د. ضياء كامل حسان*
بيتٌ علّم الأمة معنى الفداء، يودّع اليوم طيفًا من وجعه القديم…
بالأمس، رحلت راغدة، الصغرى بين بنات الزعيم.
رحلت بعدما حملت ما لا يُحتمل، طفولة بلا أب، بلا أم، بلا بيت يكتمل دفؤه.
لكنّها بقيت شاهدة حيّة على عمق الألم، وعلى عظمة التضحية.
راغدة أنطون سعاده،
كنتِ كنسمةٍ وُلدت في قلب العاصفة.
حملتِ على كتفيكِ الصغيرتين عبء بيتٍ لم يكن يومًا عاديًا.
بيتٌ قدّم للأمة فكرًا، ونهضة، ودرب شهادة.
بيتٌ قدّم زعيمًا، وسجينة، وبناتاً عشن على حافّات الغياب،
وها هو اليوم، يودّع وردةً من حديقته، وردةً سقتها الدموع أكثر مما سقتها المواسم.
نشأتِ في ظلّ الغياب، في كنف الأخوات، في ذاكرة الوجع القومي،
كأنّكِ سطور خفيّة في كتاب النهضة، كُتبت بالحزن والصبر.
مضيتِ بعد معاناة طويلة، بعد انسداد رئويّ ما عاد صدركِ الهشّ قادرًا على تحمّله.
مضيتِ في صمتٍ يليق برقّتكِ، وبوجعٍ لم يُنصفه العالم.
لكن رحيلكِ ليس صامتًا في قلوبنا.
إنه جرسٌ يدقّ في وجداننا، يذكّرنا من جديد أنّ هذا البيت، بيت سعاده، أعطى كل شيء:
الأب شهيدًا،
الأم سجينة،
والبنات في مدار الألم والغربة…
كلّ ذلك، ليحيا أبناء هذه الأمة بكرامة، وليحيا من لم يولد بعد في عالمٍ أجمل، كما أراده الزعيم.
راغدة، سلامٌ عليكِ،
وعلى الطفولة التي لم تنَل دفءَ الأب، ولا حضن الأم،
سلامٌ على الحياة التي لم تُنصفك،
وعلى النهضة التي ورثتِ صليبها بصمت، دون شكوى.
لقد رحلتِ، لكنّنا، نحن الذين بقينا، لا نرثيكِ فقط… بل نعدكِ:
أن نبقى أمناء على دم الزعيم،
وعلى دمعتكِ،
وعلى تنهيدة والدتكِ خلف القضبان،
وعلى صبر أختيكِ،
وعلى وجع بيتٍ ما عرف الراحة، بل عرف كيف يعطي بلا حدود.
*رفيقة في النهضة،
أمينة على الوجع والوعد.













