مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

كل عام ودار العجزة بخير

163

المهندس باسل قس نصر الله *

تعرّفت في أحد أسفاري إلى “منى منصور”.
وهي سيدة دمشقية تعيش الغربة في فرنسا، أسست وترأست في فرنسا جمعية “قلب بلا حدود” وهي جمعية صغيرة، لكنها ناشطة بفضلها.
اتصلت بي وأعلمتني أنها ستأتي إلى سورية لتوزيع بعض الهدايا والمعونات البسيطة في مدن عدة، ومنها حلب وأنها اتصلت بصديقي الفرنسي الرائع بيير لو كورف لتأمين ذلك.
لم أكن أتوقع أن تكون زيارتنا الليلية لهذه الدار، “دار العجزة” في المشاطيّة، ستأخذ تفكيري وتريني وجه الخير في حلب تجاه أولئك الذين نبذهم الجميع.
أسس الدار الحاج عبد العزيز بوشي على أن تضمّ العجزة من منطقة المشاطية في مدينة حلب القديمة، وأسسها مع مجموعة من أهل الخير، وكبرت الدار لتضم إليها أكثر من مئتي شخص بين رجل وأنثى واولاد، كلهم من المعوقين عقلياً.
ويتابع شؤونها اليوم الحاج عبد الرحيم بوشي الذي استشهد أبناؤه الأربعة، فجعل من نزلاء الدار أبناء له.
صعقت من الذي رأيته، انا الذي اعتقدت بأنني أعرف حلب.
العشرات من الرجال والنساء والأولاد والفتيات، بلغت أكثر من مئتين، من ذوي الحاجات الخاصة عقلياً وجسدياً، تركهم المجتمع فتركوه، وعاشوا في مجتمعهم الخاص.
لكل منهم ومنهن قصة. فالبعض تركهم أبناؤهم لكبر سنهم، والبعض لمرض بهم، ولكن ما أحزنني أن البعض من الأبناء أو الإخوة، تركهم لأنهم يسيئون – بوضعهم العقلي – إلى صورتهم الملمّعة بعناية أمام المجتمع.
منهم ونتيجة للأزمة السورية من قُتل – بضم القاف – جميع أهله الأصحاء وبقي هو أو هي.
منهم من لا تعرف الجمعية اسماً له ولا نسباً.
منهم مَن لا يسأل ذووهم عنهم.
ومنهم ومنهم …
ونحن نتراكض لكي نقيم المهرجانات على أساس أن “عادت أيامك يا حلب”.
نتراكض لنبذخ، ونتباهى، ونقيم حفلاتنا، ونأخذ الصور لكي نضحك على أنفسنا أننا بخير.
لا لسنا بخير …
أيّها البعض من لابسي العمامات والقلنسوات، ومن مسؤولي الأضواء ..
أيّها البعض من تجار المعابد بكل أنواعها، لسنا بحاجة إلى خطب ومواعظ فقط.
لا يكفي أن تتراكضوا لترميم المساجد والكنائس ودور العبادة الأخرى، علينا أن نرمم تلك النفوس والأجساد التي بحاجتنا.
الفقراء والجوعى والمعوزون بحاجتنا، و “ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به”.. وكلكم يعلم بذلك ولا استثني أحداً منا.
نحن بحاجة إلى عمل وفقط العمل “وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” (التوبة: ١٠٥).
الكثير من أهلنا حزانى.
والكثير من أهلنا جوعى.
ويقول الإنجيل المقدس: “طُوبَى لِلْحَزَانَى، فَإِنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، فَإِنَّهُمْ سَيَرِثُونَ الأَرْضَ. طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، فَإِنَّهُمْ سَيُشْبَعُونَ”.
شكراً لمن يعمل ويتابع ويعطي لأنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس.
أجمل ليلة رمضانية قضيتها معكم أنتم العجزة من مختلف الأعمار.
شكراً لكم لأنكم جعلتموني أشعر أكثر بإنسانيّتي.
كل عام وداركم وأنتم بخير.
اللهم اشهد أني بلغت.

* مستشار مفتي سورية

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0