مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

مآزق الحراك الشعبي.. وسبل الخروج منها

26

العميد د. أمين محمد حطيط*

 

في كلّ مرة أتناول فيها الحراك الشعبي الجاري في لبنان، أرى أن أبدأ بالتأكيد على أمرين:

الأول انّ الحراك الشعبي المطلبي هو تحرك تأخر الشعب اللبناني في إطلاقه سنوات، وأنه أطلقه اليوم بعد ان ضاق ذرعاً بالطبقة السياسية وحاشيتها التي نهبت لبنان حتى وصل الأمر الى حدّ لا يُحتَمَل، حيث استشرى الفساد في الدولة وتوسّع النهب وسرقة المال العام وهدر كرامة المواطن وحقوقه، وتمّ توزيع الدولة ومواردها حصصاً واقطاعات بين أشخاص لا يصل عدد الأساسيّين فيهم الى العشرة يرعون فساد كتل منوّعة من متولي الشأن العام في شتى قطاعات الدولة من دون أن يستثنى قطاع مع تفاوت في حجم الفساد والهدر والسرقة بين قطاع وآخر. والثاني الخشية من استثمار الخارج المتربص بلبنان ومصادر قوته للحراك، واغتنامه فرصة انطلاقه وما يرافقه من الانقسام الداخلي استغلال يترجم بالتسلل الى الحراك النقي الطاهر لإفساده وتحويل مساره من أجل استثماره لأهداف خارجية لا نقول إن لا علاقة للمحتجّين بها، فحسب بل نقول إن المحتجين الوطنيين لو أدركوا ما يحضره الخارج في مسار الاستثمار هذا لكانوا هم أول من اعترض ورفض وتصدّى للتدخل الأجنبي ونحن على يقين من ذلك.

ويبقى أن نذكر أيضاً أن للخارج عملاء يزرعهم بثياب النقاء ويظهرون بمظهر الحملان الوديعة التي تلازم المحتجين الصادقين ثم تغريهم بفعل او قول من أجل إنتاج البيئة التي تسمح لاحقاً للخارج ان يتدخل ويتولى قيادة الدفة في الاتجاه الذي يحقق مصالحه.

وكذلك لا بدّ من التحذير من سلوك الذين تولوا الحكم في البلاد مستأثرين به حيناً او شركاء فيه أحيانا أخرى، وشاركوا بالنهب المنظم وكانوا رواد الفساد والمحاصصة الطائفية خلال العقود الثلاثة الماضية التي شهدت عملية نهب لبنان وإفقاره ودفعه الى الانهيار، لا بد من التحذير من هؤلاء الذين يحاولون اليوم القفز من المركب المتجه الى الغرق ثم تقديم أنفسهم بأنهم هم المنقذون في أكبر عملية تضليل وتزوير شهدها لبنان في تاريخه الحديث. وعلى الكل ان يراجع مسار لبنان في الـ 30 سنة الماضية ومن تولى الملف المالي والاقتصادي فيه ومن وضع السياسة المالية والهندسات المصرفية ووضع يده على قلب العاصمة وطرد منها أصحاب الحقوق الأصليين واستباح الأملاك العامة على الشواطئ البحرية و… و…

بعد هذا نعود الى أهل الحراك الصادق الذين يتمسكون بوسم حركتهم باسم “ثورة” ودون أن نناقش في التسمية، رغم اننا لا نقرّهم عليها من منطلق قانوني وموضوعي وميداني، فإننا سنعتمد لهم تسميتهم ونعمل بالقول “خاطب الشخص بما يحب أن ينادى به” وعليه نطرح أسئلة لا بدّ من مناقشتها كالتالي:

أولاً: سنسلّم بانّ “الثورة” انطلقت بشكل عفوي، ونحن على يقين أنّ كثيراً من الناس خرجوا الى الشارع هكذا، دون أن يكون للتحرك قيادة ودون ان يكون له إدارة ودون أن يكون له هيئات تنسيق، لكن هل يمكن أن يستمرّ هذا التحرك الجماهيري الممتدّ من الشمال الى الجنوب ومن الساحل الى البقاع دون قيادة ودون إدارة واضحة؟ ثم كيف يفسّر وجود من يقدّمون أنفسهم مسؤولين في الحراك ويخططون ويقرّرون ويلتزم مَن في الشارع بأوامرهم وتوقيتاتهم. في الإجابة هنا يجب احترام العقول.

ثانياً: بحجة عدم وجود قيادة، أو عدم تفويض أحد النطق باسم الحراك، يمتنع “الثوار” عن محاورة السلطة رغم دعوات رئيس الجمهورية المتكرّرة لهذا الحوار ويصرّون على مطالب تناقض بعضها بعضاً، ولا يستطيع المرء تفسير تلبيتها معاً في أيّ سياق يمكن اعتماده وعلى الشكل التالي:

1 ـ يطالبون بإسقاط رئيس الجمهورية بعد إسقاط أو استقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة، وهنا نسأل مَن سيتولى الحكم خلال تلك الفترة؟ ومَن سيجري الانتخابات المبكرة؟

2 ـ يطالبون بتشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة لا تنبثق من الأكثرية النيابية القائمة، ولكن لا يقولون كيف ستشكل هذه الحكومة وكيف ستنال الثقة؟ فإذا قيل إنّ الحكومة تحكم من غير ثقة نقول إنّ هذا انقلاب على الدستور او خرق له، وإذا قيل تنال الثقة من قبل الأكثرية النيابية القائمة وافقت ام لم توافق على إخراجها من الحكم نقول ومن اعطاكم الحق بأن تفرضوا ارادتكم على تلك الأكثرية التي تشكلت إثر انتخابات جرت قبل أقل 18 شهراً فقط؟

3 ـ يقولون إنهم في مطالبهم السياسية ينطقون باسم الشعب اللبناني كلّ الشعب اللبناني، وهنا نسأل إذا كنا نؤكد على انّ المطالب المعيشية هي فعلاً مطالب كلّ الشعب، وانه لا يتنكر لها إلا فاسد يرعى الفساد، فإنّ أمر التغيير السياسي أمر آخر حيث يغيب التوافق عليه الآن. وهنا يمكن طرح السؤال من أعطاكم هذا التفويض السياسي للنطق باسم كلّ الشعب وأنتم لم تقدّموا حتى الآن للشعب قيادة يوافق عليها ويثق بها، فكيف يسلم الشعب زمامه الى قيادة مجهولة؟ ثم ألا تلتفتون الى انّ للأكثرية النيابية الحالية قاعدة شعبية إذا خرجت الى الشارع قد تتعداكم حجماً وعدداً وقوة.

4 ـ وأخيراً نسأل “الثوار” كيف توفقون بين طلب الإصلاح ومكافحة الفساد واستعادة المال المنهوب ثم تمنعون مجلس النواب للانعقاد لإقرار قوانين تلبّي هذه الطلبات؟

في الخلاصة نرى أن مطالب الحراك الشعبي “الثورة” باتت تندرج في فئتين… فئة سياسية تتصل بإعادة تشكيل السلطة، وفئة معيشية وإصلاح مالي واقتصادي، فاذا كانت الفئة الثانية محل إجماع اللبنانيين فإننا نجد ان الفئة الأولى ليست كذلك حيث لا يمكن تحقيقها الا بواحد من طريقين:

أ ـ الأول يكون عن طريق الغلبة الشعبية والإطاحة بالدستور وما انبثق عنه من هيئات وقوانين وتنصيب حكومة انتقالية تعيد تشكيل السلطة وفقاً لنظام تفرضه. وهذا يفرض القدرة على إحكام السيطرة على البلاد بالقوة، الأمر غير المتحقق في الوضع الراهن، ولذلك يكون حمقاً التفكير به او أن يمني أحد النفس باللجوء اليه.

ب ـ الثاني يكون عن طريق الآلية الدستورية القائمة، ما يعني التوقف عن المطالبة بإسقاط الرئيس والتوقف عن إقفال مجلس النواب والقبول بتشكيل حكومة وطنية ترضى بها الأكثرية النيابية، وبعد ذلك الضغط لتحقيق المطالب الحياتية المعيشية والإصلاح المالي، وكلّ ما تبقى من مطالب ثم الانتقال بعد ذلك للإصلاح السياسي الذي لا بدّ منه.

وأخيراً على أهل الحراك/ “الثوار” أن يؤكدوا دائماً أنّ عملهم هو لتحصيل حقوق المواطن المعيشية والمالية وأن يحافظوا على إجماع اللبنانيين حول ذلك ويستفيدوا من الفرصة المتاحة ومن تجاوب أهل السلطة وكل الشعب اللبناني لتحقيق قفزة نوعية على صعيد الإصلاح المالي ومكافحة الفساد، والمحافظة على وطنية الحراك وقطع الطريق على أيّ محاولة للتدخل الخارجي والاستثمار فيه، فإن فعلوا انتصروا وانتصر لبنان بهم وإلا كانت “ثورتهم” ثورة على العقل والمنطق وضدّ لبنان واستقراره، ثورة لأجل شيء آخر غير معلن وعندها لن يكون إجماع وطني ولن يكون إنجاز عملي، وتعم الخسائر الجميع ويكون لبنان الخاسر الأكبر… وهذا ما بتنا نخشاه لأننا نرى إرهاصاته تلوح في الأفق ونرى أكثر من جهة تدفع اليه ومنها جهات لازالت تضطلع بالمسؤولية في إدارة البلاد. وللأسف هذا بالإضافة الى التدخل الأجنبي الذي بات لا يُخفى على عاقل متبصّر…

* أستاذ جامعي وباحث استراتيجي.

(البناء)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0