د. رائد حسنين
أولًا: مقدمة
يشهد قطاع غزة لحظة فارقة في تاريخه الحديث، بعد حرب إبادة ممنهجة خلفت دمارًا هائلًا في البنية التحتية والنسيج الاجتماعي، وأنتجت فراغًا إداريًا وسياسيًا وأمنيًا عميقًا. أمام هذا الواقع، تبرز مصر — بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والتاريخي — بوصفها طرفًا محوريًا قادرًا على لعب دور قيادي في إدارة المرحلة الانتقالية، بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية وبمشاركة دولية وعربية واسعة.
تهدف هذه الورقة إلى تقديم إطار سياسات عملي لعمل اللجنة المصرية في قطاع غزة خلال ثلاث مراحل زمنية، تتدرج من الإغاثة العاجلة إلى التنمية المستدامة، مع تحديد آليات التنفيذ، ومجالات التنسيق، والتحديات المحتملة، والتوصيات اللازمة لإنجاح هذا الدور.
ثانيًا: الخلفية والسياق السياسي
إدارة قطاع غزة بعد الحرب ليست مسألة إنسانية فحسب، بل هي ملف سياسي واستراتيجي معقد، تتقاطع فيه مصالح محلية وإقليمية ودولية.
تسعى السلطة الفلسطينية إلى استعادة دورها الإداري والسياسي في القطاع، لكنها تصطدم بتوازنات ميدانية وسياسية تحول دون الانفراد بالإدارة.
في المقابل، تُعد مصر الطرف الأكثر قبولًا لدى مختلف الأطراف، نظرًا لمكانتها التاريخية وعلاقاتها المتوازنة مع الأطراف الفلسطينية والإقليمية والدولية.
منح مصر دورًا مركزيًا في إدارة المرحلة الانتقالية يأتي ضمن تفاهمات “اليوم التالي” للحرب، التي تهدف إلى منع الانفجار الأمني، وضمان استقرار إنساني وسياسي نسبي، وتهيئة الأرضية لإعادة الإعمار.
ثالثًا: تحليل الوضع الراهن
- الوضع الإنساني:
أكثر من 80% من البنية التحتية المدنية تضررت بشكل مباشر. مئات آلاف الأسر فقدت المأوى، والبنية الصحية والتعليمية شبه منهارة.
- الوضع الأمني:
انهيار المنظومة الأمنية السابقة خلق فراغًا قابلًا للتفجر، ما يتطلب وجود ترتيبات أمنية انتقالية منضبطة.
- الوضع السياسي:
الانقسام الفلسطيني الداخلي ما زال قائمًا، مما يجعل أي تدخل يتطلب ترتيبات توافقية وضمانات سياسية.
- الوضع الاقتصادي:
الاقتصاد المحلي في حالة شلل شبه تام، مع معدلات بطالة وفقر قياسية، وتراجع القدرة الإنتاجية إلى مستويات حرجة.
رابعًا: المحاور الزمنية للتدخل المصري
- المرحلة الأولى: الإغاثة العاجلة وبناء الثقة (0–4 شهور)
فتح المعابر وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية.
تأهيل المستشفيات والمرافق الصحية الأساسية.
توفير المأوى المؤقت للأسر المتضررة.
فتح الطرق وإعادة انتظام التعليم.
تكريس الحضور المصري كضامن للاستقرار الإنساني.
- المرحلة الثانية: إعادة التأهيل والاستقرار (4 شهور – سنتان)
إزالة الأنقاض والمخلفات الحربية.
تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي.
إعادة بناء المؤسسات الحيوية (مدارس – مستشفيات – مرافق عامة).
تحفيز الاقتصاد المحلي عبر الإعفاءات الضريبية وتشغيل المعابر.
إطلاق برامج تشغيل مؤقتة للحد من البطالة.
فرض منظومة أمنية انتقالية منضبطة.
- المرحلة الثالثة: التنمية المستدامة (2–5 سنوات)
تطوير البنية التحتية الاستراتيجية (الطاقة – المياه – النقل).
التكامل الاقتصادي مع مصر عبر منطقة صناعية حدودية.
برامج تعليمية وتدريبية لبناء كوادر فلسطينية مؤهلة.
خلق بيئة استثمارية مستقرة.
دعم مسار سياسي يؤدي إلى حل الدولتين.
خامسًا: آليات التنفيذ المؤسسية
- لجنة الإدارة المدنية
مهامها: إدارة الخدمات اليومية (الصحة، التعليم، المياه، الكهرباء، البلديات).
التشكيل: وزارات فلسطينية + شخصيات محلية + مراقبون مصريون ودوليون.
- اللجنة الأمنية المؤقتة
مهامها: فرض الأمن ومنع الفوضى، ودعم عودة تدريجية لأجهزة السلطة.
التشكيل: ضباط مصريون + أمن السلطة + أطراف دولية.
- اللجنة السياسية
مهامها: تنسيق الجهود، حل النزاعات، دعم المصالحة السياسية.
التشكيل: فصائل فلسطينية + مصر كضامن + جامعة الدول العربية.
- لجنة المعابر والنقل
مهامها: تنظيم المعابر وإدارة حركة الأفراد والبضائع وفق اتفاق 2005.
التشكيل: هيئة المعابر الفلسطينية + مصر + رقابة أوروبية ودولية.
- لجنة إعادة الإعمار
مهامها: الإشراف على توزيع الموارد وضمان الشفافية، وإدارة المشاريع الكبرى.
التشكيل: وزارات فلسطينية مختصة + مصر + الجهات المانحة.
سادسًا: التحديات المحتملة
تأخر نقل السلطة قد يثير توترات سياسية وشعبية.
حملات تحريض قد تُصوّر الدور المصري كقوة احتلالية.
الأعباء المالية والأمنية قد تثقل مصر إذا لم تتوافر شراكة دولية واضحة.
استمرار الانقسام الفلسطيني الداخلي يهدد فاعلية أي خطة.
صعوبة ضبط أداء الفصائل على الأرض.
سابعًا: التوصيات
- تحديد جدول زمني واضح للمرحلة الانتقالية مع ضمانات سياسية دولية.
- توسيع دائرة الشراكة مع السلطة الفلسطينية، والمجتمع المدني المحلي، والجهات المانحة.
- ضمان الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد والمشاريع لتبديد المخاوف الدولية.
- فصل المهام المدنية عن الأمنية لتجنب تضارب الصلاحيات.
- إطلاق مسار موازٍ للمصالحة الفلسطينية لتأمين الغطاء السياسي لأي تدخل ميداني.
- إنشاء صندوق دولي خاص لإعادة إعمار غزة تديره لجنة إشرافية مشتركة.
ثامنًا: خاتمة
يمثل الدور المصري في قطاع غزة فرصة استراتيجية لإعادة بناء القطاع على أسس جديدة، تنقل الوضع من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار والتنمية. إن نجاح هذا الدور مرهون بوضوح الإطار السياسي، وصرامة آليات التنفيذ، واتساع الشراكة الدولية والمحلية.
في النهاية، فإن غزة الجديدة ليست مجرد معركة إعمار، بل معركة صياغة مستقبل.

















