سوزان أبو حسن
كاتبة ومترجمة من لبنان
“هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية” هو عنوان الكتاب الجديد للمفكّر الكبير عبد الحسين شعبان، الذي صدر عن دار النهار العريقة، وما حثني على الكتابة عنه خصيصًا عدد من العوامل، أولها – أنني شاركت في مراحل تكوينه وشهدت على ولادته حتى أبصر النور بأبهى حلّة؛ وثانيها – أردتُ أن أسلط الضوء عليه من منظور قارئة، حيث كنت أنتظر أن يكون العنصر النسائي في هذا الكتاب غير محدود بناهدة الرماح ووجدان ماهر.
الكتاب يُعرف من عنوانه كما يقولون، فما بالك بعنوان مثل هسهسات الضوء؟ فهو إيحاء، لا بل دليل دامغ على مكنوناته، وإذا أردنا أن نشرّح العنوان كلمةً كلمة فنجد أن تعبير “هسهسات” له مدلول حسيّ قوي مرتبط بالصوت الخافت الرقيق الذي يخترق الآذان ومن ثم القلب بدون استئذان، ثم يبهرك “الضوء” الذي ينير البصر والبصيرة، إذْ لا رؤية أو رؤيا بدون شعاع النور الذي يهديك إلى الطريق القويم في رحلتك للوصول إلى الغاية. والغاية من هذا الكتاب كما يبدو هي “الأنطولوجيا”؟
والأنطولوجيا كما يعرّفها د. شعبان هي فلسفة وجود الكائنات وطبيعة علاقتها، وهي تطرح أسئلة وجودية تتعلّق بالحقيقة، وللوصول إلى بعض الحقائق نكمل مشوارنا لنعرّج على “الثقافة”، التي هي الجزء الثاني من عنوان الكتاب، والثقافة في مفهومها الواسع بحر من القيم والعادات والتقاليد والفنون والمعتقدات التي تميّز مجموعة من الناس، لاسيّما طريقة عيشهم وملبسهم ومأكلهم ونمط حياتهم، فما بالك إذا كانت هذه المجموعة عراقية؟ وهنا مربط الفرس.
وأقتبس من مقدمة شعبان قوله ” وجاء الوقت المناسب لتقديم إضاءات في أنطولوجيا الثقافة العراقيّة من خلال أربعين شخصيّة مبدعة… تمثّل فسيفساءَ وألوانًا لجميع حقول المعرفة والفكر والثقافة والفنّ والأدب… من الرجال والنساء، ترك كلٌّ منهم بصمةً واضحةً على المشهد الثَّقافيّ العام”.
ومن خلال هذا القول نستطيع الاستنتاج أن الكتاب يشتمل على باقة ملوّنة من المثقفات والمثقفين من خلفيات مختلفة وفئات عمرية متعدّدة، بعضها عاصرها الكاتب وبعضها الآخر أنشأ علاقة وثيقة معها عبر قراءاته وأبحاثه المكثّفة التي أجراها، وكنت شاهدةً على مدى دقّته في التفتيش والتنبيش والتمحيص والتدقيق وطرح الأسئلة والنقد والاستنتاج والكتابة إلى أن وصل إلى زبدة الزبدة، حيث يقول ” حاولتُ استعادة أجواء تلك الفترات الزمنيّة، فبعضها لم أعشها، وأخرى وقفتُ عند تخومها، وثالثة شهدتها، ورابعة تغلغلتُ فيها، بل عشتُ تفاصيلها وصراعاتها بمدّها وجزرها…”.
ومن العنوان واصلت دربي عبر الصفحات إلى أن وصلت إلى قسم المحتويات، الذي سأقفز عنه قليلًا بالزمن للوصول إلى صفحة الإهداء، ويا له من إهداء، حيث يقول “أهدي هذا الجهد المتواضع إلى والديّ نجاة حمّود شعبان وعزيز جابر شعبان”، وأريد أن أتوقّف هنا قليلًا وأحلّل معنى هذا الإهداء وأتساءل: لماذا الآن؟ ولماذا هذا الكتاب بالذات؟ لأجد أن الجواب عفوي وتلقائي ويكمن في السؤال نفسه، فهذا الكتاب هو عصارة حياة شعبان، وهو رباعي الأبعاد، “زمكاني” إذا جاز لي التعبير، يشتبك فيه المكان بالزمان والتاريخ بالجغرافيا والفلسفة بالفن والسوسيولوجيا بالأنثروبولوجيا، وهو ما تربّى عليه الكاتب وتعلمه منذ نعومة أظفاره في بداياته مع والديه، إذْ كانا الدافع الأساسي والداعم الأقوى في مسيرته الثرية والزاخرة.
والخاصية الثانية في هذا الإهداء أنه بدأه باسم والدته، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على مدى محبّته وتقديره لها، وهي التي عانت ما عانته معه من ملاحقات واعتقالات، ومن جهة أخرى احترامه للمرأة ودورها وأهميتها في المجتمع بشكل عام وبحياته بشكل خاص.
وأكملت نزهتي عبر الصفحات وإذا بعبق الزهور يغمرني في عنوان الاستهلال “هنا الوردة فلنرقص هنا”. اندهشت قليلًا، وسألت نفسي، ما هي صلة الوصل بين عنوان الاستهلال ومضمون الكتاب؟ ولماذا استهلّ به؟ وإذا بي في رحلة مكوكية لاستخدامات كلمة “الوردة” من هيغل في كتابه “فلسفة الحق” مرورًا بماركس الذي استخدم عبارة “الوردة الحمراء” في كتابه “نقد الفلسفة القانونية الهيغلية”، ورواية أمبيرتو إيكو “اسم الوردة” البوليسية الفلسفية، إلى رواية “هنا الوردة” لأمجد ناصر، ولعلّ مدخله هذا هو ما وجده مناسبًا للاحتفاء بالنخب الثقافية العراقية على حدّ تعبيره.
وعدتُ أدراجي إلى محطتي الأخيرة، إلى صفحة المحتويات، التي تحتوي على “شميلة” (أي باقة باللبناني العامي) من النخب الثقافية العراقية اللامعة التي تعرّفت عليها عبر كتابات د. شعبان وأحاديثه ورواياته وسردياته عنها بتفاصيل التفاصيل، بحيث أحسست أن بعضها أعرفه شخصيًا، وتأثرت بحياته و”انغرمت” بكتاباته، ومنهم شمران الياسري (أبو كاطع)، وكان من أوائل كتب د. شعبان التي قرأتها هو كتاب “أبو كاطع – على ضفاف السخرية الحزينة”.
ومثله مثل مظفّر النواب، الذي مع الأسف الشديد لم تسنح لي الفرصة أن أتعرّف عليه شخصيًا، مع العلم أنه زار “ضيعتي” (قريتي) بعذران، ولكن وباعتزاز شديد رافقتهما معًا في “رحلة البنفسج”.
وأصل إلى “المكتفي بذاته” البروفيسور الدكتور شيرزاد النجار، الذي كان لي غامر الفرح والسعادة التعرف عليه شخصيًا ومجالسته ومحاورته ومقاسمته الزاد، ولا بدّ لي هنا أن أتوقّف قليلًا عند معنى الصداقة الحقيقية لأجدها متجسّدةً في العلاقة التي تربط النجار بشعبان، وهما خير إثبات على وجودها ودوامها.
من الصعب جدًا الخوض في غمار هذا الكتاب الوازن والدخول في “زواريب” (أزقة) أسمائه كافة، فشعبان وضعك على السكّة، حيث كل محطّة تقف عندها تشكّل تجربةً جديدةً وفريدةً، فمع أحمد الصافي النجفي وبدر شاكر السياب وسعدي يوسف تُبحر في غياهب الاغتراب والتمرّد والدهشة، وتصطاد مع محمود البياتي بسنارة الحلم والذاكرة، وتجول في أروقة الستينيات مع حميد سعيد وترحل إلى المستقبل مع خير الدين حسيب وتشرب كأسًا من النبيذ مع وليد جمعة وتحلّق برحاب الفكر مع محمد باقر الصدر وتريك ناهدة الرماح أيقونة المسرح معنى العطاء وتدهشك وجدان ماهر برعشاتها الأخيرة وتختم رحلتك مع وميض نظمي الذي قتلته نزاهته.
- نشرت في صحيفة الوطن الجديد في 28 كانون الثاني / يناير 2026.














