مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

خواطر من وحي الانتفاضة.. أجمل الأمهات إرادة “العيش معاً”

19

معن بشور*

عاش اللبنانيون جميعاً نشوة خاصة على وقع تجمّع أمهات وسيدات الشياح وعين الرمانة على الشارع الفاصل بين المنطقتين والذي كان “خط تماس” في الحرب الملعونة التي عاشها لبنان.. وعلى وقع هتافاتهنّ الجليلة ضدّ الحرب والتقسيم ومع وحدة لبنان وتماسك عائلاته..

لقد ساهم هذا التجمّع في تغيير مزاج اللبنانيين – كما قال لي هذا الصباح رفيقي عماد مكحل الذي كان وصوله إلى المكتب من منزله في خلدة عملية شاقة – وجعلهم ينامون على مشهد جميل بعد أن حرمتهم مشاهد الليالي السابقة من النوم أصلاً…

لم يكن هذا المشهد النسائي الراقي والحضاري والوحدوي هو المشهد الوحيد في تاريخ لبنان المعاصر الذي عبّر فيه اللبنانيون عن حرصهم على وحدتهم وإدراكهم أنه بقدر ما تشكل المقاومة اللبنانية خطراً على الصهاينة الطامعين في لبنان، فإنّ صيغة “العيش معاً” التي عاشها اللبنانيون تثير قلق هؤلاء الصهاينة وتكشف الطبيعة العنصرية لعقيدتهم ومشروعهم وكيانهم.

لكن بين المشاهد المتعدّدة هذه، مشهد لا يمكن أن ينساه من عاش قبل 32 عاماً، أيّ في 9 تشرين الثاني 1987، حين لبّى أكثر من مئة ألف لبناني، من شطري العاصمة زمن الحرب الملعونة، نداء الاتحاد العمالي العام وجمعيات ذوي الاحتياجات الخاصة وهيئات ثقافية وحقوقية إلى التلاقي على معبر المتحف، حيث نزع المتظاهرات والمتظاهرون بأظافرهم السواتر الرملية التي كانت تفصل بيروت عن بيروت.

يومها قال لنا الأخضر الإبراهيمي المبعوث العربي لحلّ الأزمة اللبنانية، وخلال اجتماع اللقاء اللبناني الوحدوي في منزل الراحل الكبير المفكر منح الصلح وضمّ أركان الهيئات الثقافية (خصوصاً دار الندوة والحركة الثقافية في انطلياس) التي دعت الى تلك المسيرة السلميّة، “قبل مسيرتكم كان المسؤولون العرب يرفضون البحث في الأزمة اللبنانية بحجة أنّ اللبنانيين يحبّون القتال في ما بينهم، فجاءت مسيرتكم العظيمة لتقول لهم إنكم شعب يريد السلام والكرامة والحياة الهادئة، فانطلقت مبادرتنا لإنهاء الحرب في لبنان…”.

قد لا يكون “تجمّع الأمهات” بالأمس، بحجم مسيرة التاسع من تشرين الثاني 1987، ولكنه يحمل بالتأكيد الروح نفسها، بل يحمل روح اللبنانيين جميعاً، التواقين إلى لبنان واحد جديد خالٍ من الفساد والمحاصصة الطائفية والتبعية للخارج…

نرجو أن يفهم المعنيون معنى هذه الرسالة الموجّهة من أمهات وزوجات وأخوات لا يريدون أن يخسروا رجالهم وأطفالهم وأشقاءهم، كما يخسرون لقمة عيشهم بفعل طغمة الفساد والنهب والسلب المتحكمة برقاب البلاد والعباد…

أجمل الأمهات اليوم.. هنّ اللواتي اجتمعن بين الشياح وعين الرمانة ليرفضن عودة شبح الحرب والتقسيم وخصوصاً خطوط التماس…

صوتهنّ… صوت اللبنانيين الشرفاء من كلّ لبنان…

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0