مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

استشراف سعاده للكارثة الاقتصادية كان من أسباب قتله

157

جان داية

قبل اغتياله الرسمي بشهرين و21 يوماً، نشر أنطون سعاده افتتاحية جريدة “الجيل الجديد” تحت عنوان “في صميم الكارثة الاقتصادية والاجتماعية”* قال فيها “ليس في لبنان اقتصاد بمعنى النظام الاقتصادي المتوخّي المحافظة على الثروة القومية العامة من الضياع وبالتالي الهادفة الى إيجاد مستوى معيشي ثابت يأمَن فيه العامل والفلاح والمستخدم وصاحب المهنة الحرة، الخوفَ من الحاجة والضيق. والواقع أن المقدرة الشرائية عند الشعب باتت متدنية تدنياً معيباً بالنظر الى البطالة والى ارتفاع أسعار الحاجيات الضرورية”.

 

ومن أهم أسباب التدني أن “المستورد من الخارج يبلغ أضعاف أضعاف المصدَّر الى الخارج، وهو في ازدياد مستمر. ولن يكون بعيداً اليوم الذي تنضب فيه ثروة البلاد اذا ما ظل باب الاستيراد مفتوحاً على مصراعيه. فكميات القطع النادر قد بُذّرت، والمال الباقي لن يلبث أن ينضب”.

 

أضاف سعاده الذي تتمحور إحدى عبقرياته في علم الاقتصاد: “ونشأ عن صرف نظر أصحاب الأعمال عن المشاريع المحلية، وعن عدم قيام الحكومات المتعاقبة بالمشاريع، عن استفحال البطالة واستحواذ الفقر على الطبقتين المتوسطة والعامة: الطبقة الأولى تواجه كساد العمل بصرف ما تجمع في حوزتها من مال ومقدرات بانتظار الفرج، والطبقة الثانية تصرف ما ادّخرته ليوم الضيق وتستدين. وبات قريباً الوقت الذي ينفذ فيه مورد تلك ومدخرات هذه”.

 

واعتبر سعاده أن التدهور الاقتصادي أوصل لبنان الى “عين الكارثة. إنها كارثة تهدّد قوة البلاد الاقتصادية وثروتها ومواردها العامة، بالزوال. ولا مردّ للكارثة ما دامت جميع السبل مفتوحة أمامها بفقدان السياسة الاقتصادية المنظمة الضرورية لحماية تلك الثروة وتلك المقدرات”.

 

طبعاً، كان يمكن أن لا يغتالوا سعاده لو تصرّف حيالهم كما فعل المعارضون الذين يقولون ما يشاؤون، ويفعل الحاكمون ما يريدون. ولكن الحكومة تعرف انه قائد سياسي غني المعرفة والمناقب وفقير المال. وهو يرفض ان يصبح جزءاً من الحكومة لقاء منصب وزاري قد يوفر لصاحبه الفخفخة الفارغة والثروة الطائلة. والأهم أنه إذا قال فعل.

 

وما قاله منذ تأسيسه حزبه في 1932، عاد وأكد عليه في مقاله: “في هذه الحالة الاقتصادية الشاذة المضطربة تبرز أهمية التخطيط القومي الاجتماعي في الناحية الاقتصادية وضرورة الأخذ به والاعتماد عليه لدرء أخطار هذه الكارثة الجاثمة على الجيوب والقلوب. التخطيط الرامي الى صيانة ثروة البلاد من الضياع بحماية الاقتصاد وإخضاعه لمصلحة الأمة العامة واستخدام ثروة الأمة لإقامة المشاريع العمرانية والإصلاحية الضرورية لتشغيل اليد العاملة لتحقيق الهدف الرامي الى جعل كل عضو في الدولة منتجاً بطريقة من الطرق، ولتأمين الحق في العمل والحق في نصيبه”.

 

*نشر المقال في جريدة الحزب “الجيل الجديد” بتاريخ 13 نيسان 1949، وأعدتُ نشره في كتابي “رأي الجيل الجديد” لأنه غير منشور في الآثار والأعمال الكاملة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0