مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#د.كلود_عطية: الحركة الحزبيّة بين الالتزام الأخلاقيّ وعدم المبالاة!

 

د.كلود عطية

 

الحركة الحزبية التي لا تهدأ في كل مكان من هذا العالم، تكاد لا تكون منفصلة عن الذات المؤسسة لهذه المدرحيّة العظيمة التي شرعت قوة الجسد في تلاقيه مع الروح وأعطت للمادة قيمتها حين تكون لها أهدافها القيميّة المنسجمة مع المنهج الإنساني الأخلاقي. وبالتالي لا تكون الحركة الحزبية الناشطة الا جزءاً لا يتجزأ من الالتزام الذاتي بالمبادئ المحركة والهادفة بعيداً عن انعزالية الأفكار أمام الفكر وتقوقع الافراد أمام الادارة المؤسسية المسؤولة.

 

في هذا السياق، وعلى الرغم من الدور الذي تلعبه الأحزاب لإثبات وجودها وفاعليتها ومشاريعها الهادفة للوصول الى السلطة وادعاء الممارسة الديمقراطية بعد وصولها، بما يسمح بتثبيت مبادئ الحزب واستراتيجيته وخططه، وإقناع المزيد من المواطنين واستقطابهم وتعميق المشاركة السياسية لهم تحت راية الحزب ومشروعه. الا أن هذه الأحزاب هي وليدة اللحظة الراهنة بأحداثها ومواقفها وحاجات المجتمع وأفراده. بالإضافة الى أنها قد تكون صادرة عن طوائف ومذاهب لحماية ابنائها والدفاع عن حقوقهم وتثبيت وجودهم ودورهم في الحياة السياسية والاجتماعية.. وبالتالي هي أحزاب لا يكون الالتزام فيها عقائدياً وليس بالضرورة أن يكون أخلاقياً بل هي ترتكز على أسس المصلحة الذاتية المنعزلة عن المصلحة العامة.

 

أما الأحزاب السياسية النهضوية التي لها جذورها العميقة في تاريخ الأمة الحديث، حيث نشأت وتطورت بتطور مفاهيم النهضة والصراع والمواجهة. لا تكون حركتها الا حركة صراع من أجل النهضة والحياة والخروج من براثن الجهل والتقوقع الى الحرية والانفتاح والتحرر من أية قيود داخلية أو خارجية.. كما التخلص من التفكير الرجعي والخيانة والانعزالية والتمرد على المجتمع الواحد ومحاولة تقسيمه كما مواجهة التمرّد وزرع الفوضى بين الشعب الواحد ومحاولة تشتيته وتفتيته، بالإضافة الى أنها أحزاب ثابتة في مواقفها انعكاساً للتفاعلات والأوضاع السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية السائدة.

 

أما موضوع الالتزام فهو يختلف ما بين الاحزاب العقائدية والاحزاب الأخرى، كما أنه يختلف بين الاحزاب العقائدية نفسها. فالعقيدة الاخلاقية تختلف عن العقيدة التدميرية والإلغائية.. وبالتالي يأتي مبدأ الالتزام بين الأفراد من أجل مصلحة الحزب العليا أو من أجل إيجاد حل للقضايا العامة والحزبية المتراكمة مثلا، وبخاصةٍ أنه أصبح يتأثر بقرارات السلطة الحزبية باعتباره ملتزماً.

أما الأفراد الذين لا يعنيهم مبدأ الالتزام الذاتي فهم مشاركون في زعزعة الحزب وتفاقم  مشاكله من جراء عدم اهتمامهم بشؤونه الداخلية والإدارية، لذلك قال أفلاطون: “إن عقاب الذين لا يعملون أو يرفضون العمل بالشؤون العامة، يقع في أيدي الأقل فضيلة منهم”.

 

أما مقاربة مسألة الالتزام مع دور الأحزاب السياسية لخدمة المجتمع ونهضته فهي مقاربة أخلاقية، خاصة ان الالتزام الاخلاقي يدخل في صلب الحياة الحزبية والسياسية والاجتماعية.

 

بالإضافة الى الالتزام الاخلاقي، الذي يرتبط فقط بالأحزاب التي تقوم على عقيدة الاخلاق؛ يأتي الالتزام ايضاً وليد عدة عوامل اجتماعية، اقتصادية وسياسية، تدفع الأفراد على الالتزام في حركتهم الحزبية لإحداث تغيير فاعل في المجتمع. وبما أن الالتزام هو وليد عوامل محددة، إلا أنه أيضًا يظهر عند أفراد معيّنين وليس جميعهم. مفاده أن هؤلاء الأفراد أصبحوا ملتزمين بسبب قوة الإيمان بالعقيدة وممارستها بالفعل وليس بالقول، والتي طبعت في تفكيرهم أسس الالتزام الحزبي والسياسي وقيمه.

 

بناء عليه، لا يكون الالتزام مجرد كلمات وخطابات افتراضيّة، ولا يكون بالتعهد الحزبي الشكلي لبرنامج الحزب وقرارات قيادته، وحب الظهور والتملق وإظهار الولاء المشبوه للحزب، مرتبطاً بسلوكيات ومواقف مناقضة للمبادئ الحزبية الأساسية.. بل يكون التزاماً أخلاقياً هادفاً.. يعزّز من ترابط الأفراد وتفاعلهم بشكل أفضل مع بعضهم البعض ويساعد على تهدئة الاضطرابات والاختلافات الناشئة ويقرب وجهات النظر ويعيد الأفراد الضالين الى المؤسسة تحت راية العقيدة الاخلاقية التي يكون تطبيقها القوة الحقيقية في نهضة المجتمع وتطوره.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.