د. عصام نعمان **
كشف المحلل السياسي الإسرائيلي أرئيل كهانا (صحيفة «يسرائيل هيوم» 2026/1/20) أن جذور العلاقة بين دونالد ترامب واليهود تعود إلى عشرات السنين. والده كان أحد أباطرة العقارات، وتبرّع بأرض ليهود نيويورك ليقيموا فيها كنيساً، وأن ترامب الإبن كان محاطاً دائماً بمستشارين يهود أبرزهم، ستيف ويتكوف الذي أصبح لاحقاً موفده المعتمد إلى الدول العربية والإسلامية. بعده جاء الصهر الأثير جاريد كوشنر، الذي أقنعه خلال ولايته الأولى 2021-2017 بنقل السفارة الأميركية من تل ابيب إلى القدس، والاعتراف بضم الجولان المحتل لـ”إسرائيل”، وكان أن قدّم لها ترامب بعدئذٍ دعماً مطلقاً ضد إيران، تمثّل بإخراج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الذي كانت كبريات دول العالم قد عقدته مع الجمهورية الإسلامية لمراقبة برنامجها النووي السلمي.
بعد عودته إلى البيت الأبيض سنة 2025، أمر ترامب بإرسال جميع الشحنات العسكرية المجمّدة إلى “إسرائيل”، وأصدر أوامر بمكافحة معاداة السامية، وأخرى ضد محكمة لاهاي الدولية (التي كانت قد أصدرت قراراً باعتقال بنيامين نتنياهو للتحقيق معه بجرائم ارتكبها ضد الفلسطينيين)، واقترح على “إسرائيل” لاحقاً «فتح أبواب الجحيم على أعدائها»، الأمر الذي نفذه نتنياهو بشنّ حربٍ ضارية على إيران لمدة 12 يوماً خلال شهري يونيو ويوليو سنة 2025. وعندما ردّت إيران على “إسرائيل” بضربة ثأرية ألحقت بها أضراراً وخسائر فادحة، هرعت طالبةً النجدة من ترامب، الذي استجاب بلا إبطاء بالمسارعة إلى قصف منشآت إيران النووية في فوردو ونتنز وأصفهان، مدمراً أقسامها الكائنة فوق سطح الأرض، بينما بقي ما كان في باطن الارض سليماً.
منذ مطلع العام الحالي، يهدّد ترامب إيران بضربةٍ ساحقة، وأوشك قبل بضعة أيام على أن يحقق مبتغاه، إلاّ انه جمّد أمر التنفيذ في اللحظة الأخيرة. ومع ذلك ما زال يتوعّدها ويهددها، ويؤكد أنه عازم على التنفيذ عاجلاً أو آجلاً.
لماذا أوقف ترامب ضربته لإيران؟ إنه سرّ دفين، ربما يمكن إدراك مضمونه من خلال استقراء وتحليل بعض الوقائع والمواقف المتوافرة على النحو الآتي:
*زعم ترامب أنه أوقف هجمته بعدما بلغه أن قيادة إيران السياسية ألغت قراراً بإعدام 800 من القادة والمشاركين في التظاهرات، التي اندلعت مطلع الشهر الجاري، لكن هل يُعقل أن يزجّ رئيس دولة كبرى بلاده في حربٍ، لمجرد أن أحداثها مسّت شغاف قلبه، وانه عاد عنها بمجرد علمه بأن مسؤولي تلك الدولة أوقفوا قرار الإعدام المزعوم؟ مع العلم أن حكومة إيران نفت نفياً قاطعاً أن عدداً كبيراً من القادة والمشاركين في التظاهرات كان محكوماً عليه بالإعدام.
*أكدت أجهزة استخبارات متعددة إسرائيلية وأمريكية لقياداتها السياسية، أن حكومة إيران استطاعت استيعاب واحتواء التظاهرات المندلعة خلال أربعة أيام، وأن الأمور استتبت لها تماماً.
* قرار ترامب تأجيل أو إلغاء الضربة العسكرية المخططة ضد إيران، جرى حسمه بحساب بارد ودقيق للمخاطر، مقابل المكاسب المحتملة، كان قد أوجز حصيلتها والتحفظات بشأنها الجنرال يتسحاق بريك الرئيس السابق للكليات العسكرية الإسرائيلية، بمقال في صحيفة «معاريف» (2016/1/19) على النحو الآتي:
(1) محدودية قدرة القوة الجوية مهما بلغ تفوقها على إحداث تغيير سياسي جذري في إيران.
(2) الخوف من تداعيات حرب إقليمية شاملة تمتد إلى العراق وسورية ولبنان و”إسرائيل” ودول الخليج.
(3) ترجيح خسارة ترامب أغلبيته في مجلس النواب، ما يمنح الحزب الديمقراطي المعارض الأدوات القانونية اللازمة لبدء إجراءات عزله، وأن أيّ ارتفاع حادّ في أسعار النفط نتيجةَ الحرب، قد يدفع الناخبين المترددين نحو الديمقراطيين ما يشكّل تهديداً مباشراً لاستمرار رئاسته.
مع انكشاف سرّ تأجيل ترامب ضربته لإيران، ماذا تراه يكون سرّ صمود إيران العنيد والرادع لتهديدات الرئيس الأمريكي، وتكرار إعلان اعتزامها إلحاق أضرارٍ جسيمة وخسائر شديدة غير مسبوقة، اذا قرّرت أميركا الاعتداء عليها؟
هذا السرّ المحيّر سيبقى، على ما يبدو، سراً.. لأن لا معلومات أو بيانات فنية متاحة في هذا الصدد، بسبب حرص المسؤولين السياسيين والعسكريين في الدول التي تمتلك هذه المعلومات والبيانات البالغة الخطورة، على إبقائها طيّ الكتمان وإن كانوا يسمحون أحياناً بتسريب أجزاء يسيرة منها بقصد لجم من يعتبرونه عدواً، بغية الحؤول دون ارتكابه مغامرة أو حماقة بالغة الخطورة. غير أن هذه المحاذير والصعوبات، لم تمنع بعض الخبراء والمحللين الاستراتيجيين والعسكريين، من القيام بدراسات ومقاربات ومقارنات وتخمينات واستشرافات، تكشف للرأي العام بعض خفايا وجوانب الصراعات المحتدمة، والأسلحة والأدوات المستخدمة فيها. ومنها يمكن استخلاص الواقعات والترجيحات والاستنتاجات الآتية:
إزاء تحديات ومخاطر بالغة الجدّية لا يُعقل أن يتصرف كبار قادة إيران الدينيين والسياسيين والعسكريين بخفة وسطحية وتهويل. بالعكس، يرجّح أن تكون مواقفهم وتصريحاتهم جدّية ورصينة، وتستند إلى حقائق وإنجازات استطاع العقل الإيراني تحصيلها وتحصينها، في مختلف المجالات والميادين الاقتصادية والصناعية والتكنولوجية والسيبرانية.
يبدو أن إيران كانت وما زالت تتعاون مع دول متقدمة ومتطورة في الميادين النووية والصاروخية والسيبرانية كالصين وروسيا وكوريا الشمالية وباكستان، ولا يُستبعد أن تكون قد استحصلت منها أيضاً على العلم والمعرفة والدراية، كما على نماذج من أسلحةٍ نووية وصاروخية وسيبرانية.
الأرجح أن إيران قطعت شوطاً كبيراً في اكتناه الذكاء الاصطناعي واستخدامه في إنتاج واستعمال أدوات ومناهج متطورة في شتى الميادين، ولا سيما في دقة التصويب إلى أهداف عسكرية في البرّ والبحر والجو، وكذلك إنتاج منظومات دفاع جوي متطورة وقادرة على تعطيل فعالية رادارات العدو أينما كانت.
– تردَدَت أخبار أيضاً من مصادر متعددة، أن إيران أطلقت أخيراً على سبيل التجربة وبالتعاون مع روسيا والصين، صاروخاً باليستياً بعيد المدى إلى إعماق سيبيريا، وأن هذا الصاروخ مزوّد بتقنيات للذكاء الاصطناعي تختص بتدقيق التصويب إلى الأهداف العسكرية والاقتصادية المتوخاة.
كما تردد أن إيران أصبحت تمتلك أسلحة وقنابل كهرومغناطيسية ذات فعالية تدميرية هائلة تفوق تلك التي لمثيلتها من الأسلحة النووية.
في ضوء ما تقدّم بيانه، ليس من المستبعد أن تكون الولايات المتحدة، كما “إسرائيل”، قد استحصلتا على هذه المعلومات البالغة الأهمية، أو قدرتا أن إيران باتت تمتلك فعلاً مثل هذه التقنيات البالغة الفعالية، والأسلحة المزوّدة بها الأمر الذي يستتبع حصول نوع من تعادل في توازن الردع بين إيران من جهة و”إسرائيل” والولايات المتحدة من جهة اخرى، ويتطلب تالياً وقف أي اعتداء عليها تفادياً لتداعياته الخطيرة محلياً وإقليمياً. ترى، هل تأجيل أو إلغاء ترامب قرار ضرب إيران ما زال سراً، أم أن أسبابه وملابساته باتت مكشوفة؟
*نشرت في جريدة “القدس العربي” (لندن) بتاريخ 2026/1/26
**مفكر مناضل ومحام من لبنان.













