مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

قطاع الطاقة والمحروقات: القطاع العام أم القطاع الخاص؟

23

زياد حافظ*

 

أزمة المحروقات المفتعلة والحلّ السريع لها كانت محطّة لافتة في سياق الأزمة الانتفاضية التي يعيشها لبنان. فجأة توفقت محطّات المحروقات عن تزويد المواطنين بسبب إضراب عام لأصحاب المحطّات وفجأة استطاعت الدولة، القطاع العام، بقرار من وزيرة الطاقة حلّ المشكلة.

ليس الهدف هنا سرد الأسباب التي أدّت إلى وجود تلك الأزمة التي لم يكن هناك أيّ مبرّر لوجودها في الأساس بل التوقّف عند ملابسات الجدل التي تثيره مقرّرات مؤتمر “سيدر” التي لحظت وجوب الخصخصة كشرط من ضمن الشروط لتوفير القروض التجارية للبنان (وليست القروض المدعومة!). وهذه الملابسات تطرح ملاحظات عدة حول مبدأ جدوى الخصخصة التي يعتبرها روّاد النيوليبرالية، وهم كثر في لبنان وفي مراكز النفوذ وتكوين الرأي، كحلّ سحري لمختلف الأزمات الاقتصادية التي يمرّ بها لبنان.

الملاحظة الأولى هو إخفاق القطاع الخاص بشكل عام، وهنا نتكلّم عن كارتيل المحروقات في لبنان، في تلبية حاجات المواطنين بحجة الخشية على تحقيق بعض الخسارة الافتراضية بسبب الالتباس في ازدواجية سعر الصرف لليرة اللبنانية. فالمواطن اللبناني أصبح رهينة كارتيل المحروقات في غياب الدولة. وهذا الغياب أحد أسباب التراجع الاقتصادي والاجتماعي. فالدولة، مهما كانت الملاحظات عليها محقّة، فلا يمكن تغييبها. بل الوقائع تثبت أنّ القطاع الخاص لا يستطيع تجاوز الدولة مهما بلغت درجة نفوذه (أو إفساده) تجاه المسؤولين في الدولة. فهو بحاجة الى الدولة ربما أكثر مما الدولة بحاجة إليه.

الملاحظة الثانية، وهي الأهمّ، هو تدخل وزارة الطاقة وحسم الجدل وفتح باب الاستيراد المباشر للمحروقات دون اللجوء إلى الوسطاء الذين يشكّلون كارتيل المحروقات. فالدولة عندما تريد تستطيع أن تنجز. فالحجج الواهية حول “الفساد” أو “قلة المعرفة أو الكفاءة” تختفي عندما تقدم الدولة على خطوة لا يمكن رفضها بسهولة. ليس هناك من مبرّر لتنازل الدولة عن امتيازها في الاستيراد لقطاع حيوي لصالح بعض المصالح الخاصة، خاصة أنّ تلك المصالح لا تكوّن قيمة مضافة تذكر للمواطن اللبناني.

الملاحظة الثالثة، هي أنّ احتكار الدولة لاستيراد المحروقات، ومن هنا نعمّم على سائر السلع الاستراتيجية، ضرورة أولاً للأمن القومي، وثانياً للتخطيط لحاجيات البلد. فيمكن، بل هو واجب الدولة، أن تعرف سلفاً ما هي الاحتياطات المطلوبة من المحروقات ومن النقد الخارجي لتلبية حاجة المواطنين. وإذا كان لا بدّ من تحقيق قيمة مضافة في استيراد المحروقات فالدولة أحق أن تستفيد منها بدلاً من أن تذهب إلى مجموعة صغيرة من الوسطاء المنتفعين من موارد الدولة.

الملاحظة الرابعة، وهي الخطوة التي لم تقدم عليها وزارة الطاقة لأنها بحاجة إلى قرار مجلس الوزراء المستقيل حالياً، وهي إعادة إحياء مصفاة طرابلس وتزويد لبنان بحاجاته من المحروقات عبر الاستيراد المباشر من العراق. هذه الطريقة تقضي على حاجز الوسطاء وتساهم إلى حدّ كبير في تخفيف الضغط على الطلب على الدولار. فيمكن عقد صفقات مع الحكومة العراقية والحصول على تسهيلات بالدفع وربما الدفع بالليرة اللبنانية.

بناء على هذه الملاحظات يمكن إعداد الملفّ الذي يدحض الحجج حول الخصخصة. كما لا بدّ من إعادة النظر في قانون استثمار الثروات النفطية والغازية في لبنان. إنّ الخصخصة التي تؤدّي إلى تسليم المرافق العامة لشركات أجنبية بشكل تام أو جزئي مع شركاء صوريّين محليّين عبر حجة ضرورة إيجاد شريك استراتيجي دولي معروف بكفاءته ومهنيته ليست إلا وسيلة ملتوية لإخضاع القرار الاقتصادي الوطني للمشيئة الخارجية وتكريس تبعية الوطن لمراكز القرار الخارجي. والشكوك القائمة حول ارتباطات بعض الشركات بمصالح متناقضة مع الأمن الوطني والقومي وخاصة في قطاعات استراتيجية كقطاع النفط والغاز أو قطاع المواصلات موجودة حتى في مؤسسات ما زالت خاضعة لسيطرة الدولة، فما بال الحال إذا خرجت عنها كلّياً؟

جميع هذه الملاحظات سنعالجها في المقال المقبل هو الخصخصة: ما لها وما عليها في الظروف الراهنة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*اقتصادي وكاتب وباحث سياسي وأمين عام سابق للمؤتمر القومي العربي

(البناء)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0