مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#مأمون_ملاعب: حروب كثيرة في حرب واحدة (10)

 

مأمون ملاعب*

 

الدور التركيّ

لا شك في أنّ دراسة الدور التركي الحالي في سورية صعب لكون هذا الدور معقداً وغنياً جداً بالتناقضات والتقلبات وعدم الوضوح، لكنه أساسي جداً بأحداث أمتنا ولا بدً من تقييمه من وجهة نظرنا.

الأتراك السلاجقة حديثي العهد بالأناضول (المقارنة مع شعوب المنطقة المتوغّل في التاريخ) إذ يعود وجودهم إلى 1017 قادمين من وسط آسيا.

وجد العثمانيون قبائل الأتراك وأقاموا دولتهم التي امتدت إلى البلقان ودخلوا سورية عام 1516 ومنذ ذلك الزمن وسورية ضمن دولة الخلافة العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى أواخر 1918.

مع نهاية الحرب انهارت الخلافة وتسلّمت الحكم حركة قومية تركية ذات طابع علماني إلى حد معاداة الإسلام. هذه الحركة كانت تبحث ليس فقط عن تموضع لتركيا بل عن هوية ارتكزت إلى العرق أو الأثنية التركية وقامت بردة فعل على الخلافة العثمانية الاسلامية وعلى العرب تُرجِم ذلك بتغيير الحرف في اللغة التركية لتكتب بالحرف اللاتيني وترجم القرآن وأصبح الآذان في الجوامع باللغة التركية للمرة الأولى بالتاريخ وحاولت الالتحاق بأوروبا لا اقتصادياً فقط بل اجتماعياً وسياسياً.

مع بداية قيام هذه الدولة الحديثة بقيادة أتاتورك كانت أطماعها في سورية واضحة جداً فطالب أن تكون ولاية حلب جزءاً من الدولة (أي حلب وإدلب وكل الأقاليم الشمالية المحتلة).

كان قد سبق ذلك أن ارتكبت تركيا واحدة من أكبر المجازر في التاريخ حين دخل جيشها الى الشمال السوري خلال الحرب وقتل أكثر من مليون ونصف سوري من الطوائف السريانية والآشورية والأرمنية وهجّرت مئات الألوف بما يُعرف بمجازر الارمن.

كانت معاهدة أنقرة 1921 قد اعطت تركيا الأقاليم السورية الشمالية كيليكيا والجزيرة العليا مقابل اعتراف تركيا بانتداب فرنسا على سورية. كانت فرنسا تخطط لتقسيم سورية بالاتفاق مع بريطانيا من أجل مشروعهما (وعد بلفور) وكانت تركيا صاحبة أطماع بسورية لذلك تخلّت فرنسا عن أراض ليست لها من اجل مصالحها ومشاريعها وكررت ذلك عام 1939 حين أعطت تركيا لواء الاسكندرون مقابل أن تلتزم تركيا الحياد في الحرب العالمية الثانية. انضمّت تركيا الى الحلف الأطلسي وأصبحت حليفة لأميركا التي اقامت قاعدة عسكرية فيها “انجرليك” واعترفت بدولة “إسرائيل” واقامت معها افضل العلاقات. حاولت جاهدة الانضمام للاتحاد الأوروبي الذي منع ذلك. انتقل الحكم الى الاسلاميين ومرّ بفترة لا استقرار وتقلّب وصولاً الى أردوغان الذي وطد اركان حكمه بعد أن قلّم اظافر القوى العلمانية من الجيش ركيزتهم الأولى. لكن وحتى مع هذا “التغيير الجذري” بالحكم فإن مجموعة ثوابت فرضت نفسها:

– بقيت تركيا في الحلف الاطلسي.

– بقيت على علاقة جيدة مع العدو.

– بقيت تناصب سورية والعراق العداء (حتى ولو مرّت فترة قصيرة مختلفة). وأقامت السدود على الفرات ودجلة لتحرم السوريين من المياه حتى بخلاف القانون الدولي.

– بقيت خارج الاتحاد الأوروبي، تركيا المبعدة أوروبياً تحتاج الى اقتصاد مشرقي وأقامت علاقات تجارية كبيرة مع إيران ومع روسيا ولفترة مع سورية (على حساب سورية في خطة اقتصادية مشرقية دمرها أردوغان). الخلاف السوري العراقي صبّ في مصلحة تركيا، حيث أقيم خط نفط من منابعه في العراق الى السواحل التركيّة ليباع النفط العراقي منها.

مع بداية الأحداث في الجمهورية السورية اخذت تركيا موقفاً سلبياً من النظام السوري، مناقض كلياً لكل التفاهمات السائدة بينهما قبل ذلك، وبان وبوضوح دور تركي بالمؤامرة على الشام بخبث وخداع ونجاسة، تسويق الإسلام المعتدل هو وسيلة تستعمل أيديولوجية للتدخل بشؤون الآخرين تماماً كما تسوّق دول الاستعمار الكلام عن الديموقراطية وحقوق الإنسان. تلاقت الاطماع التركية مع مخططات الصهيونية العالمية (“إسرائيل” واميركا) في تفتيت الجمهورية العربية السورية، إن إزالة نظام قويّ متمسّك بالثوابت الوطنية ولا يقبل التفريط فيها يسمح للصهاينة من جهة بكسر محور المقاومة من قلبه ويسمح لتركيا باحتلال الشمال السوري وبالأخص حلب. اتخذت تركياً موقفاً معادياً من سورية كدولة وليس فقط للنظام.

صرّح أردوغان علناً عن أطماعه بحلب، بعد ذلك تحوّلت البوابة التركية الى ممر الإرهابيين من القوقاز ودول الاتحاد السوفياتي السابق ومن اوروبا. كانت تركيا رأس الحربة في مشروع المؤامرة وهي العامل الأساسي في سقوط إدلب والرقة وشمال حلب بيد الارهابيين. بسبب التدخل التركي نتجت عنه مجموعة من العقد:

العقدة مع روسيا: ترتبط تركيا مع روسيا بعلاقات تجارية ضخمة وحركة سياحية روسية كبيرة جداً مع تركيا، ليس من صالح أحد من البلدين العداء بل العكس فهما متفقان على استمرار افضل العلاقات، انما وبداية التدخل الروسي المباشر في الحرب وقيام الطائرات الروسية والصواريخ حتى البعيدة المدى بدك مواقع الإرهابيين وتأمين شروط تقدّم الجيش السوري، قامت تركيا بخطوة جريئة جدا دلّت على حماقة، استهدفت طائرة حربية روسية بصاروخ فأسقطتها، قد يكون جس نبض، هل تردّ روسيا على دولة أطلسية؟ هل يتدخل حلف الأطلسي؟ هل يمكن ان تنكفئ روسيا لتلعب تركيا دوراً أكبر؟ خلاصة الموضوع أن مَن تراجع هو تركيا التي أجبرت على الاعتذار على لسان رئيسها وتراجع دورها (مؤقتاً) لصالح روسيا.

ليس في حسابات الحلف الأطلسي حربٌ كبيرة ولم يقبل أن تجرّه تركيا الى مكان لا يريده.

الخطة الأميركية هي إسقاط النظام عن طريق الإرهابيين وليس الحرب مع روسيا. نتيجة ذلك انقلب الأمر لصالح روسيا حين عقدت تركيا معها صفقة صواريخ S 400 مما أثار حفيظة أميركا والحلف الأطلسي.

العقدة الكردية: الأكراد هم عرق او اثنية تتكلّم اللغة الكردية (ليست لغة واحدة بل عدة لهجات قريبة الى الفارسية) وتتوزّع جغرافياً حسب التقسيمات الحالية على اربع دول: تركيا، العراق، إيران وسورية.

النسبة الكبيرة من الأكراد يعيشون في تركيا والأكراد لا يعتبرون انفسهم أتراكاً بل يعتبرون انفسهم قوميّة ويطالبون بدولتهم، والأتراك بعد أتاتورك يعاملون الاكراد على انهم ليسوا أتراكاً ولم تتغيّر العلاقة بين الاتراك والأكراد بوصول الاسلاميين الى السلطة. الأكراد السوريون حلفاء الأكراد في تركيا وعلى عداء مع تركيا، هذا الأمر وضع الأكراد في خانة العداء للتنظيمات الارهابية المدعومة تركياً (أي الى جانب الدولة السورية) وقاتلا تلك التنظيمات في عفرين والحسكة.

المشروع الأميركي يتضمّن إقامة دولة كردية وهذا ما لا تقبل به تركيا لما يشكل خطراً عليها. ناورت أميركا في البداية وتلاعبت بالأتراك والأكراد، ولكنها في النهاية ملزمة باحتضان الأكراد لعدّة اسباب:

اولاً: الدولة الكردية او الفيديرالية.

ثانياً: منابع النفط تحت السيطرة الكردية.

ثالثاً: العلاقة الأميركية الكردية في العراق والتي نجم عنها نفوذ أميركي هناك.

العقدة الأميركية: الولايات المتحدة تريد تدمير سورية واقتلاع النظام فيها بهدف إقامة دولة هزيلة تقبل الشروط الإسرائيلية وبهدف قطع الطريق الإيرانية مع ح ز ب الله في الأراضي السورية ومن خلال ذلك تدمير المقاومة. أميركا نحو غايتها اعلنت العداء للنظام في سورية وأيّدت حركات التغيير وفي الوقت نفسه أعلنت العداء للتنظيمات الإسلامية المتطرفة (داعش والنصرة) بينما هي من أسّس داعش ودعمها لوجستياً وبالسلاح وقامت بنقل عناصرها بين منطقة واخرى. أميركا كانت صادقة بالعداء للدولة السورية وكانت مخادعة في كل شيء آخر، مخادعة مع تركيا ومع المعارضة السورية الداخلية ومع الأكراد.

العقدة الخليجية: تتلاقى دول الخليج (السعودية والإمارات والبحرين) مع تركيا والى جانبها قطر في محاولة إسقاط النظام السوري ويختلفون على البديل، ففي حين أن تركيا تؤيّد الاخوان المسلمين التابعين مباشرةً لها فإن دول الخليج تخاف من الدور التركي وتخاصمه كلياً فيحاربون الاخوان المسلمين ويدعمون تنظيمات اسلامية ترتبط بالوهّابية. الفريقان وبعد السيطرة الكليّة تقريبا لداعش والنصرة كلّ منهما اتخذ جهة، الحروب ما بين التنظيمات الارهابية قلّصت نفوذهم وكانت واحدة من أسباب هزيمتهم. اذا اردنا ان نصل الى خلاصة نستنتج أن تركيا استثمرت بالخداع، لكنها بعيدة عن مراميها.

هي في الحلف الاطلسي وتعادي اليونان الحليف، تشتري السلاح الروسي وتقيم معاهدات تجارية مع إيران الخاضعة للعقوبات الأميركية. هي تعادي الخليج المقرّب من اميركا من دون أن تكون حليفة لإيران، هي صديقة لحماس من دون ان تعادي “إسرائيل”. دخلت بجيشها وضربت الأكراد في عفرين ولا تستطيع ذلك في الحسكة، دخلت إدلب وتراجعت جزئياً بعد طرد الجيش السوري الإرهابيين وتوقف تحرير إدلب بطلب روسي على أن يتم سلمياً. لم تستطع تركيا تحقيق غاياتها في سورية لكن دورها كان مؤلماً كلياً.

إن الوضع الراهن لم يسمح بعد بإنهاء الدور التركي رغم تراجعه والحرب مستمرّة بطرق عدّة، أما عن طرد تركيا من كل الأراضي السورية فشرطه الوعي القوميّ ونهوض الأمة من كبوتها كأمّة وليست ككيانات متفرقة ومشتتة.

 

*قيادي قومي، عميد إذاعة.

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.