسانية قد فقدت جوهرها. إنهم بشرٌ أفنوا أعمارهم في البناء، فلا تجعلوهم أنقاضًا في زمن الجحود.
“بروا آباءكم يبرّكم أبناؤكم”.
*أمين عام تيار الفكر الشعبي أستاذ جامعي.















