مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

فصل الإعلام(11)…كتب الجاحظ 360 كتاباً بالريشة فوق “طبليّة”في زاوية جامع…ربّما ولم يكن يصلّي….

دكتور نسيم الخوري*

يروي إعلامي لبناني أمامي بأنّه يتناوب الفطور مع كبار المسؤولين ويوزّعهم غالباً على أيّام الأسبوع، ليصبح قجّة أسرار يتلاعب بمضامينها وتناقضاتها، ثم يأخذ عائلته ويصعد برانجه الأسود إلى قصره الصيفي آخر الأسبوع، لكنّ سياسيي لبنان لا يحتملون يلاحقونه ويزعجونه حتّى في أيّام راحته.
قال صديق له تبعه خلسةً متقفيّاً وجهته ذات صباح، فرآه من بعيد، أمام مطعمٍ على الواقف في ساقية الجنزير ينهش سندويش فلافل بين يديه الإثنتين ويمسح ما علق بيديه. قلت: هذا هو بكر ومستشار عشواء والناطق الرسمي بلسان هولاكو والهولاكيين من حكّام لبنان.
رأيته يوماً وقد أوقع سياسيّاً في فخّه قرب مقهى “الكافيه دو باري” في الحمرا. ربّما أجرى معه مقابلة لصحيفةٍ ما. مرّ السياسي ولربّما كان ينتظر سائقه أو مرافقه أو صديقاً له. تشبّث الصحافي بيديه، وراح يلتفت ذات اليمين واليسار مثيراً انتباه زملاءه من “عصابات” الإعلاميين والشعراء الجالسين في زاوية من المقهى وأمام كلٍّ منهم فنجان قهوة لا يحتسيه كاملاً مع علبتين من السجائر إلاّ عندما ينتصف النهار فيرحل ، هذا إذا لم يتركه بارداً حتى الجلسة المماثلة اليومية بعد الظهر.
رأيت السياسي واقفاً أمامه وكأنّه يسمعه متململاً متبرّماً فلا يصغي ولا يسمع مكتسياً خجل الوقار المصطنع كما معظم السياسيين في لبنان، محاولاً التفلّت منه بتهذيب. راقبنا المشهد، في شارع الحمرا. ضحكنا ورحنا نتذكّر إبن خلدون بسرواله العتيق وقد كتب لنا مقدّمته الأبديّة بالريشة والدواة وفوق “طبليّةٍ” خشبيّة، ومثله الجاحظ الذي ترك لنا 360 مؤلّفاً من الروائع ما زال معظمها أمام طلاّب العالم، كتبها مقرفصاَ أو قاعداً فوق حصير وأمامه لوح خشبي ينقله من زاوية لأخرى.
كانوا يمخطون بأكمامهم ويكتبون ويكتبون لا المقالات بل المؤلّفات التي أتحفوا عصرهم وعصورنا بأفكارهم وإبداعاتهم الزاخرة التي لن تنضب. لم يتشاوفوا أو في الأسواق وأعناقهم إلى فوق بحركات مصطنعة وأساليب مختلفة عن باقي الناس.
يكتب الصحافي أو الإعلامي مقالةً أو قصيدة حديثة، وقد يشارك عاطلاً عن العمل بدور “كومبارس” في مسرحية أو فيلم قصيرٍ هزيل ممّا يملأ الشاشات في عصر الكوكبية لا العولمة، وفي اليوم التالي “يطلّق” بيته ويحمل سيجاراً يستدين ثمنه ، ويرفع عبسةً مصطنعة فوق جبينه ويتأبّط كتباً وصحفاً لا يتصفّحها إلاّ في المقهى جاذباً المارة والزبائن إليه لا مجذوباً لما هو مكتوب أمامه، وقد يجد من يطلب إلتقاط صورة معه أو الحصول على توقيعه. يمكث عمره في المقاهي وأطفاله ربّما بحاجةٍ إلى علبة حليبٍ أو “نونيّة”، وزوجته مشنوقة غاطسة وحيدةً حتّى قمّة رأسها، تبحث عمّن يسعفها مشترياً لها “أوقيّةً” من اللحم.
غالباً ما تكون النتيجة الصراخ… فالطلاق…والتنظير في المقاهي لحسنات الطلاق والإستمرار بأكل الفلافل.

*كاتب وباحث لبناني

موقع وم٠لة حرمون

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.