يحيى دايخ*
قبل قرنين، أعلن الرئيس الأميركي جيمس مونرو (1823) عقيدته الشهيرة التي شددت على رفض أي تدخل أوروبي في نصف الكرة الغربي. كانت العقيدة إعلانًا مبكرًا للهيمنة الأميركية الناشئة في أميركا اللاتينية.
أما اليوم، فإن ما يُطلق عليه بعض الباحثين بـ”عقيدة ترامب” لا سيّما في نسختها المحدثة 2024، تُعيد تشكيل السياسة الخارجية الأميركية وفق منطق القوة العارية، والانكفاء عن الالتزامات الدولية، مقابل العودة لسياسة “السطو الاستراتيجي” المكشوف.
من خلال هذه القراءة التحليلية سأحاول إظهار المرتكزات الاستراتيجية التي ترسم محددات العقيدة الأمريكية الدولية لترامب والتحولات الجيوسياسية والإقتصادية والسيناريوهات المحتملة مع التركيز الخاص على منطقة غرب آسيا.
*أولًا: عقيدة ترامب — الواقعية القومية بلا أقنعة*
*1. الانسحاب من العولمة:* تقويض الاتفاقات متعددة الأطراف، رفض المنظمات الدولية، التركيز على مصلحة أميركا “أولاً”.
*2. الهيمنة بالقوة لا بالقيم:* دعم أنظمة استبدادية “تابعة”، والتخلي عن الخطاب الليبرالي حول “الديمقراطية وحقوق الإنسان”.
*3. الحرب التجارية كسلاح:* فرض العقوبات والرسوم على الصين، إيران، روسيا، وحتى الحلفاء الأوروبيين.
*4. استراتيجية “تقويض الخصوم”:* من محاولة شراء غرينلاند، إلى انقلاب فنزويلا وإعتقال رئيسها، وصولًا إلى سحب الاعترافات بجمهوريات انفصالية موالية لروسيا (مثل أبخازيا وأوسيتيا).
*ثانيًا: موقع روسيا والصين في رؤية ترامب*
1. *الصين – الخصم الاقتصادي الأبرز:*
– يُنظر إلى الصين كمصدر تهديد اقتصادي، تكنولوجي، وجيوسياسي.
– إدارة ترامب تعتبر مبادرة الحزام والطريق (التي تكلمت عنها سابقاً) محاولة لتطويق النفوذ والهيمنة الإقتصادية الأميركية.
– الصراع في المحيطين الهندي والهادئ يتمحور حول تقييد الصين، لا مواجهتها المباشرة.
2. *روسيا – خصم استراتيجي محكوم بالردع:*
– رغم العلاقات المتذبذبة، يرى ترامب أن روسيا أضعف اقتصادياً، ويمكن احتواؤها أو حتى توظيفها لموازنة الصين.
– دعم انقسامات أوروبا الشرقية، وسحب أو تقليص الدعم عن أوكرانيا، يُفهم كسياسة “إضعاف الحلفاء لكبح موسكو وبكين معاً”.
*ثالثًا: من مونرو إلى ترامب “التحول من الحماية إلى الفرض”*
– *مونرو:* أراد طرد النفوذ الأوروبي من محيط أميركا الجغرافي.
– *ترامب:* يطرد النفوذ الصيني والروسي من محيط نفوذ أميركا الاقتصادي والسياسي العالمي، ويفرض على العالم قبول دور واشنطن كـ”قوة فرض إرادة”.
*رابعًا: القوى الصاعدة كيف تواجه هذه العقيدة؟*
– *الصين:*
تعتمد على النفوذ الاقتصادي، والتوظيف التكنولوجي، الاستثمارات في البنى التحتية، والعملات البديلة.
وبالتالي تتجنب المواجهة العسكرية المباشرة لكنها تستثمر في التفوق التكنولوجي والسيطرة على سلاسل التوريد.
– *روسيا:*
أ. تلجأ إلى “الإنهاك الاستراتيجي” للغرب: أوكرانيا، أفريقيا، دعم قوى الانفصال.
ب. تعمّق تحالفها مع الصين وإيران وقوى صاعدة أخرى لبناء محور مقاوم للهيمنة الغربية.
*خامساً: سيناريوهات مستقبلية محتملة* لمآلات عقيدة ترامب وتفاعل القوى الصاعدة (الصين وروسيا)، مع رسم خارطة تحليلية للمناطق الأكثر عرضة للتجاذب والصراع:
*السيناريو الأول: تصعيد النزاع متعدد الجبهات*
في حال نجحت إدارة ترامب بقوة بعد انتخابات الكونغرس القادمة المرجح أنها ستُفعل من:
*1. ضغوط كبرى على الصين* عبر مضيق تايوان واليابان وكوريا الجنوبية.
*2.حصار اقتصادي متسارع* لروسيا، مع تشجيع الناتو على تحركات جديدة قرب حدودها.
*3. تقليص أو تحجيم الدور الإيراني* عبر دعم علني لتغيير النظام أو تشديد التطبيع الخليجي “الإسرائيلي”.
*4. ازدياد التوتر في أميركا اللاتينية، لا سيما بعد فنزويلا* في كوبا ونيكاراغوا بمعنى تفكيك المحور البوهيمي المدعوم من روسيا.
*في النتائج المحتملة:*
– تشكيل محور صلب بين روسيا والصين وإيران.
– اشتعال نزاعات إقليمية محدودة (تايوان – أوكرانيا – جنوب لبنان – البحر الأحمر).
– تراجع فعالية المؤسسات الدولية وانهيار المنظومة متعددة الأقطاب.
*السيناريو الثاني: التوازن الردعي*
– القوى الصاعدة (الصين وروسيا وبعض الدول الرافضة للهيمنة الأمريكية) تبني دفاعات ردعية لا هجومية.
– أميركا تواصل الضغط ولكن بدون الدخول في حروب كبرى.
– تعميق النفوذ الصيني والروسي في أفريقيا، أميركا الجنوبية، البحر الأحمر وآسيا الوسطى.
*في النتائج المحتملة:*
– تفكك تدريجي للنفوذ الأميركي التقليدي في بعض المناطق.
– تعزيز مفهوم “النفوذ المتوازي” حيث تتقاسم القوى الكبرى المناطق دون مواجهة شاملة.
– انقسامات جديدة داخل المعسكر الغربي بين ترامب ودول أوروبا (إذا واصل ترامب تهميش الدور الأوروبي).
*السيناريو الثالث: انتكاسة أميركية وتقدم للخصوم*
– الأزمة الداخلية الأميركية تتعمق (اقتصاد، مجتمع، قضايا عرقية وانتخابات).
– ترامب قد يعيد رسم السياسة الخارجية بأسلوب أكثر انعزالية (انكفاء فعلي).
– الصين وروسيا تستغلان الانسحاب الأميركي لتعزيز التواجد في تايوان، أوكرانيا، الخليج، والبحر الأحمر.
*في النتائج المحتملة:*
– تراجع أميركي حاد في آسيا وأفريقيا.
– تأثر تحالفات قديمة مثل الناتو وقد تتحول إلى هياكل رمزية.
– صعود نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، وبتغطية اقتصادية صينية، آسيوية – أفريقية.
*مناطق التجاذب الجيوسياسي القادمة وفق العقيدة الترامبية:*
– *الشرق الأوسط:* ساحة تصفية للنفوذ الإيراني عبر “إسرائيل”.
– *أفريقيا (البحر الأحمر):* تنافس “إسرائيلي”-إماراتي مقابل صيني-روسي، وقد يكون لمصر والسعودية دوراً فيه .
– *أميركا اللاتينية:* ستبقى ساحة احتواء للنفوذ صيني – روسي.
– *آسيا (تايوان – بحر الصين الجنوبي):* ستكون عقدة الصراع المقبل الأكثر أهمية.
– *أوروبا الشرقية:* ستظل الجبهة المفتوحة ضد روسيا عبر أوكرانيا وبولندا.
*سادساً: ربط إستراتيجي للمشهد العالم*
*1. في رؤية ترامب الجيوسياسية: يصبح العالم ساحة نفوذ لا قانون*
بمعنى أن الرؤية الترامبية لا تتعامل مع الجغرافيا باعتبارها مجالاً للحوار أو التوازن، بل كمساحات يجب إخضاعها لسلطة “أميركا أولاً”، عبر:
– تصفية القوى الإقليمية الصاعدة مثل (إيران، تركيا).
– منع تشكيل أحلاف منافسة مثل (روسيا–الصين).
– إختراق وتفكيك أي تحالف إقتصادي مؤثر على الهيمنة الأمريكية مثل مجموعة البريكس.
– ضمان تدفق الموارد والطاقة والتمويل إلى الاقتصاد الأميركي.
– إضعاف المنظمات الدولية والقانون الدولي والهيمنة عليها.
*دور غرب آسيا(الشرق الأوسط) في رؤية ترامب الجديدة*
أ. الشرق الأوسط كساحة مركزية لتصفية إيران سياسياً وعسكرياً و”إسرائيل” رأس الحربة في تنفيذ المخطط:
– إستمرار أو تصعيد حرب استنزاف ضد حزب الله، هيمنة كاملة على القرار والجغرافيا السورية، استهداف الداخل الإيراني إلكترونياً وأمنياً وربما عسكرياً.
– السعودية ودول الخليج تتحوّل إلى ممولين وغطاء دبلوماسي للتحرك الأميركي الإسرائيلي، مع توقع تعزيز عمليات التطبيع مقابل الحمايات الأمنية.
– العراق، اليمن ولبنان تُستخدم كمساحات إنهاء أو إضعاف نفوذ إيراني، ومحاولة تشتيت تشكل محور مؤثر.
*خنق إيران اقتصادياً واستراتيجياً:*
– استمرار سياسة “الضغوط القصوى”.
– دعم التحركات الانفصالية (الأكراد، بلوشستان، الأحواز).
– استثمار احتجاجات الداخل لإشعال أزمات متعددة الجبهات.
*2. الصين وروسيا في المشهد الشرق أوسطي*
– الصين تركّز على حماية طرق الطاقة عبر الخليج والبحر المتوسط ومصر في إطار الحزام والطريق.
– روسيا تسعى لحماية موطئ قدمها في سوريا والبحر المتوسط، وتدعم تنسيقاً أمنياً واقتصادياً مع إيران لمواجهة الضغوط.
لكن عقيدة ترامب لا تقبل التوازن، وتسعى لطرد كل نفوذ روسي وصيني من الإقليم، ولو بتفجير استقرار الدول الضعيفة في المنطقة والأقليم.
وبالتالي قد يكون هناك تصعيد إقليمي واسع النطاق مثل:
– استدراج إيران إلى مواجهة مباشرة أو عبر لبنان/العراق.
– ضربة كبيرة لمشروع الحزام والطريق الصيني في المنطقة.
– تصفية القضية الفلسطينية ضمن خطة “صفقة القوة”.
– تقويض وزعزعة وضرب الحوثيين من خلال الوجود الإسرائيلي والإماراتي في إقليم أرض الصومال وإرتيريا.
لكن من الممكن إحباط المشروع الأميركي عبر توازن ردعي من خلال :
– تعزيز التنسيق والروابط الروسية الإيرانية والصينية.
– توسعةعمليات المقاومة السياسية والثقافية في المنطقة لكبح الاندفاعة الأميركية.
– انكشاف المشروع الترامبي داخلياً أميركياً بسبب الانقسامات المجتمعيةوالسياسية.
*خلاصة واستنتاجات:*
الحقبة الترامبية المتوحشة الجديدة تُعيد تشكيل قواعد اللعبة الدولية على أساس “الهيمنة العدوانية”، لا “القيادة المقنّعة بالقيم”.
أما القوى الصاعدة (الصين وروسيا) تحاول الرد عبر التحالف، التعددية، والمرونة الاقتصادية، وليس بالمواجهة المباشرة.
وعليه يبدو أن العالم يتجه إلى عالم متعدد الأقطاب ولكن غير مستقر، حيث لا أحد يحكم، ولا أحد يرضخ.
أما غرب آسيا فهو على مفترق طرق
فرؤية ترامب للمنطقة تُختزل إلى:
– خزان طاقة.
– ساحة تصفية حسابات.
– دعم وتكريس تفوق “إسرائيل” الكامل.
وبالتالي إن لم تتدارك دول المنطقة الخطر المحدق بها وجودياً وعرقلة هذا المشروع الذي يسعى الى إذابتها ضمن عملية إحتواء تام وسلب القرار والسيادة، وتنجح في ربط الصراع المحلي بالسياق الجيوسياسي العالمي، حيث لم تعد واشنطن قادرة على فرض إرادتها وحدها. فلن يبقى من الجغرافيا ولا السياسة شيئ للحكم.
*كاتب ومحلل سياسي


















