يحيى دايخ*
يلتبس بعض المحللين السياسيين المحليين والإقليميين أثناء تناولهم العدوان الأميركي على فنزويلا في إشكاليتين أو فرضيتين، الأولى في الربط بين ما حصل فيها والنوايا مبيتة اتجاه إيران، ويعتمدون في تحليلهم على مرتكز هام ولكنه ليس الوحيد، وهو إن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفط في العالم، وبسيطرة أميركا عليها تضمن في حال شنت الأخيرة حرب على إيران وتم إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب لن يكون هناك تأثر كبير في إمدادات الطاقة.
والإشكالية أو الفرضية الثانية هي في العقيدة العسكرية الجديدة المعروفة بـ “الصدمة والصمت” هي تطوير تكتيكي لعقيدة “الصدمة والرعب”، لكنها تختلف عنها في الأهداف والوسائل.
*أولاً. في صحة الفرضية أو الإشكالية الأولى*
بالتحليل الدقيق من حيث الرؤية الجيوسياسية الشاملة هي عنصر هام وصحيح، ويتقاطع مع استراتيجيات كبرى لطالما راكمت عليها الإدارات الأميركية المتعاقبة.
ولكن بالتقييم النقدي الواقعي:
*صحة الفرضية:*
الفرضية صحيحة جزئيًا ومبنية على منطق جيوسياسي واضح:
فالربط بين فنزويلا (أكبر احتياطي نفط عالمي) وبين مخاطر إغلاق مضيق هرمز من قِبل إيران وباب المندب من قبل أنصار الله في حال نشوب صراع واسع، هو تفكير استراتيجي منطقي لأميركا لتأمين بدائل طاقة سريعة ومستقرة.
*ومن إيجابيات الفرضية:*
- تحليل مترابط بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، وهو جوهر التفكير الاستراتيجي الأميركي.
- يُظهر فهمًا لطبيعة العقيدة الأميركية الجديدة في الوقاية بالبدائل، والسيطرة الاستباقية على مفاصل الطاقة.
- يربط بين الملفات التي تبدو متفرقة لكنها تُدار في غرفة عمليات واحدة.
*ولكن من السلبيات والمآخذ:*
- إفراط في الربط المباشر:
فبالرغم من أهمية فنزويلا، إلا أن الاستراتيجية الأميركية إتجاهها لا تقوم فقط على تأمين بديل للطاقة في حال حرب، بل أيضًا على تغيير النظام وتقويض حلفاء روسيا والصين في أميركا اللاتينية.
- مبالغة في تقدير سرعة استجابة السوق النفطي:
فحتى لو سيطرت أميركا على فنزويلا، فإن إعادة إنتاج النفط وتصديره يتطلب بنية تحتية ووقتاً، بعد طول توقف وإستخراج للنفط بسبب الحصار الأميركي الخانق، وهو ليس بديلاً فورياً في حال حرب مفاجئة.
- إغفال مصادر أخرى للطاقة العالمية: مثل أميركا نفسها (أكبر منتج حاليًا)، والخليج. أي أن فنزويلا ليست المنقذ الوحيد.
*ثانياً. الإشكالية أو الفرضية الثانية العقيدة العسكرية الجديدة المعروفة بـ “الصدمة والصمت”*
هي تطوير تكتيكي لعقيدة “الصدمة والرعب”، لكنها تختلف عنها في الأهداف والوسائل.
تقوم هذه العقيدة على توجيه ضربات دقيقة ومباغتة إلى أهداف استراتيجية لدى الخصم، بهدف تحقيق تأثير عسكري أو سياسي كبير، لكن دون الإعلان الصريح عنها أو إثارة ضجة إعلامية.
فالفكرة هي إحداث “القتل الصامت” أو التأثير الهادئ، بحيث يتم تفكيك قدرات العدو أو ردعه تدريجياً، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة أو ردود فعل دولية محرجة.
في المقابل، فإن عقيدة “الصدمة والرعب” التي برزت في غزو العراق عام 2003، ترتكز على استعراض القوة بشكل شامل وصاخب، لإخضاع الخصم نفسيًا ومعنويًا عبر قصف كثيف ومهيب، يؤدي إلى انهيار إرادة القتال. أما “الصدمة والصمت” فتعتمد على العمل الهادئ والدقيق المفاجئ والقاتل، مع تجنب أي ضجيج أو مواجهة مفتوحة.
*لكن عندما نتساءل: هل يمكن لهذه العقيدة أن تنجح ضد إيران؟*
تبدو الإجابة معقدة. إيران ليست هدفاً سهلاً، فهي دولة مترابطة أمنياً، وتعمل وفق استراتيجية حرب لا مركزية، تعتمد على شبكات حليفة إقليمية مثل حزب الله، الحوثيين، والحشد الشعبي.
فأي ضربة ضدها حتى إن كانت صامتة من الصعب أن تمر دون رد.
كما أن العقيدة الإعلامية والردعية لدى إيران تقوم على فضح أي اعتداء وردّه بصوت عالٍ، مما يفرغ مبدأ “الصمت” من مضمونه.
أضف إلى ذلك أن إيران تمتلك قدرات متقدمة في الحرب السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والهجمات غير المتناظرة، تجعل منها خصمًا قادرًا على كشف الضربات “الصامتة” والرد عليها خارج الزمن والمكان المتوقع.
في المحصلة، قد تكون “الصدمة والصمت” فعالة ضد خصوم ضعفاء أو مفككين، لكنها ستواجه صعوبات حقيقية ضد إيران التي لا تزال تعتمد استراتيجية الردع المفتوح والمجال الإقليمي المتداخل، ما يجعل أي هجوم صامت مكلفاً وصعب السيطرة على نتائجه.
*خلاصة:*
فرضيات هذه التحليلات قائمة على فكر دقيق وتعتمد على ربط مشروع، لكن يجب تخفيف حدة الحتمية فيها.
ففنزويلا تُستخدم كورقة استراتيجية أميركية على عدة جبهات، لكن اعتبارها “الخطة ب” الحاسمة في حال الحرب مع إيران يحتاج إلى تدقيق أكثر، خاصة بالنظر إلى الزمن اللازم لإعادة تشغيل قدرتها الإنتاجية وموقعها الجغرافي بعيداً عن مراكز النزاع.
* كاتب ومحلل سياسي لبناني. 5 كانون الثاني 2026*















