مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

#د.هالة_الأسعد: مؤشرات حاكمة في سياسة بايدن.. النهج العدوانيّ نفسه بمظاهر مختلفة

 

د.هالة الأسعد*

 

اذا اردنا الحديث بمقارنة بين الرؤساء للمنظومة الأميركية، كمفهوم دولة، فان ذلك يعتمد على عدة مؤسسات داخل هذه الدولة ذلك لأنها تعتبر بمفهوم علم السياسة بالدولة العميقة، وبالتالي فإن السياسات والقرارات الأميركية في الخارج مرتبطة بهذه المؤسسات والتي أهمها بل هي الموجّه الحقيقي (مؤسسة الاستخبارات والمؤسسة الاقتصادية)، التي ترسم المسارات الاستراتيجية لها وهي من تحدّد سلوكها تجاه القضايا الاساسية بما تراه يتلاءم مع مصالحها التي قد تتوافق عليها وقد تختلف. فالاحتدام الذي يظهر للعيان يرتفع منسوبه بمستوى الخلاف على تشخيص المصلحة الاميركية، وليس من التباين في النظر إلى الأطراف الخارجية.

 

 ومن هنا ممكن ان ينظر المراقب السياسي الى محاور توضّح المقصود من سياسة هذه الادارة او خطتها الظاهرة للعيان سواء اعلامياً أو سياسياً:

 

١.بايدن الديمقراطي وأماني عدل الجلّاد:

يطل علينا بين الفينة والأخرى أبواق الإعلام من هنا وهناك بأمرٍ من صنّاع الرأي العام ومروجي البروباغندا السياسية الذين يدفعون تريليونات الدولارات لتوجيه الرأي العام وترسيخ الأكاذيب الإعلامية من خلال التأكيد عليها وتزيينها بالمحاسن المرئية والمسموعة والموسيقا التصويرية المؤثرة وتكرارها حتى تترسّخ عقيدةً لدى الشارع العام والمجتمع الذي لا يفقه خفايا دهاليز السياسة التي تعتبر متاهاتٍ لا يمكن الخوض في غمارها لأيٍّ كان.

بايدن الديمقراطي المنقذ والمصحّح للنهج الأميركي والرئيس القانوني القادم لأميركا والذي يحترم حقوق الإنسان والمعاهدات الدولية والذي سيعيد النظر في أخطاء الإدارة السابقة لا سيما مع إيران وسورية والعالم العربي والشعب الفلسطيني… هذه إحدى الدعايات التي لا تملّ ولا تفتأ الصحف والشاشات العالمية والإقليمية على التأكيد عليها.

 

*بايدن وإسرائيل تاريخٌ من الولاء:

في الحقيقة لا يمكن تقييم أي فردٍ من خلال كلامه ووعوده بعيداً عن مرور سريع حول تاريخه وعلاقاته ومواقفه السابقة في المحافل السياسية وخصوصاً البدايات السياسية لهذه الشخصيات هي التي تحدد صُنّاع هذه الشخصية وداعميها لتتوالى في سُلّم المناسب إلى أن تتقلد زمام الأمور وتبدأ الخدمة المخلصة لذوي الفضل الذين أوصلوها لهذه المكانة بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى. فالولاء للداعمين لا للوطن ولا للناخبين، فهؤلاء وإن جاءت بهم صناديق الاقتراع لكن أصوات الناخبين البريئة ضحية الدعاية الإعلامية التي ينفق الداعمون فيها الغالي والنفيس لإيصال أزلامهم للسلطة. ولكي لا نشطّ عن موضوعنا وعودةً على محور نقاشنا وهو جو بايدن فمنذ ما يزيد على أربعة عقود ونصف كان قد التقى خلال زيارته الأولى إلى الكيان الصهيوني في عام ١٩٧٣م رئيسة الوزراء غولدا مائير كعضوٍ جديد في مجلس الشيوخ الأميركي تؤسس الصهيونية له في البلاط الأميركي ليكون رجل إسرائيل يوماً ما وأي لقاءٍ مهم هذا حيث وصفه بايدن بأنه “كان من أكثر الاجتماعات أهميّة” من حيث تأثيره على حياته. منذ ذلك الحين بدأت علاقة بايدن مع الإسرائيليين وهو ما يزيد على نصف عمر الكيان الغاصب وهي علاقة حبٍّ عتيق ورثه عن أبيه. تستمر العلاقات وتتوطد سرّاً وعلانية ليعود بايدن ويصرّح مجدداً عام ١٩٨٦م : “إنه إذا لم تكن إسرائيل موجودة، فستضطر الولايات المتحدة إلى اختراع إسرائيل لحماية المصالح الأميركية”، وقد تصدّرت تصريحاته تلك عناوين الصحف آنذاك، ثم تكررت تلك التصريحات في مناسباتٍ مختلفة وكان أبرزها ما نقلته شبكة CNN عنه: “إذا كنت يهودياً فسأكون صهيونياً، والدي أشار إلى أنه لا يُشترط عليّ أن أكون يهودياً لأصبح صهيونياً، وهذا أنا. إسرائيل تعتبر ضرورية لأمن اليهود حول العالم” ولقد أعادها مرةً أخرى حيث صرّح (لـشالوم تي في) عام ٢٠٠٧م : “أنا صهيوني، لا يجب أن تكون يهودياً لكي تكون صهيونياً”.

وعلى الصعيد العائلي والمحيط الضيّق فقد تفاخر رجل إسرائيل أيضاً بزواج ابنه من امرأة يهودية واستمتاعه بحضور عيد الفصح في منزلهم، وأبدى سعادته الفائقة بزواج ابنته من جراح يهوديّ عام ٢٠١٦م وقد قال حينها لقد حققت حلمي.

كل ما قدّمناه من تاريخ الرجل يؤكد عمق العلاقات مع الكيان واللوبي الصهيوني في أميركا وأنه كما يعلم الجميع رجل إسرائيل لهذه المرحلة بعيداً عن الرتوش التي يرسمها الإعلام له فهو مجرد فزاعة جديدة بيد الصهاينة داخل وخارج أميركا.

 

*القدس وحلّ الدولتين:

عُرف بايدن بأنه مؤيد صريح للكيان وله في هذا الإطار سجلٌّ حافلٌ بالمواقف المؤيدة لإسرائيل والداعمة لها حيث قال في خطابٍ ألقاه عام ٢٠١٥م إنه يجب على الولايات المتحدة التمسك “بوعدها المقدس بحماية وطن الشعب اليهودي”. ولهذا كان الرجل محطّ مديح القادة العسكريين والسياسيين وثقتهم فلقد قال عنه نداف تامير الدبلوماسي السابق ومستشار السياسة الخارجية للرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز “نحب الأشخاص الذين يحبوننا”. وأكد لوكالة فرانس برس “ما من شكٍّ في أن بايدن صديق يُكنُّ مشاعر قوية جداً تجاه إسرائيل”. وأردف تامير أنَّ بايدن “سيفعل أفضل بكثير من ترامب في ما يتعلق بالقضايا الفعلية لأنه يدرك أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس لعبةً متعادلة نتيجتها صفر”.

أما شافيت، ضابط المخابرات العسكرية السابق الذي عمل في مكتب نتانياهو من ٢٠١١ إلى ٢٠١٥م، فلقد ركّز على أن بايدن شخصية مألوفة بالنسبة للطبقة السياسية في إسرائيل وهي ترتاح جداً لدى التعامل معه. خاتماً قوله صراحةً بأن: “بايدن يعرفنا ونعرفه”.

موقف جو بايدن من القدس معروفٌ منذ تسعينيات القرن الماضي حيث أيّد مشروع قانونٍ أصدره مجلس الشيوخ عام ١٩٩٥م يقضي بإقامة سفارة أميركية في القدس بحلول عام ١٩٩٩م قائلاً إنّ الخطوة ستوجّه “رسالة صائبة”.

 

*بايدن والاتفاق النووي الإيراني:

وعندما يتحدث أحدهما أو كلاهما عن منطقة ما يسمى (الشرق الأوسط) وللمكانة والموقع الاستراتيجي سياسياً واقتصادياً ادى الى التنازع العالمي على المنطقة، والتعامل مع الملف الإيراني بعدوانية وتبني ترامب سياسة مختلفة تعتبر إسرائيل ومسؤولوها جو بايدن جزءًا مهماً من الاتفاق النووي الإيراني حيث أعرب مسؤولون إسرائيليون لموقع “المونيتور” العام الماضي عن إعادة هذا الاتفاق إن فاز الديمقراطيون في الانتخابات الأميركية هذا العام. وكتب موقع “المونيتور” أن “سجلّ بايدن التاريخي الحافل بدعم إسرائيل سيجعله أفضل المرشحين الأميركيين القادرين على الدفاع عن الاتفاق النووي مع إيران، من دون تشكيك بنياته تجاه إسرائيل”.

وقال مسؤول أميركيّ سابق للصحيفة إن بايدن كان صوتاً رئيسياً في إدارة أوباما يدعو لتهدئة مخاوف إسرائيل من الاتفاق النووي مع إيران التي عارضها نتنياهو بشدة، وهو ما أدّى في نهاية المطاف إلى زيادة أوباما للمساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل إلى ٣٨ مليار دولار.

 

*تصريحات بايدن خلال دعايته وحملته الانتخابية:

يعرف الرجل جيداً مأكل الكتف في الانتخابات وكيف يمكنه ضمان الوصول لمفاتيح سلطة البيت الأبيض ولهذا ركّز جيداً على تطمين اليهود ومغازلة إسرائيل خلال كلماته المتكررة. فعلى سبيل المثال لا الحصر فلقد نقلت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عنه بأنه يرحب بتأييد المجموعة الرئيسية، في محاولة لتحريك الدعم اليهودي الأميركي خلال الانتخابات، إذ أنَّ المجلس الديمقراطي اليهودي الأميركي هو القادر على دعم المرشح الأول في الانتخابات، فيما يواصل بايدن تجنيد التصويت اليهودي.

بعد ما قدمناه حول تاريخ علاقات السيد بايدن مع إسرائيل لا يتبقى اي شكً في كيفية مستقبل إدارته وتصرفاته في المرحلة المقبلة حيث سيتابع الرجل خطواته الواثقة لتدعيم وتجذير إسرائيل والدفاع عنها وضرب مصالح أعدائها بكل ما يستطيع من قوة لا سيما أنه في ولايته الأولى وعليه إثبات الولاء لاستمرار الدعم الإسرائيلي الذي يشكّل حصة الأسد في الانتخابات الأميركية. لا شكّ مطلقاً عن أن إدارته ستكون أكثر عمقاً وخبثاً في التعامل مع المجتمع الدولي وستعيد للأذهان الدور الناعم اللطيف المسموم والمغلّف بكلمات السلام والديمقراطية واحترام القوانين الدولية وبناءً على تعليمات القادة الحقيقيين ستكون التحركات أكثر حنكةً ودهاءً تغلفها الكلمات والدعوات الهادئة واللهجة التصالحية لاستدراج الخصوم إلى مفاوضات جديدة والتحكم بطرفي المعادلات والضغط باتجاه التهدئة الكاذبة ولعلّ أول ما ستقوم به الإدارة الأميركية هي الحديث عن الاتفاق النووي والتلويح بالعودة إليه لكن ثقوا تماماً أنه ليس الاتفاق السابق لكنه اتفاقٌ جديد ظاهره العودة للاتفاق النووي وباطنه ملفات جديدة تخصّ ملفات داخليةً وإقليمية وأمنية لكن كلُّنا ثقة أن الإيرانيين لن يقعوا في الفخّ المغطى بالورود وسيكونون على أهبةِ الاستعداد. أما على الصعيد السوريّ فسيتابع الأميركيون الضغط السياسي والاقتصادي على الأسد من خلال حلفائهم وأذرعهم في المنطقة وكذلك تعزيز وجودهم على الحدود السورية العراقية وبالاتجاهين معاً والضغط مجدداً على الروس لدفع الأسد للتنازل والإسراع بحلٍّ يخدم الإرادة الإسرائيلية والأميركية وتحقيق مصالحهما في سورية، وحثّ الأسد على إعادة النظر بعلاقاته مع الحلفاء لا سيما مع فقدانه كل الخيارات الاستراتيجية بعد أن سلبته الحرب الكونية على بلاده الكثير من قوته واستقلالية قراره. وكلّي ثقة أن الدعم لتنظيم داعش سيزداد في الربع الأول من ولايته لتحطيم المعنويات وخلق فوضى يحبها الأميركيون كثيراً ويعتبرونها طريقتهم المُثلى عندما تنفد خيارتهم وهذا ما يعيد الخوف لأذهان الشعب في سورية ويعيد اليأس إلى النفوس ويعرقل جهود الحلّ والبناء وعودة المهجّرين واللاجئين إلى بلادهم وسنرى خلطهم لأوراق اللعبة التي استقرت منذ فترة قريبة بوجود اللاعبين الثلاثة لحرمان الأسد من فرصة الانتخابات التي سيدخلها حتماً من دون أدنى شكّ وسيضمن نجاحه فيها لكن مع معادلة داخليةٍ معقدةٍ مشحونة.

أما في ما يخصّ القضية الفلسطينية فسيعيد الأميركيون الجدد النظر بما آلت إليه القضية ويدّعون كذباً رفضهم لهذه الصفقة أو وجود ملاحظات عليها موهمين الفلسطينيين أنهم يريدون تحقيق سلام وحل الدولتين، لكنهم فعلياً يمنحون الصهاينة المزيد من الوقت لقضمٍ هادئ للمزيد من الأراضي الفلسطينية والمزيد من الخداع للشعوب العربية والشعب الفلسطيني تلافياً لحدوث انفجارٍ شعبيّ لا تُحمد عقباه وإن كان احتمال حدوثه في دول الديكتاتوريات الإقليمية يقارب الصفر.

 

.٢. العلاقة مع تركيا ضغط ولين معاً:

أما على صعيد علاقات إدارته بتركية فالرهان على الضغط واللين هو الخيار الأسلم للتعامل مع تركية حيث على خلاف إيران فإن سياسة العقوبات والضغط يمكن أن تؤثر كثيراً في سلوك الأتراك لا سيما أنها دولةً سياحية تفتقد مصادر الطاقة التقليدية في أراضيها. وهذا ما يجعلها رهينةً للخارج بما يزيد عن نصف اقتصادها فبمجرد تشديد العقوبات عليها ستهتز الجبهة الداخلية وتزداد ترنّحاً ويمكن أن تصل إلى ما لا يُحمَد عقباه، لكن الإدارة التركية الحالية فيما إذا تغاضينا عن علاقاتها مع الروس تُعدّ نقطة ارتكازٍ إقليميّة فهي رأس حربةٍ في حلفٍ فتيّ من الإخوان وعصا يتم التلويح بها مقابل المحور المصري الخليجي للحفاظ على حالة التوتر الدائم في المنطقة لذلك ستكون العلاقات خجولةً مترنحة وقلقة غير مستقرة لكنها لن تؤثر كثيراً لكون الإدارة التركية تعرف المدخل إلى القلب الأميركي وهو البوابة الإسرائيلية.

الشهور القلائل المقبلة كفيلة أن تكشف صدق ما عرضناه ولتؤكد الكلمات المعروفة في الشارع العربي العملة الأميركية واحدة بوجهين لكن الدماغ واحد والمخطِّط واحد ولو اختلف المنفذّون.

 

*امين عام حامعة الامة العربية المقاومة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.