مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

سوريا وحلفاؤها.. شراكات استراتيجية ومعادلات صلبة

49

ربى يوسف شاهين*

دأبت روسيا وإيران الحليفان المحوريان مع سوريا، على اكتساب ثقة تركيا سياسياً طوال مدة انعقاد منصة استانا. مُعطيات وتحديات كبيرة واجهتها جميع الاطراف الضامنة للحل في سوريا، فبين تعنّت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتمرد الولايات المتحدة عبر قرارات رئيسها دونالد ترامب، وتحرّكاته في سوريا بدءاً من الجنوب وتحديداً قاعدة التنف وصولاً الى الشمال الشرقي، وبين تركيا والولايات المتحدة، تقبع منطقة الشمال السوري تحت ضغوط سياسية وعسكرية ممنهجة بمحاولة تأخير الحل ومنع تقدم الجيش السوري وحلفائه، فما سطّرته المباحثات خلال النُسخ السابقة لأستانا ومؤتمر سوتشي، أنهت كثيراً من التعقيدات الحاصلة عبر الانتقال بين الحلول السياسية والعسكرية، وذلك حسب متطلبات كل منطقة تنتشر فيها المجموعات الإرهابية.
ليتمكّن الفريقان الروسي والإيراني من إحداث تطورات ارتبطت بشكل جوهري، مع ما تم الاتفاق عليه في الاجتماعات السابقة لاستانا وقمة سوتشي، بدءا من التأكيد على البند الاهم في المباحثات، وهو تأكيد السيادة السورية على وحدة أراضي الجمهورية العربية السورية كافة، ومكافحة الإرهاب، وصولاً الى منطقة خفض التصعيد الرابعة، والمناطق المنزوعة السلاح، حتى الوصول الى حل مسألة لجنة مراقبة الدستور.
وتعتبر منطقة ريف حماه الشمالي المنطقة الاكثر تعقيداً في المواجهات بعد تحرير الجنوب السوري، ومحيط دمشق وحلب وصولاً إلى ريف حماه الشمالي، والتي استطاع الجيش العربي السوري من تحقيق تقدم ملحوظ، واستعادة مناطق غاية في الاهمية الاستراتيجية، بدءاً من كفرزيتا وقلعة المضيق، وصولاً الى خان شيخون التي تُشكل منطقة استراتيجية للوصول الى محافظة إدلب، وكل ذلك بعد انتهاء المُهل المُعطاة للضامن التركي في تنفيذ بنود سوتشي، فالقرار باستئناف العمليات العسكرية للوصول إلى إدلب جاء في اجتماع استانا 13، بعد قرار وقف اطلاق النار الذي وافقت عليه الدولة السورية، ولم تلتزم به الجماعات الإرهابية كعادتها، والذي أجّج الموقف العسكري هو الانتهاكات المستمرة للجماعات الإرهابية على مواقع للجيش السوري وقاعدة حميميم الروسية والبلدات القريبة من تمركز الجماعات الإرهابية. هي معطيات استدعت الحل العسكري الفوري.
وعلى الجانب الآخر حيث تتمركز القوات الأميركية المؤلفة من 200 جندي، وذلك بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من سوريا، ليتم تموضعهم في الشمال الشرقي من سوريا، لدعم ميليشيات قسد وتنفيذ الاجندات الأميركية في الجزيرة السورية، من نهب وسرقة للنفط السوري، وللثروات الطبيعية، وايصال “إسرائيل” للاستفادة من النفط السوري عبر وسطاء كرد ومستثمرين إسرائيليين وبرعاية أميركية، في المناطق الواقعة تحت سيطرة ميليشيا قسد.
وبين تلك المنطقتين امتداداً من إدلب وصولاً لدير الزور والحسكة والرقة، وما تبقى من فصائل إرهابية في الجنوب الغربي لحلب، تبقى الاطراف المعادية من أميركا وحلفائها الكرد وتركيا وادواتها من المجموعات الإرهابية، المشكلة الكبرى في إنهاء الحرب على سورية.
قمة أنقرة بين بوتين وروحاني وأردوغان ستضع اللمسات الاخيرة لاتخاذ القرار الأخير بالمُضي قُدماً وعبر الحل السياسي لتعقيدات المشهد في داخل إدلب. ولا بد من التسليم من قبل الجماعات الإرهابية وإلا فمصيرها محتوم وذلك لإنهاء ملف إدلب، خاصة أن أردوغان تبين فشله في تحقيق المطلوب منه بالنسبة للمجموعات الإرهابية، ومع تصريحه للأوروبيين بأنه عازم على فتح الحدود والسماح بهجرة الإرهابيين الى بلادهم، اذا لم يتم التعاون لإنهاء أمرهم، هو نوع من الضغط التركي على الدول الاوروبية لرفع اليد عن ملف إدلب، ليقينه بإصرار الحليف الروسي والإيراني والجيش السوري على استعادة كل شبر من سوريا.
لذلك اعتمدت تركيا فكرة المنطقة الآمنة مع أميركا وذلك للأسباب التالية:
*اولا – الإخفاق السياسي والعسكري لتركيا عبر ادواتها الإرهابية التي انهزمت امام الجيش العربي السوري وبدعم روسي إيراني.
*ثانيا – دخول تركيا كدولة ضامنة للحل السياسي في سوريا، جاء نتيجة تمكن الحليف الروسي من جرّ أردوغان لمنصة استانا ليقيه خسارةً اكيدة، وليظهر امام الداخل التركي خاصة، وعلى المستويين الإقليمي والدولي في نهاية المطاف، كلاعب اساسي للحل في الحرب على سوريا، وذلك ضمن غايات سياسية اقتصادية تجمع البلدين، ولا ضير من إغفال بعض الملفات التي تُشكل توتراً بينهما.
*ثالثا – التكلفة الاقتصادية الكبيرة التي تكبدها أردوغان من دعم الجماعات الإرهابية، والتي لم تحقق له اقل العائدات، إضافة الى بقاء 3 ملايين لاجئ سوري على الاراضي التركية، ولا بد من ترجيلهم إلى المنطقة الآمنة المُزمع انشاؤها، خاصة مع امتعاض الداخل التركي من تواجدهم رغم تصريحه المرحب بهم.
*رابعا – ما أفرزته الحرب على سوريا من زيادة التوترات والانشقاقات داخل حزب العدالة والتنمية نتيجة السياسات الخاطئة لأردوغان خارجياً والتي انعكست عليه داخلياً.
ضمن هذه المُعطيات سعى أردوغان لبلورة المنطقة الآمنة، بما يُشكل له مخرجاً سياسياً من جُملة المأزق التي وضع نفسه بها، جراء سياساته المتأرجحة بين الكرد من جهة، ودعم الإرهابيين من جهة أخرى، فيما يُحقق له إطالة امد الحرب على سوريا.
المراقب لمجريات الامور على الساحة الإقليمية والسورية خاصة، يدرك أن إصرار الدولة السورية والحليفين الروسي والإيراني على استعادة كل شبر من سوريا لم يتزحزح، ويتم التأكيد عليه بشكل مستمر عبر زيارات متتالية لمبعوثين روس الى سوريا، واجتماعهم بالرئيس الاسد قبيل اي اجتماع للدول الضامنة.
انتصارات محور المقاومة ككل بدءاً من سوريا ولبنان والعراق، شكل سداً منيعاً لمجابهة جميع التحديات السياسية الحاصلة لإطالة الحرب على سوريا، ومنعها من جر المنطقة ككل الى حرب اقليمية كبيرة، فالقادة الكبار السوري والروسي والايراني، كبحوا جماح الحرب بكافة جوانبها، عبر امتصاص الارتدادات السياسية التي أُوجدت لاستفزاز القيادات للذهاب الى ابعد ما يمكن ان تصل له يد الحرب على سوريا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0