مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

أجوبةٌ لأسئلةٍ لم تتشكّل بعد.. الأدب الوجيز

44

 

أمين الذيب*

الغاية لا تبرّر الوسيلة، فالغاية الشريفة لا تتحقق الّا بوسيلة شريفة. هذه القيمة الأخلاقيّة تُمايز بين الأفراد والمجتمعات والحضارات. وتحدّد المفاهيم والقيم في نمطيّة العلاقات والغايات التي تنجم عنها شخصيّة أيّ مجتمع تنشأ وتتشكّل بحركيّة وحيويّة الأفراد، الناجمة عن المستوى الفكري والثقافي المحكوم عادةً بوعي الذات القادرة على فهم وعي الآخر المختلف أحياناً. من الضروري أن نطرح بعض المثاليّات في زمن التفكّك والتّشلق والانهيار المجتمعي تحت وطأة بروز الشخصيّة الفرديّة الفاحشة التي فرضت نمطيتها الأخلاقيّة الداعرة على الأفراد والمجتمعات، وأنتجت شبكة علاقات حاكمة بسبب تعميم الظاهرة كقاعدة مُفتعَلة، تسود بفعلها وردّة فعلها مستوى إنجاز وتبادل المصالح بين الأفراد وتنقضي بانقضائها.

السؤال الاستطرادي، هل الواقع الثقافي الأدبي الفكريّ والإبداعيّ، ضحيّة مرحلة التخلّف والانحطاط التي تعاني منها مجتمعاتنا؟ وهل لكل هذا الحراك الذي تشكّله الساحة الثقافيّة الراهنة القدرة على تشكيل رافعة فكريّة للنهوض بالمجتمع من كبوته المُزمنة، أم ماتت هذه الفكرة بموت المدرسة الرواقيّة التي أسسها زينون الرواقي؟

المسألة مرهونة بالانتصار على الأنانيّة الفرديّة، والقدرة على إقناع الفرد أن يضيف الى شعوره بنفسه وقيمته وطاقته، شعوراً بأن تكون هذه الصفات طاقة تعمل أيضاً لصالح المجتمع. وهذا أمر أضحى مستحيلاً في هذا العصر الذي أرسى آلياته الماديّة ورفعها كمصلحة عليا تحكم علائق البشر.

صديقة ناقدة أكاديميّة قالت، وكنّا نتحاور حول ما تُقدّمه المنتديات الشعريّة المتكاثرة، وكان رأيها أن أكثريتها متورّطة بالتسطيح وخلخلة الذائقة العامّة وتشويهها، مما يتساوى بطريقة أو بأخرى مع مفاعيل الغزو الثقافي الهادف الى تدمير حضارتنا. وهل وزارة الثقافة راضيّة عن هذا الأداء. أسئلة كثيرة  لا أحد يُجيب عليها أو يتصدّى لها، حيناً بسبب تبادل المصالح وأحياناً خوفاً من شرك الابتزاز الذي ينصبه محترفون وبعضهم في مواقع رسميّة، وحيناً بسبب الإهمال وعدم الاكتراث والاستسلام للواقع على قاعدة (بدنا نعيش!!).. وهكذا تُستباح بعض الطاقات الواعدة من جيل الشباب التجديدي تحت وطأة بارونات السلطة والمال وتضيع جهودهم بين ضجيج الهواة والمتسلّقين والمتسلّقات، والباحثين عن الظهور بأي وسيلة متاحة.

كيف لنا أن نبني حالة ثقافية تساهم في رفع مستوى الوعي النهضوي الذي يُفترض أن يُنقذ مجتمعاتنا من حالة التخلّف هذه، في ظلّ هذا الواقع المرير.

لا شك في أن غيابَ وتشظّي الحالة النقديّة، ساهم بشكل أساسيّ في كل هذه الإخفاقات التي أنتجت واقعاً ثقافيّاً يشبه الى حدٍّ كبير حالات الاصطفافات الطائفيّة والمذهبيّة وحتى العائليّة. وإذا تقصّينا الأسباب الحقيقيّة وراء انكفاء النقد الأدبي الجّاد، الذي يفصلُ الغثّ عن الأصيل والإبداعيّ عن المقلّدين والمنتحلين صفة الشعراء والكثيري الألقاب والرتب والتكريمات الممنوحة تحت تفاهم عمادهُ التداعم المُتبادل. طبعاً هناك أسباب وافرة لتراجع البثّ النقدي، منها تعثُر الفكر الفلسفي النقديّ تاريخيّاً وإن وجِدَ في بعض المراحل إنما كان مرآة مُنمّقة للفكر النقدي الغربي، القاصر بسبب بنيته الفكريّة والفلسفيّة الناشئة من قيمه وخصوصياته وشخصيته الغربيّة عن فضّ بكارة المعنى المكنون في النصّ الشعري العربي الذي يقوم على مفاهيم مغايرة، ما يحتّم نظريّة الإسقاط النقدي على أدبنا. كما لعب الانتماء الثابت للماضي لاقترانه بالمقدّس ولارتباط اللغة يقينيّاً بأبعادها الدينيّة. نشوء حالة لا زالت مستمرّة حتى الآن، وهي الانتصار للماضويّة بقيمها البنيويّة كاستمرار مستقرّ يكتفي بذاته المعرفيّة التي تتجانس بين المتلقي الراضخ للمعايير السلفيّة على أنها بالنسبة إليه آخر المعارف ونهايتها.

رغم الحراك الكثيف والإصدارات الشعريّة المتوالدة كزبد البحر، لم تتبدَّ إرادة النزوح من الماضي الى المستقبل بعد، ولم نجد رغم الشاعريّة في الكثير من النصوص، ارادة حقيقيّة وعميقة للتجديد. فالنسج على المنوال ذاته وإعادة صياغة الأفكار بالمعنى ذاته إنما يرمز إلى نضوب المخيّلة الاستقصائيّة من معينها. طبعاً نحن في الملتقى نستثني العديد من الإمكانيّات والطاقات الشعريّة التجديديّة الواعدة والتي يمكن ان نبني معها في المستقبل مشروعاً تجديديّاً يشكّل رافعة لحالة السكون والركود، ومنصّة لإطلاق زمن شعريّ جديد يرتكز على منطلقات فكريّة قادرة على الاستجابة للتحدّي الوجوديّ، وخلق اتجاه تجديديّ يخرق هذا الصمت المدوّي الذي بات يهدّد الزمن الأدبي برُمّته. فالظواهر التي أنتجها هئا المناخ، خاصّة بعض المنتديات، بسبب حاجتها لتأمين حضورها أسبوعيّاً كمنبر لا يستكين، فوقعت في التكرار والرتابة حتى استحال الكلام لغة، رغم هذا فنحن لا نلوم الباثّ، أي (الشاعر) الذي يفرحه أن يلبّي أي دعوة ليظهر على المنابر، وإذا كان مُطيعاً تُطبع دواوينه وتوزَّع مجّاناً.

الشعر بالمفهوم النقديّ هو ثلاثيّ الأبعاد، البعد الأول النصّ، البُعد الثاني الشاعر، البُعد الثالث المُتلقي. فإذا ألقينا نظرة على نوعيّة النصوص وأجرينا تقييماً عجولاً عليها فماذا نجد؟

موريس بلانشو ورولان بارت قطبا الحركة الرومانسيّة يعتبران النصّ الإبداعي هو الأساس ولا يخضع لأي سلطة بما فيها سلطة النقد. إذا اعتمدنا هذا المقياس فبأيّ النتائج سنخرج؟ سؤال لا بُدّ من الاجابة عليه، أمّا الشاعر فهذه مسألة مُربِكة لتكاثر الشعراء حتى تكاد تعتقد أن معظم الشعب اللبناني، أو أكثريته الساحقة، تحوّل شعراء. ربما لذلك لم يعد من ضرورة للجمهور الشعري الغائب أصلاً لعدم وجود جاذب شعري يُبدلّ أولوياته واهتماماته. فالشعر لم يعُد قضيّة الذائقة العامّة لعدم تلبيته الدور الفكري والروحي والجمالي والقيمي، فلا يقدّم جديداً لا يعرفه الجمهور أو لا يمتلك الإبهار الجاذب، فاللغة الشعريّة عند ابن سينا وبلانشو  وبارت وسواهم ليست لغة التخاطب، إنما هي كلام بلاغي يستنطق الكون ويعمل على تفسير وتأويل مكنوناته.

المتلقي أو الجمهور، وهو البُعد الثالث الغائب أيضاً، فأي متابع يرى أن محاولات التنسيق بين المنتديات ومحاولة تجميعها بما يشبه عمل النقابات، إنما هو فقط يهدف  الى تجميع الجمهور المحدود، وتحاشي ازدواجيّة التوقيت في أمسيات المنتديات، منعاً لشرذمة وتوزعه، مما يقلل حسب رأيهم من القدرة على الاعتداد بمن عنده عدد حضور أكثر. أزمة الشعر أنه لا يستطيع استقطاب جمهور مهتمّ ومدرك أهميّة الشعر في حياة الشعوب والأمم، والمؤسف أو المضحك المبكي أن الشعراء ليسوا بحالة تسمح لهم برؤية هذه الوقائع وليس لديهم الاهتمام بالإجابة على هذه الأسئلة، لأن الأنا العظمى عندهم بلغت مداها الأقصى فهم تجاوزوا المتنبي وأبو تمام وأصبح كل واحد منهم محوراً يدور حوله الكون والمجرّات  والمجموعة الشمسيّة!!

حاول ملتقى الأدب الوجيز بالندوات  والمقالات التنظيريّة المنشورة في الصحف اللبنانيّة والعربيّة واللقاءات الحواريّة والأمسيات الشعريّة والمؤتمرات النقديّة التي أقامها في العاصمة التونسيّة وفي بيروت، أن يجيب عن هذه الأسئلة، من خلال تعميق دراساته التي انكبّ عليها فريق الملتقى بعيداً عن الضجيج والصراخ. كنّا نعمل بصمت وجدّية على مسألتين، المسألة النقديّة، ومسألة ابتكار زمن أدبيّ جديد. وجاء في أحد بنود البيان الختامي لمؤتمر بيروت النقديّ تحت عنوان – الأدب الوجيز هويّة تجاوزيّة جديدة –  الذي شارك فيه أكاديميون ونقاد من ثماني دول عربيّة، العمل على تأصيل نوع أدبي جديد. وها نحن ننجز هذا العمل بعد أن استكملنا التأسيس الفكري والفلسفي لتأصيل شعر الومضة والقصّة الومضة، وأول ندوة عمليّة ستكون غداً الخميس في 26 – 9 – 2019.

*مؤسس ملتقى الأدب الوجيز.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0