مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#مأمون_ملاعب: حروب كثيرة في حرب واحدة (11)

 

 مأمون ملاعب*

 

الحليف الروسيّ

لم يكن الاتحاد السوفياتي حليفاً لنا او لأي دولة من دولنا في مسألة فلسطين. إنه أوّل من اعترف بدولة “إسرائيل” في الأمم المتحدة، وكان دائماً على علاقة طبيعيّة معها. لكنه كان قطباً بأيديولوجية ضد العالم الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة وكانت مجموعة كبيرة من دول العالم تتبنّى الفكر الاشتراكي وهي بصداقة أو بتحالف مع الاتحاد السوفياتي ومن هذه الدول مصر وسورية والعراق. تمكّنت هذه الدول من الحصول على السلاح من الاتحاد، واتفقت سورية معه على إقامة قاعدة عسكرية بحريّة في طرطوس. من الطبيعي أن يبحث الاتحاد السوفياتي عن مصالحه بإقامة علاقات تجارية وسياسية مع الدول، وقام بدعم المنظّمات والحركات التي تحمل أيديولوجية اشتراكية أو تخاصم الولايات المتحدة في عالم بقطبين وقعت بينهما حروب غير مباشرة في أنحاء كثيرة من العالم: كوريا وكوبا وفييتنام ونيكاراغوا و”اسرائيل” ربيبة بريطانيا والولايات المتحدة وريثة بريطانيا، فإذا بها تتبنّى الدعم الكلي لـ “إسرائيل” اسلحة متطوّرة جداً مجانية وبمليارات الدولارات ومال بكميات كبيرة ودعم سياسي دولي في كل المحافل والمؤسسات.

بالمقابل قدّم الاتحاد السوفياتي السلاح الى منظمة التحرير بينما اشترت دولنا منه ذلك.

انهيار الاتحاد السوفياتي مفصل أساسي في التاريخ الحديث، انهار حلف وارسو وخرجت دوله من عباءة موسكو. بعضها التحق بالأطلسي فاذا به يزرع الصواريخ على أرض بولندا مهدداً روسيا، ومَن مانع سقوط (رومانيا) أو تفكك (يوغوسلافيا). حتى جمهوريات الاتحاد السوفياتي نفسه أصبحت دولاً مستقلة وبعضها اقترب من الولايات المتحدة وتعاون معها فوصل بالأخيرة أن استطاعت قلب النظام بجورجيا وأوكرانيا ضد روسيا ما يشكل خطراً كبيراً عليها فتدخلّت روسيا فيهما عسكرياً. صحيح أن روسيا ورثت سلاح الاتحاد السوفياتي وقوّته النووية، لكنها لم ترث نفوذه ودوره فتحوّلت الى دولة عادية على الساحة الدولية بل حاصرتها الولايات المتحدة من حديقتها الخلفية.

مع يلتسين كادت روسيا ان تفقد شخصيتها وأصبح النموذج الغربي في داخلها هو السائد، لكن مع وصول بوتين أعاد بعض الهيبة الى الدولة خاصة بعد التدخل في أوكرانيا وجورجيا. اثناء التحضير لاحتلال العراق بحجّة سلاح الدمار الشامل وقفت روسيا ضد ذلك في مجلس الأمن لكن الولايات المتحدة تصرّفت من خارج تغطية الامم المتحدة، تقود تحالفاً دولياً. كانت الغطرسة الأميركية بأعلى مستوياتها وكانت روسيا دولة عاجزة عن المنع او الرد، علماً أن العراق كان حليفا لها وعقد معها اتفاقية وبذلك خسرت روسيا حليفاً.

لم تكن روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي دولة معادية لأميركا، لكن الأخيرة كانت تقصد تحجيم روسيا الى أبعد حد حتى لا تتمكن من العودة الى الساحة الدولية كقطب ينافسها السيطرة، وبذلك تتفرّد هي بالسيطرة على الساحة الدوليّة وتفرض مشيئتها.

كانت سورية على علاقة جيّدة مع الاتحاد السوفياتي وتستورد السلاح منه واستمرت على علاقة جيدة مع روسيا واستمرّت بالاعتماد عليها في تسليح الجيش السوري، كما أن قاعدة طرطوس البحرية بقيت مع روسيا (القاعدة الوحيدة لروسيا في البحر الأبيض المتوسط). تشكّل سورية حليفاً جيّداً لروسيا.

مع بدء الحرب على سورية ومن ثم توسّعها لم تحرّك روسيا ساكناً، طبعاً كانت تؤيد الدولة ضد الإرهابيين وتقف على المقلب الآخر من الغرب الذي اراد إسقاط النظام وواجهت الولايات المتحدة في مجلس الامن واستخدمت حق النقض “فيتو” من دون أن تتدخل عسكرياً، كان واضحاً أن هذه الحرب تقودها اميركا وتنفّذها الدول العربية التابعة لها بالإضافة الى تركيا وتساندها الدول الاوروبية الغربية، وأدوات الحرب هي التنظيمات الارهابية بمسميّات عديدة. دفع المليارات من اموال النفط وسخّر كل بوق رخيص في الإعلام العربي المأجور وأعّد الكثير من الخطط وانتظروا جميعاً سقوط “النظام”، بعد مرور اكثر من ثلاث سنوات تبيّن لروسيا قدرة حليفها على الصمود. وتفانى الحلفاء بالوقوف الى جانبه (إيران، ح ز ب الله، بعض التنظيمات العراقية) نجحت إيران بإقناع روسيا بالتدخل، امكانية النجاح متوفرة فتمّ ذلك في أيلول 2015. طائرات السوخوي تدك مواقع الإرهابيين وأحياناً الصواريخ البعيدة المدى تؤمّن للجيش السوري إمكانية التقدم وبسط السيطرة على المواقع التي كان الإرهابيون يسيطرون عليها. وهكذا انقلب المشهد فإذا بحلب تتحرّر مع الارياف الجنوبية والشرقية ثم حمص وثم الجنوب ومحيط العاصمة والدولة تستعيد السيطرة على قسم كبير من جغرافيتها، التنظيمات الإرهابية تتهاوى وتتقهقر وحسابات أميركا وأذنابها تتبدّد. لم تكن اميركا لتقبل هزيمة مشروعها بسهولة وليس في حسابها اي مواجهة مع روسيا وهي أصلاً قامت بحرب على سورية بطريقة غير مباشرة لذلك بدأت تبحث عن عراقيل فاخترعت موضوع استخدام السلاح الكيميائي عدّة مرّات، اهمها في خان العسل حيث قررت معاقبة سورية إنما تم تدارك ذلل عبر دور لعبته روسيا. خلال ذلك تدّخل العدو مرّات عديدة اما بتقديم العون مباشرة للإرهابيين او عبر قصف مواقع للجيش السوري وطبعاً قدمّت تركيا كل الإمدادات للإرهابيين في حلب وأريافها لدعمهم وصولاً الى تدخّل تركي مباشر. استعملت أميركا ورقة “قسد” للآخر معرّضةً علاقتها مع تركيا للخطر وأخيراً كان لا بدّ من التواجد على الأرض السورية. وهذا ما حصل في مناطق سيطرة الأكراد “قسد”.

 

التدخل الروسي في الميزان:

لا شك في أن التدخل المباشر لروسيا في الحرب على سورية رجّح كفّة الجيش السوري وحلفائه وساعد في دحر الارهابيين. ولا شك أيضاً في أنه ساعد بالقضاء على المشروع الصهيوني الأميركي بإسقاط النظام في الشام.

على المقلب الآخر ان صمود الجيش السوري وصمود الدولة في وجه هذه الحرب العاتية قبل التدخل الروسي أعطى لروسيا حافزاً قوياً بأنها قادرة على الدفاع عن مصالحها ببقاء حليف لها في الشرق الأوسط وبقاء قاعدة بحرية لها على المتوسط. إن دخول روسيا الى جانب سورية في الحرب أعطى للأولى دوراً دولياً وقدرة مواجهة للقطب الواحد عالمياً وتمهيداً لخلق عالم بعدة أقطاب، التدخل الروسي كان مصلحة قويّة لسورية بقدر ما كان مصلحة قوية لروسيا.

روسيا تبحث عن مصالحها لذلك تعاملت مع الاحتلال الأميركي بحذر، حرضّت أميركا “قسد” ضد الدولة السورية ثم تواجدت على الأرض في مناطق سيطرة “قسد” وجعلتها تتوّسّع بالرقة ودير الزور محاولةً قدر الإمكان عدم عودة الدولة الى التعافي تماماً، لم يقع اي اشتباك بين القوتين العظيمتين وتعاملتا مع بعضهما كخصمين بتوافق وتنافس ضمن حدود عدم التورّط في الاشتباك. تحاول اميركا الحفاظ على ما تبقّى من مشروعها وتحاول روسيا عودة الدولة الى العافية قدر الإمكان. وهذا سبب بقاء الأمور على حالها لفترة زمنية طويلة.

 

روسيا ودولة العدو:

ترتبط روسيا مع “اسرائيل” بعلاقات قويّة ومتينة، ويوجد داخل روسيا لوبي يهودي قوي له تأثير كبير لصالح “اسرائيل”. كان الدور الروسي واضحاً انه داعم للدولة السورية ضد الارهاب، لكنه محايد في الصراع مع العدو، كانت صفقة الـ S300 في طريقها الى التنفيذ فعطّلها لقاء بين نتنياهو وبوتين بينما تبيع روسيا تركيا S400 لأن الأخيرة لا تعادي “اسرائيل”.

تقوم “اسرائيل” بقصف مواقع الجيش السوري باستمرار وما زالت من دون أي رد روسي حتى بالاعتراض. يجب أن ندرك ان هذا هو حجم الدور الروسي ولا نتوقع المزيد وأننا في حربنا مع العدو يجب ان نعتمد على قوّتنا وقدراتنا.

 

*قيادي قومي وعميد إذاعة.

موقع ومجلة حرمون

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.