مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

نضال الأشقر بيوم المسرح العالميّ : أحلم أن نلتقي جميعاً.. أتوق للجماعة وأجوع للحوار*

 

دارين حوماني

“في اليوم العالمي للمسرح، أتوق إلى الجماعة، نعم، وأجوع إلى الحوار، إلى جمهرة الجمهور، والتجمّع، أحلم أن نلتقي جميعًا، ونتحاور، ويقف الفنانون على الخشبة ويطرحون الأسئلة، وبعض الأحيان الأجوبة، ويصفّق الجمهور. أتوق إلى الجماعة، لكن قد انتهى فعل الجمع، وليس هناك إلا السماء الملبّدة بالغيوم الرمادية”.
إنها رسالة سيدة المسرح الأولى، نضال الأشقر، في هذا اليوم الذي يليق بها، هو يومها، وهو عيد ميلاد وقوفها “ستين عامًا” على المسرح. هي التي قدّمت مسرحًا كاملًا، كتبت ومثّلت وأخرجت وغنّت ورقصت وألقت الشعر والحياة، مثل مصابيح متأرجحة على الطرقات في ظلام ليالٍ شتوية أصابت بلادنا. محت الخطوط الحمر أينما حلّت، قلّبت الحقيقة بكل وجوهها علّنا ننتبه ونصحو منذ “المفتش العام” (1961)، و”السرير الرباعي الأعمدة” (1963)، وغيرهما كثير، تمثيلًا وإخراجًا وكتابةً. نضال الأشقر الباحثة عن المعنى، ولغة الوعي، في كل عمل من أعمالها المسرحية السياسية والاجتماعية، ولدت، كما تؤكد، في 4 تشرين الأول/ أكتوبر 1943. وفي عام 1960، درست المسرح في “الأكاديمية الملكية للفنون الدرامية” في لندن. ترك والدها أسد الأشقر، الرئيس السابق للحزب السوري القومي الاجتماعي، والملاحق دومًا من السلطات اللبنانية، أثرًا كبيرًا في مسيرتها، منذ كانت طفلة في مدرسة البنات الأهلية؛ يوم كانت تكتب مع صديقاتها مسرحًا بحجم الحرية التي كنّ يحلمن بها.
“ست نضال” أسّست “محترف بيروت للمسرح”، مع روجيه عساف، في عام 1968، فقدّما أعمالًا مكتظّة بخضرتها، أعمالًا لا تموت، منها “مجدلون” (1969)، و”كارت بلانش” (1970)، و”المتمرّدة” (1975)، الذي كان من إخراج زوجها، فؤاد نعيم. رحلت مع زوجها خلال الحرب الأهلية إلى عمان، واستقرّا هناك أحد عشر عامًا. في عمان، وفي عام 1984، أسّست مع الطيب الصديقي “فرقة الممثلون العرب”، ومن أعمالها معه “ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ” (1985). إثر عودتها إلى لبنان، أسّست مسرح المدينة في عام 1994، ودخلت معترك الإخراج مع “طقوس الإشارات والتحوّلات” (1996)، و”منمنمات تاريخية (1997) لسعد الله ونوس. ولم تكتفِ نضال الأشقر بالمسرح، وجهها في التلفزيون، وفي السينما، كان وطنًا آخر، غالبًا لا يصمت عن الحقيقة، له صوت أيقوني لا نهائي، ومن أعمالها التلفزيونية والسينمائية في لبنان والأردن “الأجنحة المتكسّرة” (1964)، و”تمارا” (1974)، و”نساء عاشقات” (1974)، و”زنوبيا ملكة تدمر” (1977)، و”شجرة الدّر” (1979).
من مشروع إلى آخر، لا تيأس نضال الأشقر من أن تحفظ هوية بيروت من الموت، بعد أن علق الزمن مرارًا بجولة حرب من هنا، ورصاص جاهز للحرب من هناك، وقلّة الدعم المادي، ثم جائحة كورونا، وأخيرًا الانهيار الاقتصادي والنفسي في لبنان. وحين بدأ شعراء وكتّاب وفنّانو شارع الحمرا يرحلون الواحد تلو الآخر، ويتفرّقون، كانت الأشقر لا تزال تبعث روحًا في هذا الشارع. حملت مسرحها من مكان لآخر، حتى استقرّ أخيرًا وسط هذا الشارع. في مسرحها، سنشاهد جميعًا ذواتنا والعالم كلما دعتنا إلى الزمن الضروري للحياة، وهناك سنرى الحياة عن كثب وسط كل ذلك الدمار. وإذا كان برتولت بريخت قد لخّص مأساة جيله بكلماته: “أيّ زمن هذا الذي يكاد يُعدّ فيه/ الحديث عن الأشجار جريمة/ لأنه يتضمّن الصمت على العديد من الفظائع”، فإن نضال الأشقر قد لخّصت مأساة لبنان والبلاد العربية برجالات الدولة والدين والمال، بعد أن تنبّأت بخراب هذه البلاد، وبعدد رصاصاتها. ولا تدري الأشقر أن صدى صوتها سيجوب مدينة بيروت والمدائن العربية دائمًا رغم “السماء الملبّدة بالغيوم الرمادية”، وهي التي جابت العالم حاملة رسالتها من أجل الوعي، ومن أجل عالم أفضل، فحازت عشرات الجوائز العربية والعالمية، والتكريمات والمناصب الثقافية، في لبنان والعالم العربي.

في يوم المسرح العالمي، وفي عيد ميلاد وقوفها “ستين عامًا” على المسرح، أجرينا هذا الحوار مع نضال الأشقر:

 

نضال الأشقر وخالد العبدالله في مسرح المدينة (2016/ الجمهورية)

 

نشوء العلاقة مع المسرح

(*) إذا عدنا إلى البدايات، نضال الأشقر الطفلة، كيف نشأت علاقة نضال الأشقر بالمسرح؟ من أين جاء هذا الزخم الهائل الذي لم يخفّ حتى بعد مرور ستين عامًا على بداياتك المسرحية؟

تربّيت على يد مغامرَين ثائرَين عاشقَين، أمي وأبي، كانا نموذجًا لم أرَ مثلهما، ثورة وإيمان. هو في السجون، وهي من مكان لآخر تراه في السجون، وبين القرى. كان أبي دائمًا إمّا هاربًا، أو في السجن، والحقيقة أني لم أره كثيرًا. كانت أمي امرأة غير عادية؛ جمال داخلي وخارجي وشجاعة. هذه المرأة، وهذا الرجل، ربّياني في وقت نوعي، ولم نكن مثل كل العائلات نجتمع على الغداء والعشاء. بيتنا كان بيت ثورة ونضال، بيت أشخاص مؤمنين أن بإمكانهم أن يغيّروا هذا المكان الذي نرى الآن ما يحلّ فيه. ضحّوا بحياتهم من أجل تغيير لبنان إلى مكان أفضل. كنا ثلاثة أولاد، أنا أصغرهم. ولم يكن لدى عائلتي الوقت للاهتمام بي، (تضحك وتقول: منيح ما كانوا فاضيين لي، ربيت على راسي). في ما بعد، تبيّن لي أن هذا المكان الذي أعيش فيه لا يشبه أي بيت، لأنه مليء بالعالم العربي، أشخاص من العراق، من فلسطين، من سورية، سنّة، شيعة، مسيحيون، دروز، ولم يكن من طائفية بيننا، ولا مللية، ولا نخبوية. ولديهم شفافية دائمة. كنا بيت ديمقراطي بامتياز، هذا المكان كان أكبر من الطبيعة. وكان في بيتنا دائمًا أشخاص إمّا هاربون من السجن، وإمّا هاربون من الإنكليز، وإمّا من الفرنسيين. كان كل واحد من هؤلاء الشخصيات عملاقًا بالنسبة لي، وأنا كنت صغيرة، ولم أكن أعرفهم إلا عندما كنت أرى صورهم في الجرائد، منهم جورج عبد المسيح، وغسان جديد، الذي قتلوه في ما بعد؛ كانوا حولي أدباء وشعراء وكتّاب. كان كل ما يفعله أبي، يفعله بزخم فظيع.

 

“بيتنا كان بيت ثورة ونضال، بيت أشخاص مؤمنين أن بإمكانهم أن يغيّروا هذا المكان الذي نرى الآن ما يحلّ فيه”.

 

أعتقد أن محبتي للمسرح، ولتربية الروح، جاءت من هذا الجو، من أبي وأمي، من هذه الشخصيات التي كانت في بيتنا، لأن المسرح يشبه شخصًا يربّي روحًا، كأنه يسقي الروح ماءً، أو ندى. أعتقد أن محبتي للمسرح هي من محبتي للهروب إلى عالم آخر أتمكّن من خلاله أن أجسّد عالم هؤلاء الذي كانوا يسعون إليه. من هنا انطلقت محبتي أن أذهب أبعد من الحياة، أبعد من الواقع، إلى مكان فيه تاريخ وفيه خيال وفيه حاضر ومستقبل، فيه كل شيء انطلاقًا من هذه الروح التي شرّبوني إياها.

 

(*) أود أن أسألك إذا كان ثمة محطة أساسية، أو تحوّل رئيسي، في حياة نضال الأشقر. يبدو أن هذه التربية شكّلت المحطة الأساسية؟

أعتقد أنه من هذه التربية، ثم من مدرستي، حصلت على التشجيع لأكتب. أولى مسرحياتي كتبتها في مدرسة “البنات الأهلية” أنا وصديقاتي. نكتب ونمثّل ونحب الرقص والغناء والشعر. أذكر أنني عندما كنت في سن 14 عامًا ألقيتُ لأول مرة شعرًا في المدرسة. أطلقتُ هذه الطريقة الجديدة لقراءة الشعر، وألقيتُ قصيدة لنزار قباني، وكان موجودًا. وعندما كبرت، وكنت أشتغل على مسرحية “مجدلون”، زرت نزار قباني، وأخبرته أننا نشتغل على مسرحية عن العمل المقاوم في جنوب لبنان، وأريد قصيدة منك، وبالفعل كتب لنا القصيدة التي تبدأ المسرحية بها “لا تسألوني أين مجدلون”. لم يكن من جوّ طائفي في المدرسة؛ كان الجوّ علمانيًا. وأنا أقول، الآن، لا يمكن للبنان الذي بدأ منذ مئة سنة، لبنان الكبير، أن يستمرّ مثلما بدأ، ومثلما صار شبه ديمقراطية، ومثلما تقسّم لبنان منذ البداية، مسيحي سني شيعي.. منذ البداية، ركّزوا الطائفية ورسّخوها، وعندما حدثت الحروب أصبحت ترسخ أكثر. منذ أن بدأ لبنان بدأ بشكل خاطئ، ليس فيه ديمقراطية، لأن الديمقراطية ليس فيها طائفية، لذلك أقول انطلقنا غلط. وأول شيء فعلته الدولة اللبنانية سنة 1949 هو إعدام أنطون سعادة.

 

“في سن 14 عامًا ألقيتُ لأول مرة شعرًا في المدرسة. أطلقتُ هذه الطريقة الجديدة لقراءة الشعر، وألقيتُ قصيدة لنزار قباني، وكان موجودًا”

 

هذا الإعدام وصمة عار على وجه الدولة اللبنانية. لماذا أعدموه؟ لأنهم خافوا منه عندما جاء من المهجر، خافوا من فكره التقدميّ الحقيقي الثائر الديمقراطي اللاطائفي، وهذا الإعدام كان لطخة عار، لذلك لا يمكن إلا أن تكون هذه بمثابة نهاية لبنان.

 

(*) في الاحتفالية العشرين لتأسيس مسرح المدينة في عام 2016، استعدتِ حادثة مرّت معك، تأثرتِ لرؤية غجرية ترقص، قلت، “غرتُ من حرّيّتها”. هل حققتِ حريّتك كاملةً على المسرح وفي الحياة؟

بالتأكيد، فعلتُ كل ما كنت أريده. قرأتُ الشعر، وأسّستُ أول فرقة مسرحية، ثم ثاني فرقة مسرحية. الذي أوقف أحلامي هو الموضوع المادي فقط. خسرنا مسرح المدينة في كليمنصو، ثم نقلت إلى شارع الحمرا. أنت تعرفين، في كل دول العالم، من النادر أن يكون هناك مسرح خاص، الدولة هي التي تدعم المسارح، لأن المسرح فن باهظ الثمن. ولم نحصل على الدعم من الدولة.

 

المسرح والرقابة

 

(*) جميعنا لا ينسى ما حدث خلال عرض مسرحية “مجدلون” التي أوقفتها الرقابة خلال العرض، وأخرجتكم من المسرح، لكنكم أكملتم التمثيل في الشارع. يود هذا الجيل الآن أن يتعرّف على مسرحية “مجدلون”، وماذا حصل يومها، ولماذا؟

أنت تعرفين أنه توجد رقابة في لبنان، أعطيناهم نص المسرحية، وتمّت الموافقة عليه. في محترف بيروت للمسرح كان أحدنا يكتب المسرحية، لكننا كنا جميعًا، كل الفنانين المشاركين في المسرحية، نشارك في الكتابة. مثلًا، مسرحية “كارت بلانش”، صحيح أن عصام محفوظ هو الذي كتبها، إلا أننا اشتغلنا معه جميعًا في الكتابة، وكذلك اشتغل أسامة العارف على مسرحية “تراب الحرامية”، ولكن مع الممثلين كنا نعمل ارتجالات، فيصير النص ملكنا جميعًا.

 

“إعدام أنطون سعادة وصمة عار على وجه الدولة اللبنانية. لماذا أعدموه؟ لأنهم خافوا منه عندما جاء من المهجر، خافوا من فكره التقدميّ الحقيقي الثائر الديمقراطي اللاطائفي”

 

يوم كتبنا “مجدلون”، كان الفدائيون قد بدأوا يأتون إلى لبنان، إلى الجنوب، خطر ببالي أن هذا الموضوع هو تابو، ولا يريد أحد أن يحكي عنه. وقتها قلنا يجب أن نشتغل على مسرحية عن الفدائيين، وعن علاقتهم مع الجنوبيين، كيف كانوا يعيشون، وكيف تآزروا مع أهالي القرى، ومع الطلاب، كي يقاتلوا إسرائيل. “مجدلونة” اسم ضيعة في الجنوب، لكننا سمّيناها في المسرحية “مجدلون”. كتبنا كيف درّب الفدائيون الشباب الجامعي، فأصبحوا جاهزين لقتال العدو الإسرائيلي. كتبناها وجهّزنا أغانيها، وبحكم صداقاتي، توجّهتُ إلى هنري حاماتي، وطلبتُ منه مراجعتها وإعادة تركيبها، وقد طبعها باسمه. لكن الحقيقة هي كتابة “محترف بيروت للمسرح”؛ إنها فكرتنا، ونحن كتبنا مشاهدها. بعد ذلك قدّمناها للرقابة، ولكن من المعروف أن السطر المكتوب يكون أحيانًا مشهدًا كاملًا على المسرح. يومها أرسلت الرقابة لمدة ثلاثة أيام من يشاهدها. وفي اليوم الرابع، قدِمت الفرقة 16 من مخابرات الجيش، وأحاطت المسرح، وأخرجتنا منه، ونحن نغني أغاني ثورية “ما همّ أن تموت في صرخة الحرب/ ما همّ ما همّ/ إذا وجدت بعدها من يحمل السلاح/ يواصل الكفاح/ ويحمل الثورة للنصر”. كانت الأغنية من تلحين وليد غلمية. أخرجونا من المسرح، فاتصلتُ بأصدقائي الصحافيين؛ أتوا وصوّروا من دون أن يراهم الجيش. في اليوم التالي، كانت قضية الرقابة، و”مجدلون”، على الصفحات الأولى لكل الجرائد، ومن بين من كتب، غسان تويني، في النهار، وجورج نقّاش، في لوريان لو جور. كنا في مسرح بيروت في عين المريسة عندما أخرجونا، فتوجّهنا إلى قهوة “الهورس شو” وسط شارع الحمرا، وكان صاحبها منح دبغي يحبنا، وكانت هذه القهوة ملتقى لكل الرسامين والنحاتين والأدباء من كل الدول. استقبلونا، وكان من بينهم، رفيق شرف، وأمين الباشا، وأنسي الحاج، وآخرون معهم، وبدأنا بعرض المسرحية على الطاولات، فجاء الضابط ومنعنا من عرضها، فخرجنا إلى شارع الحمرا، وكان ممتلئًا بالشباب والطلاب الذين أتوا لدعمنا. بدأتُ بشتم رئيس الجمهورية، شارل الحلو، وواجهتُ الضابط، قلت له إفعل ما تريد، فأخذونا في الكميونات إلى المخفر. يومها، جاء أبي إلى المخفر، وكان خارجًا لتوّه من السجن، وصرخ بوجه الضابط ليُخرجنا، وبالفعل أخرجونا. وذهبتُ إلى كمال جنبلاط في اليوم التالي، وكان وزير داخلية، وأخبرته أننا أخذنا موافقة الرقابة، ودعمنا يومها كمال جنبلاط، ووعدنا أننا سنعرضها لاحقًا. رفعنا دعوى على الدولة، وأعدنا عرض المسرحية في العام التالي على مسرح غير مدشّن قرب أوتيل فينيسيا.

 

(*) تعرّضت مسرحية “كارت بلانش” أيضًا للتضييق. هل من حدود تضعينها بنفسك على النص المسرحي كنوع من الرقابة الذاتية؟

 

أبدًا، لا أضع حدودًا لشيء. يريدون أن يوقفوا مسرحنا، فليأتوا ويوقفوه. كانوا يريدون أن يمنعوا عرض مسرحية “كارت بلانش”. عملتُ حيلة وذهبت إلى الوزير، وتجادلنا حتى عرف الجميع بأنه يريد منع عرض المسرحية، فتمّ عرضها. كانت “كارت بلانش” عبارة عن بيت دعارة؛ فيه وزراء ومسؤولون، والبنات اللاتي يشتغلن في الداخل هنّ مثلهم، وكارت بلانش هو الأميركي الذي يأتي ويشتري سوق الدعارة هذا، وهذا ما يحصل الآن. كنا نشتغل مسرح من الناس وإلى الناس، كان مسرحنا معاصرًا وجميلًا.

 

(*) لماذا لا يتم استعادة هذه المسرحيات من جديد، ليتعرّف إليها هذا الجيل، وهي مسرحيات تحمل القضايا نفسها التي لم تتغيّر منذ ستين عامًا؟

فعلًا.. لكننا نحتاح إلى المال، ونحتاج إلى الدعم لكي نجمع الممثلين. كان من أهدافي أن أؤسّس “فرقة نضال الأشقر التابعة لمسرح المدينة”، كما يفعلون في كل مسارح العالم، مثل “برلينا إنسامبل”، لم أقدر على تحقيق هذا الأمر. لكي نعيد عرض هذه المسرحيات تلزمنا ميزانية سنوية.

(*) حلم “فرقة نضال الأشقر للفنون المسرحية”. لماذا لم يكتمل؟

منذ البداية، كان لديّ هذا الحلم. لكن بسبب الموضوع المالي لم أتمكن من تحقيقه. عملنا “محترف بيروت للمسرح”، لكن الحرب الأهلية أوقفت هذا المشروع.

 

(*) أسّست “فرقة الممثلون العرب” مع الطيب الصديقي، ولكنها لم تستمرّ طويلًا. ما الذي أوقف هذا المشروع؟

 

نضال الأشقر في مسرح المدينة

 

ذهبت إلى الأردن خلال الحرب الأهلية مع زوجي فؤاد نعيم، وكان يشتغل في وكالة الصحافة الفرنسية. هناك أسّست “فرقة الممثلون العرب”، وعملنا “ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ”، كانت هذه ثاني فرقة أؤسّسها. عملنا حالة عربية لم يقدر أحد أن يقوم بها. كان في الفرقة فنانون من 13 دولة عربية. كنا نفتتح المسرحية في جرش، ومن جرش إلى تونس، ومن تونس إلى الموصل وبغداد. كان شيئًا يشبه الحلم. عندما عدتُ إلى لبنان، افتتحتُ مسرح المدينة. كان من أهدافي أن أؤسّس فرقة عندما عدت، وكان من الممكن أن ندرّب هذه الفرقة تدريبًا عظيمًا، وتكون عربية، وذاكرة للعالم العربي كله، ولكننا كنا نريد دعمًا ماليًا.

 

“في الأردن، شكلنا حالة عربية لم يقدر أحد أن يقوم بها. كان في الفرقة فنانون من 13 دولة عربية.

كنا نفتتح المسرحية في جرش، ومن جرش إلى تونس، ومن تونس إلى الموصل وبغداد”

 

نحتاج إلى مئات الآلاف من الدولارات لنؤسّس مسرحًا بهذا الحجم، ونحتاج لمثلها لنؤسّس فرقة، ونأتي بكتّاب وفنانين من لبنان والعالم العربي، والأمور الأخرى التي يحتاجها المسرح. كل هذا يحتاج إلى ميزانية. في فرنسا وألمانيا وإنكلترا تؤمّن الدولة ملايين الدولارات من أجل المسرح.

 

(*) أين نحن الآن من التعاون اللبناني ـ العربي الضروري لمسرحنا؟

لا يوجد الآن، ولم يكن من تعاون، في السابق. العالم العربي مقطّع الأوصال. كي نأخذ الفرقة من بلد لآخر كنا نعاني، “الأردن ما بتحكي مع سورية، سورية ما بتحكي مع العراق، الجزائر ما بتحكي مع المغرب، كل الدول ما بتحكي مع بعضها”. عندما ذهبنا من بلد لآخر اكتشفتُ أنه إذا لم تتوحّد هذه البلاد لن ننجح، ولا يمكن للهلال الخصيب إلا أن يفتح الحدود بين الدول. أن يكون لكل دولة كيانها، لكن أن يفتحوا الحدود الثقافية والتجارية كي يستفيد المجتمع كله. وإلا ستُخلق المسرحية في لبنان، وستموت في لبنان. ليس من السهل أن نذهب من بلد إلى آخر، وكذلك الموضوع صعب ماديًا. وزارة الثقافة يجب أن تتحمّل كل ذلك، ولكن للأسف إنهم يعتبرون المسرح مثل الوردة على الجاكيت، للزينة فقط. في النادر أن يرسلوا مسرحيين إلى الدول العربية؛ يرسلونهم فقط كي يقولوا إن لدينا مثقفين.

 

(*) لماذا تغيب وزارة الثقافة اللبنانية عن النشاطات الثقافية الضرورية لمجتمعاتنا؟

منذ أن بدأت وزارة الثقافة في لبنان، بدأت كمؤسسة إدارية، ولم يعتبروا الثقافة شيئًا مهمًّا، أو أن المسرح حاجة ماسة لتعليم الناس. لم يدعمونا ماديًا، ويمكن أن نقول إنهم لم يدعمونا أبدًا. لم يُدعم المسرح كما يجب. حاول أول وزير ثقافة، وهو ميشال إده، أن يفعل شيئًا، لكن بقية الوزراء اهتمّوا بالسياسة أكثر من اهتمامهم بالثقافة، وكان يريدون أن يصلوا إلى أمكنة أخرى. لم يهتمّوا بالثقافة عامة، وبالمسرح خاصة. وإلى الآن لا يفهم رجال الدولة أهمية هذه المدرسة الشعبية التي هي المسرح، والذي يدخل على قلوب الناس وعلى بيوتهم، هذه المدرسة التي تُعلّمهم وتُثقّفهم وتُفرحهم وتُضحكهم. لم يفهموا ذلك.

 

العلاقة مع الجمهور

 

(*) كيف كانت علاقتكم مع الجمهور، وهل تغيرت؟

جمهورنا كان متقاطعًا، فإذا صارت حرب نخسر جزءًا من الجمهور. ثم نبدأ من جديد، ثم تتجدّد الحرب، فنخسر جزءًا آخر من الجمهور مرّة أخرى. أولئك الآباء والأجداد المثقفون ظلّوا يتابعوننا بعد انتهاء الحرب، وجاؤوا بأولادهم إلى المسرح، وبقي رابط روحي معهم. وقد كرّستُ مسرح المدينة للشباب ليأتوا ويعبّروا عن أنفسهم، إذا كانوا قادرين على الدفع يدفعون، وإذا كانوا لا يقدرون لا يدفعون. لبنان لن يرجع كما كان، ولكني أتمنى أن يعود أفضل من الذي نحن فيه الآن.

 

(*) أسّستِ مهرجان لبنان للمسرح الأوروبي، بدعم من الاتحاد الأوروبي، نودّ أن نتعرّف على هذا المشروع؟ وعلى أهمية هذا التبادل الثقافي عبر المسرح؟

كان هذا المشروع مهمًا جدًا. بدأت الفكرة منذ ثلاث أو أربع سنوات، وذهبت إلى سفيرة الاتحاد الأوروبي، وعرضتُ عليها المشروع، وقلتُ لها أننا في مسرح المدينة لم نعد نستطيع أن نأتي بمسرح أوروبي، كما كنا نفعل في السابق. نحن أول من أتى بالمسرح الياباني، والمسرح الأسترالي، ومن إنكلترا، من عدد من الدول.

 

“جمهورنا كان متقاطعًا، فإذا صارت حرب نخسر جزءًا من الجمهور.

ثم نبدأ من جديد، ثم تتجدّد الحرب، فنخسر جزءًا آخر من الجمهور مرّة أخرى”

 

كنا نعمل على تبادل مسرحي بيننا وبين دول العالم. أخبرتها أن الوضع المادي لم يعد يسمح فلا توجد مساعدات ولا دعم. أردنا للشباب اللبناني أن يرى المسرح الأوروبي. وبالفعل، فرحت السفيرة بالفكرة ودعمتها، وجئنا بالمسرح الأوروبي إلى مسرح المدينة مرتين خلال سنتين. في السنة الثالثة، انهار الوضع في لبنان، ثم جائحة كورونا. وفي ظل هذه الحرب الاقتصادية والسياسية والنفسية، لم يعد في مقدورنا أن نكمل.

 

(*) يقول المسرحي أنتونين أرتو: “نحن في حاجة إلى مسرح قوي، متمرّد، يكون بمثابة نداء يعيد النفس بتقديم المثل إلى منبع نزاعاتها، يندّد بهذه النزاعات، ويخلق وسائله التشكيلية والجسمية قوى وإمكانات لتفريغ دماميلنا تفريغًا جماعيًا”، هل المطلوب من المسرحي أن يكون صاحب همّ فكري ومجتمعي؟

لا يستطيع إلا أن يكون همًا مجتمعيًا وسياسيًا. المسرح سياسي بامتياز، ولا يمكن إلا أن يكون هكذا. عمّن نحكي في مسرحنا؟ عن الإنسان في مجتمعه. توجد مشكلات عديدة في مجتمعاتنا، ويجب أن نحكي عنها. عمّن كتب شكسبير؟ عن البلاط البريطاني، وعن الفساد في ذلك البلاط، وعن قصص الحب والعشق وقصص تاريخ ملوك إنكلترا. كان شكسبير يؤرّخ، كما فعلوا في اليونان، وفي أوروبا. المسرح حركة وعي فلسفية ثقافية إنسانية؛ هذا هو المسرح.

 

(*) وهذا ما قلته ذات يوم: “يجب أن تكون الثقافة عنوان أي مجتمع، فهذا يستوجب الكثير من شحذ العقل واستعماله بكل طاقاته للوصول إلى المعنى. من واجبنا أن نواظب على تحرير الوعي من كل قيد يكبّله، الثقافة ليست لغة منمّقة، بل هي وعي شامل”. إلى أي مدى يمكن للمسرح أن يحرّر الوعي في مجتمعات محاصرة فكريًا ونفسيًا ربما من دون أن تدري عمق هذا الحصار الذي تعيش فيه؟

كلنا في العالم العربي محاصرون نفسيًا، وأوّلنا لبنان. البرهان هو ما نراه الآن. أنظري ماذا حصل فينا، كان لدينا ادّعاء بأن عندنا ديمقراطية، ولكن كما قلت كلها ديمقراطيات مزيّفة. تسلّط علينا الأوروبيون والأميركيون، وأدارونا كما يحلو لهم. أما العالم العربي، فقد تسلّطت عليه الانقلابات، انقلاب وراء انقلاب، ثم جاءت الديكتاتوريات.

 

“عندما اشتغلنا على مسرحية “طقوس الإشارات والتحوّلات”، أنا وسعد الله ونوس،

كانت الشخصية الرئيسية هي مفتي الجمهورية، وسمّيته “مفتي” كاسم علم، مثّلناها، ولم يوقفوها”

 

كان المسرحيون يشتغلون مسرحًا، ولكن المسرح المسموح هو مسرح غير مباشر، ولا يمكن للعاملين فيه أن يقولوا آراءهم. هنا الشيء نفسه، لكن أقلّ، فلم يكونوا في لبنان متشدّدين جدًا مقارنة بالدول العربية الأخرى. كانوا يسمحون بتمرير أشياء، ولكن المهمّ أن لا نحكي عن رجال الدين. عندما اشتغلنا على مسرحية “طقوس الإشارات والتحوّلات”، أنا وسعد الله ونوس، كانت الشخصية الرئيسية هي مفتي الجمهورية، وسمّيته “مفتي” كاسم علم، مثّلناها، ولم يوقفوها. إنها أهم مسرحية من مسرحيات العالم العربي، ليست مسرحية عربية، بل عالمية، وتُسجّل تاريخ بلادنا في لبنان وسورية، وفي كل بلد عربي. الشخصيات الرئيسية في المسرحية هي الدولة والدين والمال، وهؤلاء الثلاثة يدعمون بعضهم دائمًا، لأنه إذا وقع واحد منهم يقع الكلّ. إنهم يكرهون بعضهم، لكنهم يدعمون بعضهم، تمامًا كما يحدث هنا الآن. لذلك قد تنطبق “طقوس الإشارات والتحوّلات” على كل المجتمعات العربية.

 

(*) كيف تنظرين إلى واقع التجريب في مسرحنا؟

لا تسأليني هذا السؤال الآن في الحالة التي نعيش فيها. لا يوجد شيء، “خلص، خلصت الخبرية”. لا يوجد مسارح، ولا أفكار. لا أحد يكتب، جفّفوا رؤوسنا. عندما يتحسّن الوضع الاقتصادي والنفسي والسياسي نعود إلى المسرح والكتابة. نعود إلى المسرح والكتابة إذا كان الإنسان لا يموت من الجوع، إذا كان الإنسان غير مدعوس. إننا نموت كلنا موتًا بطيئًا. كيف نحكي عن هذه الأشياء.

 

كورونا أشبه بحرب عالمية ثالثة

 

(*) كيف تنظرين إلى جائحة كورونا وتداعياتها على المجتمع فنيًا وثقافيًا؟

المثقفون موجودون، لكن لا توجد دورة حياة ثقافية؛ هي حرب عالمية ثالثة، ولأول مرة تحدث هذه الحرب، في كل مكان في العالم، وفي الوقت نفسه، هذه أول حرب عالمية بهذا الشكل. في لبنان، أضافت جائحة كورونا كارثة على كوارثه. ما سبّبته كورونا في لبنان هو الشلل الاقتصادي، والموت السياسي، وغياب كامل للدولة، “زادت الطين بلّة”. أصبح عندنا انهيار كامل للاقتصاد، فكيف نفكّر في المسرح في هذه الأجواء.

 

(*) في عام 2020، حاولتِ إعادة الحياة إلى الحياة، نظّمتِ ورش عمل عبر تقنية البث المباشر من مسرح أودن الذي أسّسه المسرحي الإيطالي إيوجينيو باربا في الدانمارك. بالإضافة إلى سلسلة ورشات بعنوان “برلين ـ بيروت: محاضرات حية حول المسرح وفنون الأداء”، هل من توجّه قريب نحو مشاريع عبر الأونلاين إذا استمرّ الوضع مع كورونا على حاله؟

صحيح، وسنظلّ نجرّب العمل على مسرح أونلاين عندما تنتهي هذه الموجة. عملنا مسرحًا مع أكبر مخرجين من بريطانيا وألمانيا. مع “فرقة مسرح أودن”، قدمنا مسرح أونلاين وستريمنغ، وفي 27 من هذا الشهر، في يوم المسرح العالمي، سنعرض شهادات من فنانين عن أهمية إنعاش هذا المسرح.

 

(*) نحتاج إلى قراءة سيرة نضال الأشقر بخط يدها.. هل يمكن أن يتحقّق هذا المشروع؟

بدأت بكتابتها، وسأكمل طبعًا.

 

(المصدر: موقع ضفة ثالثة)

 

*أجريت المقابلة في 27 آذار الماضي ولم نتمكن من النشر بسبب الاحتجاب التقني حتى انتهاء الإصلاح.

**شاعرة لبنانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.