مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

الشهيد مصطفى بدر الدين.. كيف يصنع القائد نفسه؟

150

إبراهيم وزنه*

ها قد أقبل شهر أيّار، لم يعد يعنيني أوله، عيد العمّال، وأنا الذي نزلت إلى ميادين العمل منذ ما يزيد عن نصف قرن، وكثيرة هي المناسبات في نوّار الشهور. فمن عيد الشهداء إلى عيد الصحافة وصولاً إلى عيد المقاومة والتحرير، ليبقى الثالث عشر منه يوماً يؤرق أيامي ويفرض نفسه على تفاصيل حياتي، فهو اليوم الذي قضى فيه رفيق الدرب وساكن القلب مصطفى بدر الدين شهيداً، و”ذوالفقار” جمع معاني مناسبات أيار في شخصه الاستثنائي، فكان العامل، والشهيد، والإعلامي وقائد الانتصارات.

في ذكرى رحيلك، اعتدت أن أكتب عنك يا صديقي، وغايتي التعريف بشخصك والحديث عن بداياتك في عشق الثورة على الظلم واندفاعك إلى ساحات نصرة الحق وقضايا المستضعفين، وفي ذكراك الثالثة اخترت أن أفلفش في صفحاتك العسكرية وولعك بالبنادق و”الأكشن” وشغفك بالاطلاع على العلوم العسكرية والتثقّف الحربي منذ صغرك.

تعود بي الذكريات إلى العام 1973 عندما كنت ترافقني إلى الحرش ـ حيث ترقد اليوم شهيداً ـ ومعنا بارودة الخردق، فنمضي الساعات تفنناً في الرمي والتصويب، على الأهداف الثابتة والمتحركة، وفي فترة لاحقة صرنا نشتري الديناميت لنرميه في البحر عند الشاطئ المحاذي لمقام الأوزاعي مقلدين الصيادين من دون خبرتهم، فنضطر بعد رمي ما اشتريناه من أصابع إلى رمي السمكة الوحيدة التي طفت فوق سطح الماء كي لا يشمت بنا الأصدقاء.

وفي الحديث عن السينما، فمعك لم نعتد الا مشاهدة الأفلام الحربية والأكشن، وفي بعض الأحيان كنت تصرّ على مشاهدة الفيلم مرتين للاستمتاع بمشهد حافل بالتحام الجيوش أو زرع الألغام وتنفيذ الخطط العسكرية.

وعندما التحقت بخدمتي العسكرية الإلزامية في ثكنة صيدا ـ تشرين الأول 1975، لطالما كنت تنتظرني في المأذونيات لتطلع عن كثب على ما أتعلّمه من نظام مرصوص ومواصفات الأسلحة وأصول الرماية وفنون القتال ومبدأ الحركة والنار وما الى ذلك، ونزولاً عند رغبتك خرجت عن القانون عندما أخرجت بندقية الـ أم 16 من الثكنة، وفي بيتنا رحت تتعلّم فكّها وتركيبها، ويومها ذهبت ليلاً واشتريت علبة ذخيرة للبندقية الخفيفة السوداء من عيار 7,62 من أحد التجار في زواريب الغبيري، وصباح اليوم التالي أشبعت رغبتك بالرمي قبل أن أعيدها نظيفة لامعة إلى خزانتي في الثكنة عصراً.

ومع التحاقي بجيش لبنان العربي في آذار من العام 1976 واستئناف المعارك على محور الشياح عين الرمانة، أثمرت زياراتك المتكرّرة إلى مكان خدمتي في مدرسة القتال في حارة حريك عن الفوز بمفكرة دسمة من المعلومات العسكرية حول المدافع وأصول الرمي والقصف المباشر وغير المباشر وفنون تحديد الإحداثيات والمسافات والزوايا والاتجاهات، وصرت تطلب مني أن أسألك لأختبر معلوماتك.

وفي بيتنا الذي تحوّل إلى ثكنة بجهود أخي زهير ومجموعته العسكرية التابعة لتنظيم فتح صرت تواظب على الزيارة بغيابي للتزوّد بالخبرات حول قتال الشوارع وحرب المحاور وأخبارها بالإضافة إلى حرصك على تعلّم فك وتركيب البنادق المتنوّعة.

وفي هذه الفترة أذكر متابعتك مع أخي زهير للوقوف على تفاصيل “الكاتم” الذي كان بصدد إنجازه. وعند سفري إلى السعودية للعمل، وصلني منك شريط مسجّل، أخبرتني فيه بأنك حققت رغبتك ورميت بالأر بي جي، وأصبت الهدف بشكل دقيق، وبقيت تواصل شغفك في تحصيل ومراكمة الخبرات الميدانية والنظرية.

منذ صغره، تميّز مصطفى بدر الدين عن أقرانه بالشجاعة وصلابة الموقف مع إيمان راسخ كان يترجمه بحلو المعشر وصدق اللسان، وفي ضوء تأثره بالثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الامام الخميني بشكل كبير، راح يترجم ما راكمه من خبرات عسكرية كان قد اكتسبها بفعل اجتهاده في تحصيلها من خلال تشكيل مجموعات عسكرية، أتقن فنون التكتيك والخداع وأهمية عنصر المفأجاة في خوض الحروب، حتى أنه حرص على تعلّم صناعة المتفجرات، وخلال الاجتياح أصيب في خلدة ولم تثنه الإصابة عن مواصلة تطوير أدائه وخبراته العسكرية والالتحاق بدورات متقدّمة، وهذا ما أهّله لتسلم مسؤوليات كبيرة في صفوف المقاومة الإسلامية “حزب الله”، فكان أحد أبرز قادتها وأشرسهم في الميادين، ومعركة تحرير حلب من التكفيريين تشهد على علو كعبك في فنون القتال وأنت الذي جعلتهم “كعصف مأكول”.

في ذكراك، يا أخي ورفيقي، أجدّد وفائي لك يا أوفى الناس لقضايا الحق، يا نصير المستضعفين وسيف المجاهدين، “ذو الفقار”… كلمة السر في عبورنا إلى فلسطين، لا بدّ للقدس أن تتحرّر، وسيأتي اليوم الذي ندخل فيه إلى الحرم القدسي من بوابة يعلوها سيف “ذو الفقار”.

*زميل إعلامي وكاتب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0