مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#مأمون_ملاعب: حروب كثيرة في حرب واحدة.. هل تريد “إسرائيل” السلام؟ (8)

 

مأمون ملاعب*

 

منذ 1948 وحتى 1973 لم تُطرح أي مبادرة سلام. ولم تطبّق دولة العدو قرار الامم المتحدة رقم 194 بخصوص عودة اللاجئين. وطبعاً لم يضغط عليها أحدٌ لذلك. عام 1967 اجتاح العدو كامل الضفة الغربيّة وكل سيناء والجولان. صدر عن الأمم المتحدة قرار مبهم يحمل الرقم 242 والقاضي بانسحاب “اسرائيل” من أرض محتلة من دون أيّ تحديد. وطبعاً، لم يتم أيّ انسحاب ولم يطالب “إسرائيل” أحد بذلك. حرب اكتوبر 1973 كانت الحرب الأولى التي تخوضها جيوش عربية. وعن جدارة حرّر الجيش السوري القنيطرة في وقت قصير وانطلق باتجاه طبريّا وشهدت سماء لبنان عشرات المعارك بين الطائرات السورية والطائرات المعادية. لم تستطع طائرات العدو عبور الجولان بسبب صواريخ سام فكانت سماء لبنان هي الممرّ نحو الشام فتصدّت طائرات الجيش السوري ببسالة عظيمة لها. وعبر الجيش المصريّ خط بارليف متقدماً في سيناء.

كان الجيش الاسرائيلي محرجا لأوّل مرة، لكنه استطاع فتح ثغرة الدفرسوار واجتياز القناة الى غربها مما أربك الجيش المصري. وبمعزل عن تفاصيل واسباب هذه الثغرة ومكامن الضعف او غير ذلك، فإن النتيجة كانت توقّف الحرب على الجبهة المصرية لينطلق جيش العدو ويتفرّغ للجبهة في الجولان ما مكّنه من احتلال المرتفعات مجدداً وصولاً الى جبل الشيخ في حرب استنزاف طويلة مدّت فيها أميركا العدو بكل ما يحتاج خلال الأيام الأولى ومع عجزه تراجع الجيش “الاسرائيلي”. طرحت فكرة وقف إطلاق النار من خلال مجلس الأمن، أبلغ كيسنجر قادة العدو انهم ملزمون بالانتصار. وطبعاً لم يطرح أي قرار قبل ان يستعيد العدو زمام المبادرة. قادة العدو وقادة أميركا يدركون جيداً أن الشرط الأول لبقاء “إسرائيل” هو تفوّق جيشها على جيوش أخصامها مجتمعين.

الحاجة إلى مبادرة سلام:

حرب أكتوبر وضعت العدو بمجال التهديد، فكان لا بدّ من خطوة لإزالة هذا التهديد ولو بتضحية مؤقتة. ثغرة الديفريسوار، اتفاق الهدنة بالخيمة 101، ووضع مصر الاقتصاديّ فتح الطريق إلى كامب دايفيد. كل خطوات السادات كانت بإرشادات أميركية منسّقة مع العدو بدءاً بأي تصريح وصولاً الى زيارة الأقصى. تغطية الخيانة تأتي من الشعائر الدينية. طلب السادات الصلاة في الأقصى ولاقته “إسرائيل” بالقبول. اتفاقية كامب دايفيد ألغت الجبهة الجنوبيّة للعدو والأردن أصلاً ليس في وضع حرب وهناك اتفاقات سريّة مع العدو فتبقى أمام العدو جبهة واحدة في الجولان (لبنان لم يكن في الحسبان).

“إسرائيل” تخلّت عن سيناء لمصر مقابل عدم وجود أي تهديد فيها ولا حتى لجيش مصريّ. ومرّت الاتفاقية بهدوء اثر انشغال المنظمات الفلسطينية بالحرب اللبنانية وحتى انشغال كل العرب. طُردت مصر من الجامعة وكانت تأمل انتعاشاً اقتصادياً بالدعم الاميركي الذي أتى شحيحاً. بعد فترة قتل السادات، أعادت الجامعة العربية مصر الى الأحضان من دون ان تتغيّر المعطيات. حمل السادات وزر الاتفاق مع العدو ورحل وبقي الاتفاق! المشيئة الأميركية.

أوسلو:

اتفاقية اوسلو ليست اتفاقية سلام ولا بأي مقياس. “اسرائيل” حصلت على اعتراف مِن مَن يدّعي تمثيل الشعب الفلسطيني وحصلت على خدمات أمنية ومخابراتية مقابل لا شيء. لم تنسحب من أي أرض ولا قدّمت أية تنازلات. وبعد عشرات السنوات انتهت مفاعيل اوسلو تماماً بالنسبة الى الفلسطينيين؛ وعليه نستطيع القول إن العدو لم يسع الى السلام من خلالها وحصل على شبه استسلام. اما اتفاقية وادي عربة فلا قيمة لها من ناحية السلام.

المفاوضات مع سورية.

أعلنت “اسرائيل” ضم الجولان رسميا الى دولتها (لم تضم الضفة) واعلنت انها لن تتخلّى عن الجولان واعترفت الولايات المتحدة بأن الجولان جزء من “دولة اسرائيل”، نستطيع ان نقول ان لا نيّة لدى العدو للتفاوض مع الجمهورية العربية السورية المتمسّكة بشروط لا يمكن لـ”إسرائيل” القبول بها ونبني ان كل المفاوضات كانت شكلية.

في رحلتين من التاريخ الحديث اعتقدت الولايات المتحدة أن الجمهورية العربية السورية في مأزق وانها قد تذهب إلى مفاوضات استسلاميّة.

الاولى: بعد أزمة الكويت أي خلال مؤتمر مدريد. بعد هيمنة اميركا على كل الخليج. تصرّفت سورية بطريقة امتصاص الضغط حين شاركت في الكويت بفرقة لوجستيّة وتمكنّت من بسط السيطرة في لبنان بإنهاء حالة العماد عون. في هذه المرحلة كسبت سورية سياسياً حين تم اتفاق الطائف برعاية سعودية واميركية وسوريّة أي قبول أميركي بوضع لبنان آنذاك.

الثانية: بعد احتلال العراق، قدم باول الى دمشق وفي خلفيته أن سقوط بغداد يعني سقوط دمشق وليس امام سورية الا القبول بما يُملى عليها من شروط والذهاب الى مفاوضات تتنازل فيها.

كانت سورية آنذاك من دون سند دولي بغياب دور روسي واحادية القطب الأميركي الموجود عسكرياً على حدودها الشرقية. لكن سورية صمدت امام كل لضغوط واحتضنت مقاومة عراقية. تحوّل احتلال اميركا للعراق الى إرباك لها مما ادّى الى انسحابها وتغيير المخطط حيث أوجدوا داعش وعادوا بشكل مختلف.

نستطيع أن نستنتج أن أي مبادرة سلام قامت بها الولايات المتحدة كانت لخدمة العدو بطريقة ما وأن أي مرّة يستطيع العدو التفوّق وحتى نقض الاتفاقات فسيتم ذلك برعاية أميركية.

إن فكرة السلام بحد ذاتها غير قائمة عند العدو والمطلوب من شعبنا أن يعي ذلك.

طبعاً نحن غير متنازلين عن حق لنا في أي شبر أرض لكن بعض الفرقاء في لبنان، وحالياً في ما يُسمّى المعارضة السورية وبعض الفرقاء بالعراق يسيرون بالمحور الأميركي ويعلنون قبولها بسلام ما.

أما ما جرى مؤخراً من تطبيع مع دول غير مواجهة ليس لها أي دور بالحرب، هذه الدول قدّمت خدمة لأميركا وللعدو، لكونها دول تابعة ولا تمتلك قرارها وقرارات لتطبيع لن تضرّ حاملي القضيّة بشيء ولن تخدم السلام المزعوم بشيء.

أخيراً أن طرح صفقة القرن الفاشلة هو الدليل الواضح على عدم جديّة الولايات المتحدة بموضوع السلام أبداً ونعود إليها لاحقاً.

*قيادي قومي، عميد إذاعة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.