عبير حمدان
حملت الأمسية 110 لمنتدى لقاء عنوان “المصالحة بين الدين والدولة”، حيث تخللتها ندوة حول كتاب “عودة الدين إلى المجال العمومي” للدكتور أدونيس العكره.
اقيمت الندوة في مركز بلدية جبيل الثقافي وشارك فيها كل من الدكتور مروان ابي فاضل والأب الدكتور بشارة ايليا والدكتورة ليلى شمس الدين والدكتور عماد يونس فغالي وقدّمت لها الإعلامية رندلى جبور التي تساءلت حول اقتحام لوثة السياسة والمصالح والفساد لجزء من الدين في داخل النفوس، وهل المجال العمومي لا زال فعلاً مساحة لتحقيق المصلحة العامة، وهل المواطنون هم بمعظمهم مواطنون بالمعنى الفعلي للكلمة، لافتة إلى أن العلاقة السليمة بين المواطن والدين والمصلحة العامة تُبنى على المفاهيم السليمة والعودة إلى القيم بعيداً من العفن الذي يأكل كل شيء.
أبي فاضل
استعرض الدكتور مروان أبي فاضل في كلمته المرحلة التاريخيّة التي سبقت تأسيس دولة لبنان الكبير مشيراً إلى طبيعة الحكم والتعايش بين الطوائف المتعددة، ثم وضع نظام المتصرفية. وبعدها إعلان دولة لبنان الكبير ووضع أول دستور للبلاد في العام 1926 وتوزيع الوظائف المدنية والعسكرية العليا في الدولة، والتوترات التي أدّت لاحقاً إلى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 وصولاً إلى توقيع اتفاق الطائف في 1989 الذي أدى إلى تعديل الدستور وتغييرات في توزيع السلطات الدستورية.
ولفت أبي فاضل إلى أن الدكتور أدونيس عكره أورد في كتابه “أن هذا التعديل طرح مشروعاً مبهماً لإلغاء الطائفية السياسية، وكرّس المحاصصة الطائفية باستبداله معيار العدل بمعيار المناصفة بين المسلمين والمسيحيين”.
واشار أبي فاضل إلى أن كتاب الدكتور أدونيس العكره يقدّم طروحات عملية تسهم في خروج لبنان من أزمة حكم تاريخية، وبغية الوصول إلى “دولة المواطنية” رسم د.العكره خريطة طريق، مقترحاً بعض الحلول ومنها أن تتوافر في من يتولى السلطة السياسية في الدولة درجة عالية من الأخلاقيات المدنية في ممارسة السياسة، وبأن يكون للنخب الفكرية والثقافية دور اساسي في الحياة السياسية.
إيليا
من جهته رأى الأب الدكتور بشارة إيليا أن كتاب د.أدونيس العكره جريء في أسئلته وفلسفي في لغته، عميق في مقاصده ومفاهيمه، كتاب لا يسعى إلى تسجيل موقف إيديولوجي أو ديني، بل يسعى إلى التحرر منهما بقدر ما يفتح أفقاً إنسانياً جديداً، أفق المصالحة بين الدين والمواطنة، بوصفها شرطاً من شروط قيام الدولة المدنيّة في لبنان كما في هذا الشرق مع الديانات التوحيدية.
واعتبر الأب إيليا أن الدكتور عكره مسكون بعقدة النهضة العربية التي انطلقت من السؤال للأسف، نحن متخلفون للأسف كيف نلحق بالغرب؟ فاستنزفتها معارك المحافظة والتجديد والتوفيق، في وقت كانت تقتضي الإجابة عن السؤال الجوهري نحن متخلفون كيف نحضر من جديد؟ هو يكتب ويجيب من داخل التجربة (..)
ولفت إيليا إلى أن هذا الكتاب ليس دفاعاً عن الدين وليس تبريراً للعلمانية بل هو دفاع عن الإنسان بوصفه غاية كل دين وكل دولة، وإذا كان الدين مدعواً اليوم إلى العودة إلى المجال العموميّ فليس ليحكم بل ليذكّر، وليس ليقصي بل ليصالح، ولا ليحتكر الحقيقة بل ليحكمها بمحبة وذلك تحقيقاً للمواطنة الشاملة.
شمس الدين
قدّمت الدكتورة ليلى شمس الدين قراءة شاملة للكتاب تحت سقف الاختلافات التي نعيشها في لبنان وما فيها من تفاصيل لا ترتبط بالسياسة وحسب، بل بمعنى العيش معاً. لتطرح إشكالية حول طبيعة أننا جماعات تتقاسم دولة أو مواطنون يتقاسمون المستقبل.
وسألت د.شمس الدين، هل مشكلتنا في الدين أساساً أو في الطريقة التي حوّلنا فيها الدين إلى نظام سياسي، لافتة إلى أن د. العكره ينطلق في كتابه من ملاحظة أساسية وهي عودة الدين إلى المجال العمومي، إذا هي ليس نكوصاً إلى الماضي إنما هي نتيجة مباشرة لأزمة الدولة الحديثة، بمعنى أنه لدينا أزمة عدالة وأزمة ديمقراطية وأزمات أخرى، فحين تفشل الدولة في حماية الحقوق يعود الناس تلقائياً إلى هوياتهم الأولى وبالتالي يذهبون إلى الدين والطائفة والجماعة، وهنا يميّز الدكتور العكره في كتابه بدقة بين الدين كحالة اجتماعية أو كآلية لتنظيم السلطة.
واعتبرت د.شمس الدين أن المشكلة ليست في إيمان الناس بل في تحويل هذا الإيمان إلى مسارب أخرى.
ورأت أن قوة هذا الكتاب تكمن في رهانه على التحوّل الثقافي العميق وحدوده في أن هذا التحوّل لا يمكن أن ينجح دون مسار سياسي مؤسسي موازٍ، من هنا يجب العمل على إعادة بناء الإنسان وليس تعديل القوانين فقط، ويبقى السؤال المعلق من أين يجب أن نبدأ في لبنان هل من الإصلاح السياسي أو تغيير التربية الثقافية والمدنية.
فغالي
اعتبر الدكتور عماد يونس فغالي أن د. العكره طرح في كتابه فكرة المصالحة بين الدين والمواطنية تحت عنوان “عودة الدين إلى الفضاء العمومي”، لكنه لا يقدم نفسه معادياً للأديان في انتظام الشعوب والدول، بل يعلن هدفه الأكبر المتمثل بتأسيس الدولة المدنية لأجل أن يعيش المواطن مواطنيته بمنأى عن الصراعات والتجاذبات التي تؤذيه وتنال من كرامته.
ورأى د.فغالي أن الكاتب الذي بحث في الجذور حول إقامة الدولة المدنية في لبنان وجد أسس المادة متوافرة في الدستور اللبناني نفسه أصلاً في صيغة العام 1943، وتعديلاً في صيغة العام 1990، ما يتيح للبنانيين أن ينتقلوا بفعل الممارسة الدستورية والحياة المشتركة والعيش معاً، من مرحلة التقاسم الطائفي إلى مرحلة المواطنية الكاملة..
ويخلص د. فغالي إلى أن الكاتب قدم مشروعاً تطبيقياً منهجياً لفكرة تأسيس الدولة المدنية في لبنان، انطلاقاً من وثيقة الأخوة الإنسانية، التي تدعو إلى توظيف الفكر الديني في خدمة مواطنيّة الإنسان الكاملة.
العكره
من جهته أكد الدكتور أدونيس العكره أن مشاركته في ندوات حول كتبه يجعله يكتشف جوانب جديدة ذاتية له، لافتاً إلى أن كتابه موضوع النقاش أتى نتيجة إشكالية عدم وجود المواطن الكامل في لبنان، حيث إن مفهوم المواطنة يقوم على المساواة في الواجبات والحقوق التي ينعم في ظلالها الجميع بالعدل، وهذا الكلام مرجعيته دينية، وخلفيته الإنجيل والقرآن.
واعتبر د.العكره أن الإصلاح في لبنان لا يمكن أن يحصل دون مباركة من يمثلون هذه الخلفية التي تؤسس لجدوى ما قاله كل الفلاسفة الذي درّست فلسفتهم في الجامعة اللبنانية على مدى ثلاثين عاماً.
ورأى أن المواطن هو الجامع بالدرجة الأولى، ولكن علينا الإصغاء للدين وحين نريد اتخاذ القرار السياسي علينا فعل ذلك بعقلانية، لبنان بحد ذاته دولة استثنائية لذلك لنتصرف بطريقة استثنائية من خلال التعاون بين الكنيسة والمسجد والقانون، علينا تعليم أولادنا بذهنية أن الله للجميع، وكلنا مسلمون لله، ويجب أن لا تكون الفروقات والاختلاف سبباً للخلاف.
وفي ختام الندوة كان نقاش بين الحضور والدكتور أدونيس العكره.
(جريدة البناء)



















