Menu
27° C
صافية
صافية
%d9%87%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%b3%d9%84%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%84%d8%a8%d9%8a

«أوقفوا الإنتحار.. يا إخوتي»

هاني الحلبي

إثر حالات انتحار عدة كثرت في المناطق اللبنانية لأطفال بعمر الورود خلقت حزناً شعبياً واسعاً، حتى صرتَ تظن أن كل رسالة «واتس» هي نعيٌ مفاجئٌ لقمر انطفأ في بيت من بيوت السترة.

«أوقفوا سيناريو الانتحار يا إخوتي. لا شيء أثمن من حياتكم، وإن كان الأمر مهماً جداً فعلّق درسَهُ الأهم أمامك ليدفعك إلى الأمام في الحياة، لتصبح أقوى وأفضل. دع قوة الله المودَعة داخلك تستيقظ نوراً منقذاً لك من نفسك. انظر إلى الجوانب الإيجابية في أي شيء. أي شخص يحسّ بنوره ينطفئ بسبب المشاكل، أنا جاهز للمساعدة في أي وقت وسرّك بأمان…».

نصٌّ كجرعة عصير منعش. بسيط ومكثّف وكافٍ. اقتبسته من حساب فتى طفل لم يتخطَّ ما صنّفته جمعيات الطفولة عمراً أنه مَن لم يتعدَّ عمره 18 عاماً. لكنه وأيّ فتى؟

الفتى الذي يُقدّم نفسه معالجاً لمن ثقلت عليهم هموم الحياة. وهو كأيّ معالج أو طبيب، جاهز في كل وقت، لأن يبوحوا بأسرارهم إليه، ويعِد بكتمانها. وهذا يعني أنه مُلكُ قاصديه.. اقرعوا يُفتح لكم ولو مع طلوع الفجر!

أسعد الحلبي Asaad Halabi فتى يتطوّع في مبادرة وعنوانها «أوقفوا الانتحار يا إخوتي».. وبأسطر محدودة وبكلمات بسيطة لكنها غنية الدلالة تضع أناملها على الجرح الذي يودي بميامين أسر وعائلات موتاً يسمّونه انتحاراً. وعادة ما يكون هذا الانتحار بالسلاح، قتلاً بغتة لينزف الضحية بلا مساعدة عاجلة أو إسعاف ومداواة فيقضي نحبه وحيداً بعيداً عن الوجع والكآبة والهزيمة.

كل عبارة قدّمت درساً جوهرياً للمرء، إن كلّف نفسه وترك هاتفه الذكي جانباً، ومن دون «كاندي كراش» وأخواتها من ألعاب الذكاء والتسلية والاستراتيجية والحرب. دروس منها: حياتك هي الأثمن، أية تجربة ينبغي وضعها نصب أعيننا درساً بخلاصاتها ونتائجها، كل درس يُغنينا ويزيدنا قوة، قيمة كل درس أن يدفعنا إلى الأمام، كل أمام هو الأفضل والأجمل، إيقاظ قوة الله في المرء، قوة الله نور ينقذ، انظر إلى الإيجابيات حولك. والحقل الثاني من النص أنه: حين الحاجة بانطفاء نور الله في الذات، بسبب المشاكل، جاهزية الدعم متوفرة واحتضان الشاكي وشكواه..

أجمل ما في النص أنه ركّز على سموّ الحياة وربط بينها وبين نور الله في الإنسان، فنور الله هو الحياة نفسها، وربما العكس يصحّ أن الحياة ونورها هي الله نفسه ولا خلوّ منهما في شيء إلا كان عدماً. وإن حياتنا مهما رأينا فيها فليست كلها جحيماً رميماً، بل فيها الكثير من الجمال والبهجة والفرح، فلماذا نغلّب السلبيات والمحبِطات على هذه القيم الجميلة؟ والأروع هو استعداد فتى موهوب وذكيّ ومستعدّ لدعم الآخرين.. كم في هذه المواطنية من جمال ونبل.. لم يقل إنه مستعد لدعم أبناء بلده أو طائفته فقط، ولا أصدقائه، وربما ليس لديه أصدقاء حقيقيّون، ولم يقل إنه لن يدعم أي فتى أو فتاة يشكو إليه ألماً أو عزلة او إحباطاً او وجعاً او ظلماً او اضطهاداً من آخرين!

كم حريّ بالأهل، بإخوة الضحايا وأخواتهم، بصديقاتهم وأصدقائهم، أن يقرأوا هذا النداء. فربما هم قصّروا بشكل ما وبطريقة ما عن توفير الدعم لمشروع الضحية حتى غدت ضحية؟ لو توفر الدعم والدفء والاحتضان والصداقة والروابط الأسرية السليمة، لما وجد أحد الضحايا سبباً ليبني صداقات غامضة عبر فيسبوك أو غيره تؤدي به إلى خوف من فضيحة، كحال ذلك الرجل في أحد المجالس البلدية الذي نبذه أهله وجيرانه، بعدما وزّع قراصنة عليهم فيديو فاضح له، بعد استدراجه من برنامج يُظهر أنثى عارية تطالبه بالتعرّي والقيام باشتهاء افتراضي. ولما وجد غيرهم سبباً لتوجيه فوهة بندقية إلى جسمه والضغط عليها ليقتل نفسه..

السؤال هو أين هي الأسرة؟ ما واقعها؟ هل الأب أبٌ حقاً؟ هل الأم أمٌ حقاً؟ هل الإخوة والأخوات هم كذلك؟ أو كلهم لاهٍ بالفيس والواتس يبني أسرته المفترضة والمشتهاة؟ كيف هي روابط الأسرة الاجتماعية والنفسية والعاطفية الحميمة؟ كيف آليات الحوار بين الأهل والأبناء ومن جهة ثانية بين الأبناء بعضهم بعضاً كافة؟ وأي قيم احترام وحبّ تسودها؟ وأي مفاتيح مفردات تكثر وتزدحم في كل حوار يدور؟ وكيف يتمّ ختم الحوار بالمزيد من الحب أو بالمزيد من الحقد والكره والضغينة؟ كم يوجد مثل الفتى المتنوّر أسعد بين الشباب والفتيات يتطوّع ليكون مشكى ضيم الجميع في الأسر الموتورة؟

ما بعد الأسرة: ماذا تفعل البلديات والجمعيات الأهلية للحدّ من الانتحار؟ أية خطط تنمية تقوم بها؟ أية آفاق توفّرها؟ هل السياسيون عندما يكتسحون البيوت والأحياء وقت الانتخابات من الفجر إلى ما بعد منتصف الليل ليأتوا بلوائحهم يضعون هذه الأسئلة أمام وجدانهم، فالذين اصطفوهم للمجالس البلدية: هل هم على بيّنة من واجبات البلدية ومن دورها ومن خططها ومن صلاحياتها المدنية اللامحدودة؟ أشك بعمق في أنهم أرقى من حزازات داحس والغبراء البدوية التي ينتظر شيوخ قبائلها نبتَ الشعر في بواطن الأكفّ ليعقدوا رايات الصلح والتسامح!

بكلمة: نظامنا الاجتماعي المتخلّف لا يقدّم إلا الفاسدين متسلّطين، والاستثناء صدفة. المتسلّطون يهمّهم كيف يثرون عقارياً ومالياً وتجارياً. يهمّهم كيف يحوزون قدرة التأثير ليستأثروا بالدور والنسق والسلطة والمكانة. وليس الإنسان همّهم قط.

الضحايا جروح ملتهبة بالزمن والحسرة والنقمة على الذات والحياة والظروف والعمر والبلاد وساستها ومتسلّطيها وحيتانها..

والكل مسؤول!

استدركوا: كلّكم معنيّ بالنداء «أوقفوا الانتحار.. يا إخوتي»!

الانتحار لحظة تخلٍّ بقرار أو ضغط، تعالَوْا نفتح القلوب للأبناء وللأخوة وللأصدقاء لتكون حياتناً أملاً مشعاً بنور التراحم!

باحث وناشر موقع حرمون haramoon.com

وموقع السوقalssouk.net

“البناء”