لعبت العمالة العربية دوراً محورياً في بناء اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي منذ الطفرة النفطية في سبعينيات القرن الماضي، لكن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً ملحوظاً في أعداد العمال العرب في تلك الدول لصالح العمالة الآسيوية، خاصة الهندية منها، ووفقاً لتقديرات اتحاد الغرف التجارية المصرية، عاد حوالي 500 ألف عامل مصري من دول الخليج في عام 2018، منهم 250 ألفاً من السعودية وحدها.
وبدأ منحنى الانحدار الكبير للعمالة العربية في الخليج في الفترة من 2020 وحتى 2022، إذ تعرضت دول الخليج لضغوط مالية كبيرة بسبب أزمات جائحة كورونا وتهاوي أسعار النفط، مع استمرار سياسات توطين الوظائف بدول مجلس التعاون، ما قلل من فرص العمل للوافدين العرب، خاصّة في ظل ارتفاع تكلفة العمالة العربية، التي تعتبر مكلفةً أكثرَ مقارنة بالعمالة الهندية، التي تقبل أجوراً أقل، وتعمل في ظروف أكثرَ صعوبة، كما عاد عشرات الآلاف من العمال المصريين من قطر خلال فترة الحصار.
ومن المتوقع أن تزيد الضغوط على العمالة العربية في منطقة الخليج خلال عام 2025 لصالح عمالة أخرى منها الهندية، خاصة مع توقعات تراجع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية، وتزايد مقادير العجز في معظم موازنات دول مجلس التعاون، والتي لجأ بعضها إلى الاقتراض الخارجي لتغطية هذا العجز، لا سيّما السعودية التي ستقترض نحو 37 مليار دولار، لتغطية العجز المتوقع في موازنة العام الجاري، وفقاً لموازنتها المعتمدة، وهي أكبر سوق للعمالة العربية في الخليج.
ومن شأن الاعتماد على العمالة الهندية أن يقلل تكاليف العمالة، خاصة في القطاعات ذات الأجور المنخفضة مثل البناء والخدمات، لكن ذلك يفرض تحديات اقتصادية موازية في دول الخليج، تتعلق بتحقيق التوازن بين توطين الوظائف والاعتماد على العمالة الوافدة، خاصّة مع ارتفاع معدلات البطالة بين المواطنين، فقد بلغ معدل البطالة، وفقاً للأرقام الرسمية المسجلة في العام الماضي: 3.7% في السعودية، و2.9 في الإمارات، و0.1% في قطر، و2.1% في الكويت و1.5% في سلطنة عُمان، و5.5% في البحرين.
العمالة المحلية والآسيوية
في هذا الإطار، يشير الخبير المالي بإحدى شركات الاستشارات العاملة في لندن علي متولي، لـ”العربي الجديد”، إلى أن معدلات توظيف العمالة العربية تتراجع في دول الخليج نتيجة السياسات الاقتصادية وتنظيمات سوق العمل، التي تركز على توطين الوظائف وخفض التكاليف التشغيلية، وتبرز السعودية في هذا الإطار أحدَ أهم المبادرات التي تسعى إلى إحلال المواطنين في سوق العمل، إذ تُلزم الشركات بتحقيق نسب محددة من توظيف السعوديين في قطاعات متعددة، كما تطبق دول قطر والإمارات وسلطنة عمان والكويت والبحرين برامج التوطين الذي يعزز توظيف المواطنين في القطاعين العام والخاص، وخاصة في الوظائف الإدارية والمناصب العليا.
ويؤدي تطبيق هذه السياسات إلى استبعاد العمالة العربية التي تتنافس في نفس الفئات المهنية لصالح المواطنين أو العمالة الآسيوية، حسب متولي، مشيراً إلى أن العمالة الهندية تهيمن على سوق العمل الخليجي لعوامل عدة، منها التكلفة الأقل مقارنة بالعمالة العربية، إضافة إلى امتلاكهم مهارات تقنية ومهنية في مجالات الهندسة وتكنولوجيا المعلومات والبنية التحتية، إذ يمثل الهنود ما بين 35-52% من إجمالي العمالة في بعض دول الخليج مثل الإمارات وقطر.
ويرى متولي أن الاعتماد على أكثر من تسعة ملايين عامل هندي في دول الخليج وهو ما يمثل نحو ثلث العمالة الأجنبية الوافدة، خاصّة في مشاريع البنية التحتية الضخمة، يوفّر للشركات ميزة تنافسية من حيث الكفاءة التشغيلية، غير أن الاعتماد الكبير على العمالة الآسيوية يثير تساؤلات حول استدامة هذا النموذج على المدى الطويل، خاصة مع توجه دول الخليج نحو اقتصاد المعرفة.
وينوه الخبير الاقتصادي، في هذا السياق، إلى أن العمالة العربية تواجه تحديات كبيرة، خاصة في ظل انخفاض معدلات توظيفها في دول مثل الكويت والسعودية، ففي الكويت، تشهد العمالة العربية انخفاضاً حاداً بسبب الإجراءات المشددة المتعلقة بإصدار وتجديد تصاريح العمل، بالإضافة إلى سياسات التوطين، كما أعلن البلد الخليجي عن خطة لتقليل العمالة الوافدة بنسبة 40% خلال الخمس سنوات القادمة. أما في قطر، فقد أدت مشاريع البنية التحتية المرتبطة بكأس العالم إلى زيادة الاعتماد على العمالة الآسيوية على حساب العربية.
ورغم أن هذه السياسات تبدو مفيدة من حيث التكلفة والكفاءة، إلا أنها تطرح تساؤلات حول مدى استدامتها على المدى الطويل، إذ يرى متولي أن العمالة العربية تتمتع بميزة قربها الثقافي من المواطنين الخليجيين، ما يسهل التفاعل والتواصل في بيئة العمل، وأن الاعتماد الكبير على العمالة الآسيوية قد يؤدي إلى فجوات في المهارات الإدارية والفنية، خاصة في ظل حاجة دول الخليج إلى عمالة متخصصة في مجالات متقدمة، ويخلُص متولي إلى أن تحقيق التوازن بين سياسات التوطين والاعتماد على العمالة المتخصصة، سواء العربية أو الأجنبية، يظل تحدياً رئيسياً لدول الخليج في مسيرتها نحو التحول الاقتصادي المستدام.
خصوصية المجتمعات في الخليج وتقليل التكلفة
وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي حسام عايش، لـ”العربي الجديد”، إلى أن العمالة العربية في الدول الخليجية تشهد تراجعاً ملحوظاً لأسباب متعددة، يأتي في مقدمتها تفضيل العمالة المحلية التي بدأت تحل محل العمالة العربية، ما يعزز خصوصية المجتمعات الخليجية فيما يتعلق بقوة العمل لديها، لافتاً إلى أن نوعية المهن والوظائف التي تشغلها العمالة العربية هي ذاتها التي تُستقطب إليها العمالة الوطنية في الخليج، خاصةً أنها تتطلب مهارات أعلى وتخصصات أكثر تقدماً مقارنة بالعمالة الوافدة من الهند أو بنغلاديش أو باكستان.
ومن شأن هكذا تحوّل أن يجعل استبدال العمالة العربية بالعمالة المحلية أو الخليجية أمراً طبيعياً في ظل هذه الظروف، حسب عايش، مشيراً إلى أن العمالة العربية في الخليج تعتبر عمالة “تقنية ومهارية”، إذ تشغل وظائف تتطلب مستويات أعلى من المعرفة مقارنة بالعمالة الآسيوية الأخرى، خاصة الهندية والباكستانية، ومع ذلك فإن العمالة الهندية تظل مورداً أكثر استقراراً للدول الخليجية، نظراً للعلاقات الواسعة بين الهند والخليج على مستويات التبادل التجاري والاستثمارات، التي جعلت حجم التبادل التجاري الخليجي الهندي يفوق بكثير حجم التبادل التجاري الخليجي العربي.
وترجح التوقعات الاقتصادية أن تصبح الهند من أكبر الاقتصادات العالمية في السنوات القادمة، مما يعزز طبيعة العلاقة الاقتصادية الخليجية الهندية، التي تُعتبر أكثر استراتيجية مقارنة بالعلاقات الاقتصادية الخليجية العربية، حسب تقدير عايش.
ومع ذلك، يحذّر عايش من المخاطر السياسية والاجتماعية المترتبة على وجود كتلة ضخمة من العمالة الهندية في الخليج، التي تفوق أعدادها في بعض الأحيان أعداد المواطنين أنفسهم، ومن بين هذه المخاطر تلك المتعلقة بالحقوق المكتسبة وطريقة تفكير المجتمع، بالإضافة إلى صعوبة الاستغناء عن هذه العمالة في المستقبل، نظراً للدور المتزايد للهند على الساحة العالمية، سواء اقتصادياً أو سياسياً.
كما أن بعض العلاقات الاستثمارية والتجارية بين الخليج والهند تتأثر بفضائح فساد تورطت فيها مجموعات هندية كبرى، مثل مجموعة “أداني”، ما ينعكس سلباً على الصورة الإجمالية للأداء الاستثماري والتجاري الخليجي، حسب عايش، الذي يؤكد وجود تحديات كبيرة تتعلق بتزايد أعداد العمالة الهندية في الخليج رغم الفوائد الاقتصادية التي تجنيها دول مجلس التعاون منها.
العربي الجديد