مجلة وموقع إعلامي شامل
مجلة وموقع مشرقيّ اقتصاديّ ثقافيّ سياسيّ شامل

مدرسة القامات السوريّة.. الفقيد المعلم بصمة بهيّة فيها

هاني سليمان الحلبي*

ونحن نواري جثمانك اليوم في التراب السوريّ المقدس، نوقن أن القامات لا تُوارى!

وبصفتي مواطناً، يحمل جنسية دولة لبنانية، مسلوخة عنوة عن سورية، وما زال واثقاً أن بلاده ستستعيده، بأية وسيلة من وسائل استعادة الفرع إلى الأصل، معنيّ بتأبينك، وأنا لست مستوزراً أو مستنوباً ولا طالب منفعة من أية جهة، كالوصمة الرائجة عن معظم سياسيي لبنان الذين ينقلبون بين مشرق شمس وغروبها.

أتذكّر منذ بدايات شبابي، بخاصة عندما كنتَ مندوب الجمهورية العربية السورية في جمعية الأمم المتحدة، كنتَ صوتنا. وفي البدء كان الصوت وبه تقام المعاني والقيم.

عندما ارتفع صوتُك – صوتُنا في جمعية الأمم المتحدة، صوتُ سيادتنا الأولى على أرضنا، ضد منظومة العدوان اليهودية الصهيونية والأميركية الأوروبية الحليفة لها، والعربيّة العبريّة الخدين السري للصهيونيّة، كنتَ لسان أمة تامة، وصوت كينونة تاريخيّة لن تزول ولا تزول، لأنها تعرف ماهيتها، أمة سورية عندما تمّ تعريبها أُقصيَ ما تبقى من تاريخها ما قبل العروبة، ولكن بما بقي منه فاعلاً شرّف العروبة وأعطى العرب فوق ما يستحقون.

كنا نخجل بمندوب لبناني – مندوبة لبنانية، وما زلنا، ليصل إلى درجة تسويغ العدوان وتبرير حصوله، مستوحياً من الملهم السنيورة فلسفة الاعتذار من المعتدين، لأننا نكلفهم بما ينفقون بالعدوان علينا ولأننا لم نتمكّن من هدم قلعتنا بأيدينا.

هي معادلة القامات السورية التي أطلقت مدرسة فريدة في هذا العصر..

أيّ وزير دفاع مستعدّ لخوض معركة خاسرة بالنتائج المباشرة ليربح معركة التاريخ أمام نفسه وأمام وجدان أمته غير أول وزير حربية سوريّ هو يوسف العظمة؟

أيّ رجل دين إصلاحيّ يعتبر فصل الدين عن الدولة ضرورة مدنيّة وشرعيّة لصلاح كل منهما غير الشهيد الشيخ عبد الرحمن الكواكبي الحلبي؟

أيّ قائد ثوريّ يطلق نداء إلى السلاح إلى السلاح يا أماجد العرب السوريين ويهدم بيته لأنه لم يتمكن من حماية ضيف مقاوم ويشنّ حرباً مفتوحة طيلة سنوات مديدة ويقبل المنفى إلى وادي السرحان جنوبي بلاد الشام بجوار الأفاعي والضواري ليفرض تسوية مشرّفة أسست لسقوط الانتداب المجرم وبداية استقلال وطني ويعود بعدها مترفعاً عن أي منصب رسميّ وغير رسميّ سوى زراعة أرضه بحلال زلال، غير قائد الثورة السورية العام سلطان الأطرش..

أيّ زعيم يكشف الشخصية السوريّة بقيمتها وجوهرها وحضورها، ويطلق نهضة تضع مصلحة سورية فوق كل مصلحة، وفلسفة جديدة باهرة تسفّه الاتجاه المادي الرأسمالي بمعزل عن الروح والاتجاه الروحيّ الفلسفيّ والدينيّ بمعزل عن الرقي المادي ويرتقي شهيدَ مبدئه ويراهن على انتصار عقيدته في أجيال لم تولد بعد من الشعب السوري غير أنطون خليل سعاده.

أيّ رئيس جمهورية يبني من الأنقاض التي تركتها انقلابات عسكرية متلاحقة دولة وجيشاً لن تقوى عليها كل ديناصورات العدوان طيلة عشر سنوات، سوى الرئيس الكبير حافظ الأسد..

أي رئيس جمهورية فتيّ في بلدان العالم كله، يقود في أواخر ثلاثينيّات عمره دولة مستهدَفة وبعد سنوات قليلة يقول لا لمندوب روما المعاصرة، نهر العسكر والدمار، ويسهم جوهرياً في تصليب مقاومة العصر ضد العدوان لتصبح جيشاً شعبياً ضارباً عصياً على الهزيمة ويحقق معجزة الصمود السوري قيادة وجيشاً وشعباً في أنماط الحروب العدوانيّة كافة علينا سوى الرئيس بشار حافظ الأسد…

مدرسة القامات السوريّة وحدها فرادة الدبلوماسية والسياسة السيادية والحرب القومية، وحدها قالت لأروبا العجوز المتهالكة “أنتِ غير موجودة على الخريطة”، لأنك إمعّة. وحدها مدرسة الأبواب المفتوحة والقلوب المشرعة للأشقاء ينالون حقوق مواطنين، إن أحبّ الأبناء بعض وفاء فيعودون إلى صدرها.

والقامة الراحل وزير الخارجية السورية الفقيد وليد المعلم باقٍ بصمة بهيّة في مدرسة القامات.

رحمه الرب السوريّ، الذي كان يدعونا إلى إلقاء سيوفنا لنزرع الأرض، (حسب رُقيمة من آثار تدمر: الق سيفك واتبعني لنزرع الأرض سلاماً)، لكنه هو نفسه يدعونا اليوم إلى امتشاق سيوفنا جميعاً دفاعاً عن سورية وطن الإله والقامات.

البقاء لسورية.

 

*كاتب لبناني، مؤسس وناشر موقع حرمون.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.