مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#د.قصي_الحسين: تفاحة وليد جنبلاط

 

د.قصي الحسين*

 

منذ تأسيس الكيان، ولبنان يتعرّض لثلاث مصائب، تصبّ على رأسه صباً. ثلاث مصائب تعصف به، معاً في آن: تشكيل الحكومة، والمعارضة، والفوضى.

كان لبنان، كلما دنا من تشكيل الحكومات، تنهض في وجهه المعارضات. فيصير الرئيس المكلف كجواد إمرئ القيس، وصفه، وهو محبط يهمهم مثل الرئيس المكلف، فقال:

“مكر مفر مقبل مدبر معا

كجلمود صخر حطه السيل من عل”.

قال عنه الفنان الطرابلسي رضوان مولوي ذات يوم: إنه أبلغ من جمّد الزمن، في برهاته الأربع: الكر والفر والإقبال والإدبار. ثم جمعها معاً في برهة واحدة.

هذا هو حال الرئيس المكلف، حين ينزل إلى ساح التشكيل، فيصير في صورة جواد إمرئ القيس، على أرض المعركة.

تشكيل الحكومة مصيبة عظمى في لبنان. تنكب الحكومة القائمة للذقن. فيجد لبنان نفسه في مصيبة أعظم: التشكيل والتأليف.

حجرا رحى هما التشكيل والتأليف، يطحنان لبنان طحنا من أقصاه إلى أقصاه، من دون شفقة لشعبه الممزق ولا رحمة.

يصير اللبنانيون إلى فاجعتين في الفاجعة  الواحدة: التشكيل والتأليف. وبينهما، تذهب كرامة دماء شهداء الاستقلال هدرا. يقولون في مثواهم من الجنة:

“يا ليتنا ما استشهدنا”.

تمضي الأيام والأسابيع والأشهر، وربما السنوات، ولبنان يقف على رئيس حكومة انكب للذقن، ورئيس يحور ويدور، في طور التشكيل والتأليف.

تشكيل الحكومات، مصيبة المصائب في لبنان. لأن جلاوزة السياسة، ينتظرونها غنيمة لهم. ينتظرونها على مفرق التشكيل والتأليف، غنيمة من الغنائم.

وتصير جميع المنابر  تنادي عليها: سوق المربد وسوق كناسة وسوق عكاظ. ينادى عليها في بندر عباس، وفي البيت الأبيض وفي الأليزيه. وفي جميع أسواق الأمم، من عرب وعجم.

لا تشبه حال الحكومة المقيدة للتشكيل في ذمم الشعوب والأمم، وفي دواوين الفرس والعرب، إلا حال المعارضة النابذة والمتنابذة معها.

معارضة لا تشبه أية معارضة من المعارضات للسلطة في العالم. لا تشبه المعارضات القديمة ولا الحديثة.

ليست هي معارضة برلمانية  ولا معارضة نقابية. ولا معارضة طبقية. ولا معارضة دينية ولا معارضة طائفية. ولا معارضة حزبية. ولا معارضة ثورية.

إنها معارضة من صنف “طواحين الهواء” التي وصفها ذات يوم دونكيشوت. حلت على لبنان، ولم تبرحه منذ سالف الأزمان.

معارضة تستهوي الاستعطاء السياسي،  بالكيد السياسي. معارضة تخلع الكرسي، لتجلس على الكرسي. معارضة تذبح الوطن والشعب والمؤسسات من الوريد إلى الوريد. من دون أن يرف لها جفن ودون أن ترف لها عين. لأجل الحصول على منصب وزاري، أو “من أجل حفنة من المال”.

ليست “مصلحة لبنان فوق كل اعتبار”، عند هؤلاء السياسيين، من الداعمين أو المعارضين الذين يتغنون بهذا الشعار. أكانوا من أهل السلطة، أو من أهل المعارضة.

معارضة ليس لها مثيل بين أنواع المعارضات في العالم. إنها من نوع النقار، الذي نجده عند جماعة الطير، في مجتمع النبع والحب. إنها من نوع التهارش بين الذئاب على المجاعل والجيف. إنه من نوع التضارب بالخشب، حين التنابذ بين بيوتات العرب.

لا سلطان في لبنان فوق سلطان الفوضى عبر كل الأزمان.

حكومات الفوضى. ومعارضات الفوضى، إنما تساوي مجتمعة ومعاً، عهود الفوضى.

عقود، من عهود الفوضى، خيّمت ولا زالت تخيم على لبنان. لا تعرف حدود الرئاسات. ولا تحترم الرئاسات حدها ولا حدودها. لا تعرف حدا للقيادات، ولا تعرف القيادات حدا لها. لا تعرف المجالس حدودها، ولا تقيم اعتباراً لحدود المجالس المجاورة لها.

هيئات ناظمة، وإدارات وملل ونحل وطوائف شتى، تدخل السوق معاً، وتشاغب على بعض المطالب وعلى منصب من هنا، ووظيفة من هناك. وحين تقع الكوارث، وتحل بالبلاد المصائب، يتبرأ الجميع، من دماء القديس. فلا القاتل قاتلاً. ولا المجرم مجرماً. وأم قتيلهم، فتسمع دمه يصيح: “الموت بين الأهل نعاس”.

لبنان يعرف “ثلاثية”، هي ليست من روايات معلم الرواية نجيب محفوظ. كتب ذات يوم “الثلاثية”، وأخرجها في ثلاث روايات: السكرية وقصر الشوق، وبين القصرين. أما الشعب اللبناني، فيكتبون كل يوم عليه، “ثلاثية” من “حكومة” و”معارضة”، وبينهما “الفوضى”. يقول الأميركيون عنها، إنها “الفوضى الخلاقة”. حيث يعود معها اللبنانيون، إلى فجر الخليقة، يأكلون كما يقول سمير جعجع، ورق الشجر، ويرقعون عوراتهم، كآدم وحواء، بورق العريش وورق التين.

فوضى لبنانية ما بعدها فوضى: يذهب فيها الناس إلى الدولة البديلة عن الدولة. وإلى الحكومة البديلة عن الحكومة. وإلى الرئيس البديل عن الرئيس. وإلى الاشتراك بديلاً من كهرباء الدولة، وإلى تأجير النت، بديلا عن أوجيرو. وإلى التعلم عن بعد، بديلاً عن التعلم عن قرب. يذهبون إلى الاستعطاء على أبواب الله، بديلاً عن الجد والكد والعمل. يذهبون إلى الأمن البديل والزعيم البديل والوطن البديل والرئيس البديل. ثم يمؤون، كما قال “ميخائيل نعيمة” ذات يوم، مثل “القطط الغافية المغفلة، يجهلون الهم والخطيئة”.

لبنان اليوم، يعيش تجربة “قناة السويس”، مع الباخرة التي انحرفت في طريقها، وسدت المجرى بمعاريضها. وحبست السفن في البحر، فضلت طريقها.

صارت حمولة الشعب اللبناني، تزيد عن وزنه. صار  بدنه الناعم الطفل،  ينوء عن أثقال البدائل، التي أعيوه بها.

كان لا بد لزعيم المختارة، وليد جنبلاط، أن ينتبذ من “ثلاثية لبنان”، من مصاب لبنان، من مصائبه، مكاناً قصياً، يجد فيه حلا للسفينة اللبنانية المثقلة، والتي رآها تنحرف في المجرى الضيق من القناة في ترعة الألفية الصاعدة.

نادى وليد جنبلاط بـ “التسوية”. وهو شاهد على تاريخ التسويات في لبنان. وهو “حرّيف تسويات”. حقا هو “إبن بجدتها”، أقله منذ نصف قرن ونيف من تاريخ لبنان.

ما ذهب وليد جنبلاط للقول بـ “التسوية”، لو لم يعلم أن الفكرة ربما نضجت. بل ربما أثمرت وحان قطافها. وربما خشي من سقوطها.

تفاحة وليد جنبلاط، مثلها تفاحة نيوتن، لا بد أن تسقط في قلوب اللبنانيين مهما تأخرت، ومهما طال الزمن بها. فلما إذن إضاعة الوقت، والمركب يغرق يقول جنبلاط. يغرق. يغرق.

ليس أمام “هذا اللبنان”، إلا “التسوية”، للخروج من المأزق الذي بلغه، بالعهد والحكومة، وبالمعارضة، وبالفوضى التي تعم الأنحاء والأرجاء. ليس أمام اللبنانيين، إلا التسوية الموقتة، والتي تفتح الباب لهم، للدخول فيما بعد إلى التسويات المعقدة.

لبنان قاب قوسين أو أدنى من الانهيار. أو من الاشتعال. أو من الانتحار. يقول وليد جنبلاط شهادة. فلمَ يتأخر الممتحنون عن الامتحان؟

*أستاذ في الجامعة اللبنانية.

موقع ومجلة حرمون

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.