مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

الفراغ القاتل يتمدّد في الشرق الأوسط!

26

د. وفيق إبراهيم

الفراغ السياسي في الشرق الأوسط “وحش أميركي” قاتل يتمدّد من دولة الى اخرى، مهدداً مجتمعاتها بالتفتت على أسس قديمة ترقى الى مرحلة ما قبل الرأسمالية.

التهمة هنا مزدوجة يتحمل وزرها “الغرب” الذي اجتاح المنطقة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مخترعاً دولاً جديدة غير تاريخية ومركباً فيها أنظمة تحمل في مضمونها أسس الخلافات الاجتماعية والطائفية والعرقية، فاستجاب هذا الغرب الاوروبي ولاحقاً الاميركي بذلك لنياته بالسيطرة على النفط في جزيرة العرب والعراق وشمال أفريقيا، مُنصباً قبائل وطوائف وجيوشاً وأخرى إقطاعية تحوّلت بورجوازية مضحكة لأنها لا تجيد إلا التقليد السطحي وإتقان اللغات الأجنبية.

ونتيجة هذه المعادلة، التي رعاها الغرب الاميركي بنفوذه العالمي ولدت منطقة ضعيفة متهالكة في الشرق الاوسط ترتكز على السطو الغربي على ثرواتها من موارد الطاقة، وانظمة تقمع شعوبها لخدمة السطو الغربي العام وتسرق ما تبقى من موارد، ما ادى الى انتصاب منطقة فيها الدول الأكثر فقراً ومديونية وريعية في العالم. فمن يصدق ان العراق الغني بالنفط والمياه والأراضي الخصبة، دولة مديونة تجهل الصناعة والزراعة وتغيب الكهرباء والماء والنظافة عن مدنها وأريافها؟

كذلك السعودية وإمارات الخليج هذا المدى الذي كان بوسعه ان يكون منطقة صناعية بتوظيف هذا الثراء النفطي غير المحدود في باطن أراضيها؟

وكيف يمكن للشعب المصري ان يسكت عن سياسات أنور السادات المستمرة حتى اليوم والتي عمقت من فقر المصريين وحوّلت بلدها ريعياً يتسوّل المساعدات، هذا بالاضافة الى الجزائر والسودان وكامل المنطقة العربية من دون استثناء.

بالمقابل هناك ثلاث دول شرق أوسطية،

الاولى هي الكيان الإسرائيلي الغاصب الذي انتج دولة محتلة متقدمة صناعياً وعسكرياً، وتمارس الديموقراطية في داخلها فقط، مع ابادة للفلسطينيين والجوار العربي، كما ان تركيا وريثة العثمانيين الانكشارية لا تمتلك موارد طاقة، لكنها اسست نظاماً ديموقراطياً ودولة متقدمة قياساً لجوارها الشرق اوسطي.

وهذه ايران المحاصرة منذ 1980 بأعنف حصار اميركي لا مثيل له تنجح في صدهِ وبتبني الاساسيات لدولة صناعية تصمد وتنتج أسلحة وقسماً من حاجات شعبها.

هذه المنظومة الشرق اوسطية تتعرّض في هذه المرحلة لاعادة تأسيس اميركية تصيبها بشكل بنيوي وتعيد إحياء مشروع وزيرة الخارجية الاميركية السابقة كونداليزا رايس حول الشرق الاوسط الكبير.

وأصبحت الحاجة الاميركية الى تفتيته مضاعفة، لان المرحلة الاولى في استعمال الارهاب العالمي الى جانب تدخلات عسكرية اميركية وتركية وسياسية خليجية (2003- 2019) لم تنتج الأهداف المرجوة، لذلك بدأت الخطة الثانية بدعم فراغ سياسي بنيوي في الانظمة السياسية للمنطقة، ما يؤدي الى تدمير السلطات السياسية وفتح الأبواب على فراغ سياسي ينتج انفجارات اجتماعية تبتدئ طبقية – وطنية وتنتهي بصراعات بين المكوّنات الأساسية للمجتمعات من طائفية وقبلية وعرقية. وهذا يتطلب من الاميركيين وحلفائهم تشديد الضغط الاقتصادي على هذه الدول الى حدود الخنق وانتظار موسم انقساماتها الى دويلات متصارعة انما في خدمة الاميركيين والاسرائيليين.

هذا ليس استشعاراً لمؤامرة، انها المؤامرة بقدها وقديدها، وهذه ليست المرة الأولى.

لان هناك استعجالاً اميركياً باعادة تركيب الشرق الاوسط العربي – الايراني بحده الأدنى قبل تشكل دول قطبية عالمية، قد ترفض هذه “القدر الاميركي” وتسهم بإفشاله كما فعلت في الميدان السوري.

للدقة فإن الأميركيين ليسوا هم من دفع الشعوب في إيران والعراق ولبنان والأردن ومصر والجزائر والسودان والمغرب وغيرها الى تأسيس انتفاضات شعبية مطلبية، لا يزال معظمها في الشوارع منذ أكثر من شهر، لكن الأمانة تقتضي التأكيد ان الاميركيين اخترقوا معظم هذه التحركات الشعبية مؤسسين معادلات جديدة تؤدي الى الانفجار.

وتبدأ باستعمال وسائل الإعلام لتشكيل فكرة الاستمرار للمتظاهرين واحتلال الشوارع حتى تحقيق المطالب.

بالمقابل يعمل الاميركيون على تحقيق الانسداد في تلبية المطالب من طرق ملتوية، تبدأ بمنع المعادلات السياسية التابعة لهم والمشكلة لجزء اساسي من السلطات في معظم الدول العربية، تمنعهم من الاستجابة لأي محاولة لتحقيق قسم من هذه المطالب. رئيس وزراء لبنان سعد الحريري استقال وكان بإمكانه جمع حكومته للموافقة على برنامج عمل عرضه في رسالة وجّهها الى الشعب. على ان يرسله الى مجلس النواب لإقراره، لكنه تعمد الاستقالة لايقاف الحلول طالباً من انصاره قطع الطرقات والتظاهر مرسلاً سلة شروط للقوى السياسية الأخرى اهمها منع الانفتاح على سورية وتمكين أميركا من رعاية النفط والغاز اللبنانيين، ومنع حزب الله من المشاركة في الحكومة الجديدة. فهل هذه هي مطالب الشعب اللبناني الاقتصادية – الاجتماعية؟

الامر نفسه حدث في العراق، لأن ابتعاد القوى السياسية الداخلية الموجودة في الحكومة والتابعة للمحور الاميركي – السعودي التركي عن المشاركة في الحلول دفع برئيس الوزراء الى الاستقالة مع تأسيس أزمة حكم وفراغ.

ويسير الأمر على هذا المنوال في الجزائر والسودان والاردن، ومصر التي تخرج من أزمة الى اخرى. بنظام يحفظ استمراره واستقراره السياسي، الأميركيون و”إسرائيل”.

يقود الاستنتاج هنا إلى ان دول المنطقة العربية مع ايران مدفوعة نحو فراغ سياسي قاتل يهدف الأميركيون منه الى إعادة تشكيل الشرق وتفتيت معادلاته تحت الراية الأميركية.

فهل هذا ممكن؟ هناك بلدان فقط رفضا هذه المعادلة والحقا في الميدان هزيمة مدوية بالجزء الأكبر من المشروع الأميركي وهما سورية وايران، وهناك حزب الله الذي سدّد ضربة مروّعة للمشروع الاميركي بشقيه الاسرائيلي والارهابي، وهؤلاء عازمون مجدداً على التصدي للأجزاء الجديدة وسط تأييد شعبي كبير بالتكافل والتضامن لحماية منطقة يتلاعب بها المستعمرون منذ ألف عام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0