مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

المحلل السوري #أحمد_الحاج_علي لـ موقع ومجلة حرمون : #سورية بَنَت ذاتها وتعرف ماذا تقرّر وتعطي لكل مبادرة حجمها

بريطانيا هي دائماً من تنتج الحدث ثم تسارع مباشرة إلى استخراج أبعاد جديدة

الجامعة نمط إيقاع رسمي للحكام والأنظمة ولم تبلغ أن تصبح حالة شعبية قومية
يسجّل التاريخ لسورية أنها حاولت الارتقاء بواقع الجامعة عندما بادرت لطرح التضامن العربي المشترك

الجامعة حالياً في طور الأداة ذات الأنياب لتدمر دول وتزيل حكام لمصلحة المشروع المعادي

إثر اقتراح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على العرب خلال زيارته إلى الخليج الشهر الماضي، وأعقبتها بعد أيام زيارة أولى لوزير الخارجية السوري فيصل المقداد لمسقط، تكاثر الكلام الذي كان همساً عما سمي عودة سورية إلى الجامعة العربية او إعادة سورية إلى الجامعة.

وفي الحالين عودة سورية أو إعادتها إقرار بنقطتين تحول سورية حالة هامشية بينما هي مؤسسة إذ يمكن لأكثرية غاشمة من الدول التابعة طردها في حين والسماح بعودتها في حين آخر، وهذا ما سر السماح بعودتها؟ والنقطة الثانية اعتبار أن الموقف العربي السائد الذي أسسه استسلام كمبد يفي هو المعيار العروبي وإليه تقام القضايا والمواقف الأساسية، فهو من يعيد!
السوريون، والأحرار أصدقاء سورية في عالم آخر من انحطاط الموقف العربي والفكر العربي والروح العربية لتقبل أن تُطوَّع كما يريد لها أعداؤها فيقررون خلافاً لكل القواعد والأصول مصيرها وواقعها وقرارها.
استضاف موقع ومجلة حرمون الكاتب والمحلل السياسي السوري الدكتور أحمد الحاج علي، بسؤال الزميلة فاديا عبدالله عن عودة سورية إلى الجامعة العربية وظروفه وكواليسه. ومن حريّ به أن يعود للآخر؟
فكتب، ونحن ننشر بدقة ما وصلنا من حبره الأنيق والمعبّر:
بداية السلام عليكم وعلى موقع ومجلة حرمون الذي نحب ونقدر دوره الكبير لا سيما في هذه الأيام الصعبة من تاريخ الأمة العربية.
في ما يخص موضوع الجامعة العربية لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه ومنه هذه الجامعة وذلك يعود إلى الربع الأول من القرن العشرين إثر أحداث الثورة العربية الكبرى ووضح التآمر البريطاني على الشريف حسين وعلى أهداف تلك الثورة من تأسيس دولة عربية واحدة. وهنا بريطانيا هي دائماً من تنتج الحدث ثم تسارع مباشرة إلى استخراج أبعاد جديدة تؤكد وجهة نظرها في هذا الحدث. بريطانيا تسعى إلى السيطرة على هذه المنطقة بالتأكيد وهي دولة كانت في تلك الأيام دولة عظمى وقد أدركت بأنه انتهت من هدف التخلص من الدولة العثمانية المنهارة ومعالجة الصف الثاني وماذا تفعل بالأماني القومية العربية وقد وعدت، لكن ظهرت أشياء كثيرة أكدت بأن المسألة تتأسس على النحو التالي:
أولاً نلاحظ جامعة الدول العربية هي جامعة والجامعة لا ترقى إلى مستوى الوحدة، لأنها تعني تراكماً أو اصطفافاً كمياً.
ثانيا كما نلاحظ الدول العربية لم يكن هناك منذ نشأة الجامعة اتجاه لتكون جامعة الأمة العربية أو على الأقل الشعوب العربية.
إذن الجامعة أخذت هذا المنحى وكل التطبيقات منذ تأسيها أو ما قبل في عام ١٩٤٥ جرت على هذا النحو لتكون المسألة ذات طابع حكومي رسمي. وهذا أمر متيسر وسهل. فالأنظمة العربية والحكام في تلك الفترة وحتى هذه الأيام ما زالوا غير قادرين على إدراك الأعماق الأساسية في أي هدف قومي كبير. ومن اتجاه ثان يسهل التحكم أو إدخال عناصر تريدها الحكومة البريطانية.
وهكذا نشأت على كل حال جامعة الدول العربية واستقر هذا المصطلح على أنه جامعة دول عربية وشهد تطورات تحسينية لا نقول تطورات تأسيسية هامة بان صار للجامعة نظام وامتدادات في العامل الاقتصادي والدفاع المشترك والتفاعل بين الدول العربية، ولكننا كنا نلاحظ وحتى هذا الوقت أن جامعة الدول العربية بقيت عند هذا الحدّ أي بمستوى الاتجاه الرسمي ومستوى التأثير البريطاني والغربي في هذه الجامعة.

هنا نرأى بأن هذه الجامعة أخذت ريتماً ونمطاً إيقاعياً في أنها تنجز الاجتماعات ولا سيما على مستوى القمة.
لا بد قبل ذلك من الإشارة إلى دور سورية في تأسيس هذه الجامعة والى الاجتماعات والنشاطات التي حدثت ليست في مصر فقط وانما في سورية أيضاً في بلودان حدث اجتماع أو أكثر لهذه الغاية بالضبط.
ولكن نلاحظ هنا ان هذه الجامعة نشأت وكأنها بمعزل عن أمرين عن الظروف القائمة على المستوى الإقليمي والعالمي، فلم يكن هناك تدقيق وتبصر لهذه الظروف والمخاطر وكانت هناك جملة تداخلات واختلاطات صعبة للغاية.
والعامل الثاني هو أنها لم تأخذ بعين الاعتبار مسألة التركيز على الاحتلال الصهيوني لفلسطين وعلى هذا التحوّل الذي جرى على مستوى العالم ولا سيما من خلال الغرب الأوروبي والأميركي وعلاقته بالحركة الصهيونية وهذا ما بقي يتحرك بهذا الإطار، رغم أننا لاحظنا بأنه عند كل مفصل هام تجتمع دول الجامعة العربية وتناقش ولكن نلاحظ الاختلافات والتناقضات والتباينات المهمة جدا مثلا سنة 1967 حدث اجتماع في الخرطوم وعندها قال العرب وكانت سورية ممثلة بوزير خارجيتها في تلك الفترة، وقال ممثلو الدول حينها لا للتفاوض لا للاعتراف لا للتبادل بيننا وبين الكيان الصهيونيّ.
كانت تلك مرحلة مهمة، ولكن كل شيء ينتهي عند حدود الصياغة. ثم تبدأ حالة من التدخل الخارجي وتلغي كل ما تم إنجازه والاتفاق عليه ولو نظرياً.
إن الرصد الموضوعي والتاريخي لمسيرة الجامعة العربية بدءاً من تأسيسها وحتى المرحلة الراهنة يدل على أنها بقيت نمطية وعلى التفاوت بين مستوى الحكام وأيضاً حتى الوثائق الداخلية التي تنظم حياة هذه الجامعة كانت تؤكد ذلك لذلك نجد بأن أي قرار يجب ان يحظى بالإجماع وليس بالأغلبية وهذه مسألة صعبة جداً لأنه لو خرج اي حاكم عربي سوف يُلغى هذا القرار. وبقيت على هذا الحال الى العام ١٩٧٣ الى ان تم ادخال البند الجديد والذي كان للرئيس الراحل حافظ الأسد الفضل فيه وهو بند التضامن العربي تحت مظلة الجامعة العربية وحدث أن أنتج هذا التضامن منجزات كبيرة جداً في حرب تشرين سواء على الصعيد العسكري او الاقتصادي. ومعروف ان هذه القضية ما زلنا نقدرها حتى الآن ونقول ليتنا نعود إلى تلك النقطة لنتواصل ونتفاعل، ولكن سرعان ما انكسرت هذه المسألة بعد أن تمّ الاختراق الجديد وهذه المرة بقيادة أميركا عبر كمب ديفيد والمشروع البريطاني بأصله ويشمل على معاهدتين السلام الفلسطيني الاسرائيلي وأيضاً يشمل حل مسائل الصراع العربي الصهيوني. وهنا تأكد الاختراق الثاني والاختراق الأول هو عدم الالتزام بإنجاز الأماني العربية بعد الثورة العربية الكبرى، والاختراق الثاني ما بدأه انور السادات وأدى الى اتفاق كمب ديفيد وتبعاته.
والآن بعد حرب تشرين ظهرت الحالة العربية الجديدة فقد تمّ التنصل من كل موجبات التضامن العربي التي حدثت في حرب تشرين كما هو معلوم وبدأ يتكشف ان هذا الخط في ذهاب باتجاه ان تبقى العلاقات مع الغرب وان تبقى قصة الصراع العربي الصهيوني دائما تحت سطوة وفي قبضة الحالة النظرية البحتة من دون أية إجراءات حتى أن منظمة التحرير ذهبت إلى أوسلو وظهر بأن هناك انتقالاً في الجامعة العربية الى حالة ليست واقعية وإنما تحت سقف الواقعية لأنها فرطت بكل شيء ونسفت الأساس القومي والسياسي واعتمدت على الأساس الواقعي.
الان هنا بدأت حالة من التناقض والتشرذم العربي ومن هذا التفاوت العميق بين ما يُعلن وبين ما يُقال. إلى ان هناك ارهاصات جديدة. فالجامعة العربية فرغت من مضمونها بعد حرب تشرين ولم يكتفوا بذلك. فمنهجية الاستعمار الغربي حينما ينجز مرحلة يبدأ مرحلة جديدة وهي مرحلة أن يتحول النظام السياسي العربي ليس فقط من حالة إدارة الظهر لأي مشاعر او جامعة أو لأي تفاعل بين الدول العربية وإنما الى حالة أن يتبنوا المشروع الغربي. وبالتالي أن تجري عملية محاصرة من لا يريد ذلك. وهكذا اخذت هذه المرحلة اكثر من ١٠ سنوات حتى وصلت إلى المرحلة الراهنة وهنا وصلت الجامعة العربية الى ان لها أظافر وانياباً وأنها تحمل المشروع الغربي الصهيوني وتريد تطبيقه من خلال ما بدأوه في ليبيا عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وأيضاً انتقلوا إلى تونس إلى مصر ثم إلى سورية وظهر أن الجامعة العربية الآن لا تمارس دوراً حيادياً ولا نظرياً وإنما دور أساسي. وهنا لا بد من التأكيد على أن هذا الاتجاه أخذ صيغة النظام السياسي العربي ولا سيما من خلال الأنظمة الملكية وما يشبهها وبعض الزعامات العربية وظهر بأن الجامعة العربية ليست حيادية، ولكن كانت على الأقل عليها ان تأخذ بعين الاعتبار مسألة المشاعر العربية وتحوّلت إلى قوة من خلال أنظمتها في الخليج خاصة أنها يجب أن تتدخل في تنفيذ المشروع المقبل من وراء البحار من أميركا ومن بريطانيا ومن الحركة الصهيونية. وبدأت هذه الحالة تمتد وتتغلغل من خلال ما يسمّى الحرب على الإرهاب اهتدوا إلى هذه المسألة والى مسألة الإسلام السياسي.
وعن المال العربي رأى الحاج علي أنه موجود والأوامر من الخارج موجودة وبدأت هذه الحالة وكان لا بد أن تتكرس في إطار استهداف الدولة السورية. وهذه قصة طويلة أخذت مراحل ومصطلحات كثيرة بدأت في أنه لا بد من تعديلات ولا بد من ديمقراطية، ثم ذهبت إلى أنه لا بد من اسقاط رئيس الدولة الرئيس بشار الأسد ولكن في نهاية الأمر استقرت على الحال الذي نراه الآن. وظهر بالتدريج دور أنظمة الجامعة العربية مع الأسف في أغلبيتها تموين وتغذية وتبني هذه الحركة الارهابية الصهيونية الرجعية سواء بالأشخاص أو بالمال، والدافع واضح والغطاء هو الإسلام والمسمّى العمليات الجهادية.
وفي عمق وتعقيدات هذه المرحلة الخطيرة جرت تحولات كبرى استقرت على أن مهمة الجامعة العربية لبست أن تعتدي فقط وإنما أيضاً أن تطرد دولاً مؤسسة في الجامعة من مقعدها. وهذه مسألة مرت مع الأسف بسهولة وهنا صار البون شاسعاً ونوعياً بين سورية والجامعة العربية.
وإذا قارنا هذا الأمر بما حدث بعد كمب ديفيد نجد أن هذه المرحلة أقسى بكثير ومن هنا ظهرت هذه الحالة هل تعود سورية إلى الجامعة العربية وتستسلم لما هو موجود من اتجاهات استعمارية ومن مطالب غربية؟
أقول هذا الامر الآن ما زال في الصراع مَن الذي يعود إلى الآخر هل تعود الجامعة العربية الى سورية أم تعود سورية إلى الجامعة العربية؟
جرت محاولات عدة وإغراءات وإرهاب وترهيب بكل الوسائل إلى ان لاحظنا بأن هذه الجامعة لا تحرّك ساكناً وهي ترى الاحتلال الأميركي والاحتلال التركي وهذا الارهاب المتفشي في الساحة السورية.
كما لاحظنا نمو حالة غريبة من نوعها باعتراف حمد آل ثاني حينما اعتبر سورية صيداً ثميناً واعترف بالمال الذي تم تقديمه.
الآن علينا أن نقول بكل الأحوال هذه مرحلة وهذه ظروف لا بد التعاطي معها، لكن ماذا في طيات المرحلة القادمة ولا سيما من خلال ما يجري الآن. البعض يقول ان هناك محاولات لاستعادة سورية للجامعة العربية لتحتل مقعدها هناك. وهنا نقول إن هذه المسألة لن تكون استجداء ولن تكون مجرد حالة للإرضاء انها حالة لا بد أن تقترن بالتعبير عن ضرورة ادانة هذا الارهاب والاحتلال وكل ما حدث من دور للجامعة في نشر هذا الارهاب.
الآن لا بد ان نتحدث في المآل ونحن نأخذ بعين الاعتبار بعض الملامح والارهاصات التي تدل على أن لا بد لسورية من ان تستعيد مقعدها في الجامعة العربية، لكن لن يتغير شيء في المشروع العام بثوابته وأركانه. وما زال هناك تداخل فظيع في الاتفاق على ادانة الارهاب والاحتلال. واعتقد ان الظروف صعبة الآن للغاية ومعقدة. ولن تقوم سورية بأي تنازل لأن المسألة استغرقت دماء طاهرة لآلاف الشهداء ومعاناة فظيعة سواء اقتصاديا او عسكريا أو سياسيا. كل ذلك أدى إلى أن سورية كونت ذاتها على أن يكون دورها مختلفاً عن هذه الحالة الهلامية في الوطن العربي.
والآن الصمود قائم بالتعون مع الأصدقاء والأشقاء والصبر والوجود في أقسى الظروف برغم الاحتلال التركي والأمريكي و”اسرائيل” تعتدي يومياً ومجموعات ارهابية ومجموعات اثنية مثل قسد يحاولون إدخالها إلى أجواء الصراع القائم.
أعتقد ان هذه المسألة معقدة للغاية ولا بد ستستغرق زمنا طويلاً ولكن لدينا عوامل قوة هي ذاتنا وتحالفاتنا ومشروعية طروحاتنا وكل ذلك لا بد ان يلقي بظلاله على من يتحدث بقصة الجامعة العربية. وهنا نلاحظ بأن هذه الأنظمة قد غادرت منذ زمن طويل المفاهيم التي تطرحها سورية كالتضامن والمصير العربي المشترك واستعادة الحقوق والانطلاق من الثوابت واستغلال الإمكانات العربية البشرية والاقتصادية. فلا نجد الان أي وجه للمقارنة. لذلك نحن نقول فليكن فنحن لسنا من الذين يرفضون أية مبادرة لكن نعرف تماما ان الحالة معقدة وصعبة للغاية وان الذين مارسوا الجريمة لن يكون من السهولة ان يعيدوا الأمور إلى ما كانت عليه.
صحيح ان سورية مباحة، لكنها تتفاعل وتتقدم وتعطي لكل مبادرة ثمنها، لكن حالة الاستباحة الاخلاقية التي جرت والإباحة المصيرية والأخلاقية لن تكون سهلة ولا يمكن إلا ان تجري بداية التخلص منها حينما يتخلص الحكام العرب والنظام السياسي العربي من ارتباطاته ومن عقلية الارتماء بحضن الأجنبي وعقلية المناورة والمداورة والبيع والشراء سواء كان بالدين او بالواقع العملي او قضية الروابط القومية بهذا المعنى نقول إن القصة ما زالت قائمة ان الجامعة العربية وما حدث بها رمز يدل فقط على طبيعة هذا العصر الممتد من القرن العشرين وحتى هذه اللحظة. وسورية تعرف كيف تستوعب وكيف تتقدم وتعرف كيف تؤدي دورها في أقسى الظروف.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.