مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

 أميركا المرتبكة تعطي صكوك الاعترافات… بلا سقف!

15

 د.جمال زهران*

لا شك في أنّ دونالد ترامب… الرئيس الأميركي الحالي (كانون الثاني/ يناير 2017 – كانون الثاني/ يناير 2021)، في عامه الثالث الذي لم يكتمل بعد، أعطى قوة دفع معنوي لدولة الكيان الصهيوني الآخذة في التآكل والاندثار، وهو ذلك الكيان الضعيف والمتهالك وفي طور النهاية. فقد أعطى هذا الرئيس الأميركي – الذي نجح على منافسته هيلاري كلينتون، بألف صوت تقريباً وفقط – للكيان الصهيوني  قرارات عدة من وزن – أعطى مَن لا يملك لمَن لا يستحق، مذكراً إيانا بوعد بلفور المشؤوم. ومن هذه القرارات الاعتراف الرئاسي الأميركي بالقدس عاصمة “إسرائيل”، كما قرّر في الوقت ذاته نقل السفارة الأميركية من تل أبيب، إلى القدس وإقامة أكبر سفارة أميركية في المنطقة هناك. كما احتفل بوضع حجر أساس هذه السفارة وسط حشد محدود وتغطية إعلامية عالميّة صهيونية الأساس، وواسعة النطاق، بحضور جزء من عائلتة (زوجته وابنته إيفانكا)، وهو بالمناسبة يتصرّف في إدارة شؤون أميركا وكأنها عزبة أو شركة يمتلكها وليست دولة كبرى، عليها مسؤوليات وواجبات! ولنتذكر في هذا المقام مشروع كوشنر (زوج ابنته) في تكوين الناتو العربي”، وإعداد وتنفيذ ما يسمّى بـ (صفقة القرن)!

كذلك أصدر قراراً ثانياً، بشرعية ضمّ “إسرائيل” لهضبة الجولان السورية التي احتلتها “إسرائيل” في حزيران/ يونيو 1967، وكأنّ الجولان ملك لأميركا تملك إصدار قرار التصرّف فيه بالمجان أو بمقابل. وقد نصّب ترامب نفسه مكان الهيئات الدولية كالأمم المتحدة أو محكمة العدل الدولية…. الخ. وأخيراً أصدر قراراً ثالثاً، وهو اعتبار “إسرائيل” مالكة للمستوطنات التي بنتها على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو بذلك كأنه يسقط حقوق الفلسطينيين في ملكية هذه الأرض وحقهم في استعادتها وتحريرها بكل السبل (المسلحة والسلمية).

كما أن ترامب، بهذا القرار يتصرف في ملك خاص، كما تعوّد خلال السنوات الثلاث السابقة، وينسف كل الالتزامات الأميركية منذ بدأت “إسرائيل” في اقامة هذه المستوطنات بعد عام 1967م. فأميركا في عهود جميع الرؤساء الأميركيين والادارات الأميركية المتعاقبة تقر بعدم شرعية المستوطنات الاسرائيلية التي أقيمت على الأراضي المحتلة، بل وتقرّ بإزالتها. وقد سبق لـ”إسرائيل” أن مارست ضغوطاً على الإدارات الأميركية المتعاقبة للحيولة دون اعلان أميركا بعد شرعية هذه المستوطنات، إلا أن جميع الرؤساء الأميركيين رفضوا ذلك، اتساقاً مع الشرعية الدولية والقرارات الصادرة من الأمم المتحدة سواء من مجلس الأمن أو الجمعية العامة، أو من خلال جميع مقررات الأمم المتحدة ووثائقها من 1967م، وللآن وحتى قررات الجمعية العامة خلال الأسابيع الأخيرة. إذن نحن أمام رئيس مشكوك في شرعيته يتصرف وبلا حدود، معانداً العالم وعلى وجه الخصوص، العالم العربي والعالم الاسلامي في كل قراراته الداعمة لـ”إسرائيل”، ومن ثم فإن ترامب لا تعنيه سوى مصلحته الشخصية، ومراعاة أنانيته السياسية.

ولعل تفسيري في هذا يرجع إلى عدم الاعتياد الأميركي في عهد ترامب، على الوجود العربي من أساسه، حيث لم يعد العرب قادرين على تشكيل وممارسة الضغوط السياسية عليها أو مجرد التلويح بها، حيث سار في طريق نهب الأموال من دول الخليج خاصة المملكة العربية السعودية، والسعي نحو إفقارها ثم توظيفها لخدمة المصالح الأميركية فحسب.

كم أنه نهب الأموال العراقية وصادر أرصدة السياسيين البالغة نحو (700) مليار دولار، ومثلهم حصل عليها من السعودية، ليصبح كل هذا يصب في دعم الاقتصاد الأميركي ورقياً، بما يحقق توازناً في الموازنة الأميركية ويسدد الديون المستحقة على أميركا داخلياً وخارجياً. كما أن المتحالفين مع أميركا من دول المنطقة، يرتضون بالسياسات الأميركية ويدافعون عنها ويتبنّونها جهاراً نهاراً وعلناً وبلا سقف، ولو حتى مجرد الحياء. فكما أصبح ترامب يكشف عن فجوره السياسي، فقد سار تابعوه وحلفاؤه في المنطقة يتعاملون مع ذلك بشكل فاجر أيضاً. ولنا في التطبيع العلني والسافر لغالبية دول الخليج العربي مع “إسرائيل” ومحاولة استرضاء “إسرائيل” بشكل خالٍ من الكرامة، ومؤكداً على الاستسلام الكامل، خير مثال يؤكد تلازم الفجور السياسي بين أميركا وحلفائها التابعين لها تبعية مطلقة. وفي هذا السياق، فإنّ أميركا تسعى إلى زعزعة الدول الممانعة لهذه السياسات الأميركية وممارسة الضغوط عليها، لإسقاطها وتدميرها، نموذج (سورية – لبنان – العراق – إيران) إلا أنّ أميركا لم تنجح ولن تنجح، بل إن مآل هذه السياسات الأميركية الرعناء إلى سقوط مدوٍّ، من ناحية، وانحسار لدور أميركا العالمي، والخروج المذلّ من المنطقة العربية، وربما تتبدّل فيها الأدوار والقوى العظمى، حيث يمكن لأوروبا أن تعود مرة أخرى، إلى حلبة السياسة في المنطقة العربية والشرق أوسطية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذ العلاقات الدولية، والأمين العام المساعد للتجمع العربي الإسلامي لدعم خيار المقاومة ومنسق الفرع المصري، ورئيس الجمعية العربية للعلوم السياسية.

(البناء)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0