مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

تاريخ الأدب السرياني: مَن هم السريان؟ حلقة 1

74

نزار حنا الديراني*

نزار الديراني باحث واديب لبناني

أسئلة عدة لا بد أن تتبادر إلى الذهن من بينها من هم السريان؟ هذا الشعب الذي كان بمثابة الشمعة التي تذوب لتنير للآخرين الدرب… ولماذا دار حول تسميتهم جدال دون غيرهم من الشعوب القديمة؟ ولماذا تشظى هذا الشعب دون غيره بفعل الانقسامات رغم أن الشعوب الأخرى مثلهم قبلوا بالمسيحية وبمذاهبها ديناً لهم ولم يتشظوا؟…

ومن أجل معرفة حقيقتهم لا بد لنا أن نعيد ذاكرتنا الى الوراء ولآلاف السنين، على الأقل من زمن السومريين الذين هم أول من أسس إمبراطورية وحضارة في المنطقة وكانت عاصمتها أوروك فضلاً عن مدن أخرى وبعد حكمهم لمئات السنين جاء من بعدهم الأكديون ونقلوا عاصمتهم الى آكاد  Agade، ولكن السؤال الذي لا بد لنا أن نسأله ما مصير السومريين؟ هل أنشقت الأرض وابتلعتهم أم هم نفسهم الذين سمّوا بالأكديين.. وهل لنا أن نقول إن الأكديين قد جاءوا من أماكن أخرى من خارج الحدود؟؟ من المؤكد أن الشعب هو نفسه مع التلاقح بمجموعات أخرى قريبة منهم فكونوا لهم دولة جديدة بعاصمة جديدة وعلينا أن لا ننصاع بسهولة الى النظرية القائلة بأن الأكديين هم ساميون ولا تربطهم بالسومريين أي رابطة وإلا علينا إثبات أن الشعب السومري قد أبيد كلياً سواء بفعل زلزال ضخم شق الأرض وبلع هذا الشعب أو بفعل عوامل أخرى وهذا ما لا يعقله أحد.. وبعد فترة انتهى حكم الأكديين لتحل محلهم حكومة جديدة نقلت عاصمتها الى بابل وسمُّوا بالبابليين إلا أن الشعب الأكدي لم يبد هو الآخر بل هو نفسه مع بعض التلاقحات بفعل التوسّع والسبي و… وهكذا حين جاء الآشوريون ونقلوا عاصمة حكمهم الى العاصمة آشور ومن بعدهم الكلدانيون وعاصمتهم بابل…

استطاعت هذه الحكومات (الأكدية، البابلية (الكلدانية)، الآشورية) أن تفرض لغتهم الأكدية المسمارية على الشرق.

مقابل ذلك كانت هناك مجموعة أخرى سميت بالآراميين كانت تعيش خارج المدن الكبيرة ولم يكونوا لأنفسهم مملكة عظيمة ولا عاصمة كبيرة بل استطاعوا أن يتوغلوا الى قلب العاصمة البابلية والآشورية والكلدانية والفارسية وتفرض عليهم كتابتهم وربما تسميتهم الآرامية على مدى 1200 سنة، خصوصاً بعد سقوط الدولة الكلدانية ولكن لا بفعل السلاح، بل بفعل أبجديتها وبساطة اشتقاقها وقواعد نحوها…[1] فأصبحت اللغة الرسمية في المنطقة بفضل اتخاذها لغة رسمية لكل من الدولة الآشورية والكلدانية والأخمينية (الفارسية) فانتشرت على مساحة توسع هذه الإمبراطوريات فسادت الشرق بأسره منذ نهاية القرن السابع قبل الميلاد ودخلت عصرها الذهبي منذ أواخر الدولة الكلدانية وفي عصر المملكة الأخمينية سنة 539 ق. م. حيث انتشرت من نهر النيل الى نهر الهندوس فانتشرت في بلاد مصر وحلت محل الفينيقية في دول ساحل البحر الأبيض المتوسط وفي مملكة يهوذا، حيث حلت محل العبرية ووصلت الى الهند وأفغانستان و… وهناك العديد من الشواهد ما يثبت ذلك من بينها الرسالة التي عثر عليها في مصر العليا مكتوبة بالآرامية على أوراق البردي أرسلها الملك (أدون) أمير إحدى المدن الفينيقية الى ملك مصر عام 605 ق. م. يطلب مؤازرته ضد الجيوش البابلية [2] ومن أمثلتها أيضاً الرسائل الآرامية التي نشرها دريفر في الوثائق الآرامية[3]، وتتألف من عشر رسائل كتبت على جلد (ربما رق) وجدت في محفظة جلدية ومصدرها بابل وشوشان، وهي موجهة الى عامل الإمبراطور الفارسي في مصر، وهي فارسية بحرفها السرياني الآرامي واكتشفت في مصر (جزيرة الفيلة ـ أسوان) بعد اكتشاف أوراق البردي (احيقار). جميعها يرتقي تاريخها الى مطلع القرن الخامس قبل الميلاد (490 – 408 ق. م.) ويمتد إلى حوالي سنة 300 ق. م. وشواهد أخرى كثيرة عثر عليها في بلاد أفغانستان وبابل وآشور وبلاد الفرس ومصر وفلسطين والجزيرة العربية و… إلا أن نجمها بدأ بالأفول حين غزا اسكندر الكبير بلاد الشرق في النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد فأصبحت اليونانية هي اللغة الرسمية في المنطقة بدلاً من الآرامية. وبعد موت الإمبراطور أسكندر المقدوني عام 323 ق. م. تجزأت مملكته الى دويلات عدة، فانقطع الاتصال بين أماكن تواجد اللغة الآرامية مما أدى الى انقطاع الصلات اللغوية في ما بينها مما أدى الى نشوء لهجات عدة كلُ منها متأثرة ببيئتها وما يجاورها كاللهجة الفلسطينية والنبطية والتدمرية والمندائية والرهاوية و… وتعتبر سريانية أسروينا (عاصمتها الرها) من أهم اللهجات والوريث الشرعي للغة الأم، كما يقول بذلك المطران أندراوس صنا [4] وقد لعبت دوراً مهما في التبشير المسيحي…

وهناك من يذهب منذ القرن الثالث قبل الميلاد حلّت السريانية كلغة وتسمية محل الآرامية، خصوصاً بعد انتشار المسيحية في المنطقة والتي انطلقت من مملكة أوسروينا ـ أورهاي واستمرت هذه التسمية في المنطقة من غير أن تذكر المصادر التراثية مفهومها ولا مصدرها إلا أنها وكما قلنا أصبحت السريانية من أهم اللهجات والوريث الشرعي للغة الأم… وحين أنشقت الكنيسة إلى شقين سميت بأسماء مروّجيها فقسم منها سمي بالكنيسة النسطورية نسبة الى مار نسطورس والقسم الآخر سمي باليعقوبية نسبة الى مار يعقوب إلا أن التسمية القومية بقيت السريانية والدليل على تداولها بين الأغريق والرومان والعرب والفرس و.. فسميت لغتنا بالسريانية (العرب يستخدمون أل التعريف) وثقافتنا بالسريانية وأدبنا وعلومنا و… أما الغرب فبعضهم أضاف عليها الحرف A وآخرون بدون هذا الحرف وربما يكون استخدام هذا الحرف متأخراً أي اشتقاقاً من الـ العربية وربما… لذا من الخطأ تسميتها بالآشورية لكونها لم تكن متداولة في بلاد وعهد الأشوريين فحسب، بل امتدت الى زمن الكلدانيين وكان عصرها الذهبي في عهد الأخمينيين… ولكن والحق يقال إن الأبجدية المستخدمة كانت هي الآرامية إلا أن اللغة الآرامية لا يمكنها ان تحل محل الأكدية وتقضي عليها كلياً بل حدث تلاقح بين هذه الآرامية والأكدية المستخدمة في المنطقة وتطورت الى ما سميت باللهجة السريانية.

أما التسمية الكنسية فبقيت على حالها. وفي القرن السادس عشر حين قدم المبشرون إلى المنطقة، فبدلاً من أن يبشروا في المجموعات غير المسيحية بشروا في مسيحيي كنيسة المشرق بشقيها ليُشرِحوها إلى كنائس عدة، فالذين انشقوا من النسطورية تجاه الكاثوليكية سمّوا بالكلدان رغم عدم وجود أي رابط لأن التسمية الكلدانية هي قبل المسيحية بقرون عدة، ولا علاقة بينهما لاهوتياً أعني الديانة الكلدانية والكاثوليكية المسيحية… وكان علينا أن نتساءل قبل قبول هذه التسمية، أي كان من الأجدر بنا أن نقبل بتسمية سريان كاثوليك لا غيرها… ومن ثم سميت البعثة البروتستانتية في القرن التاسع عشر على من لم يقبل الكثلكة سواء قبل منهم المذهب البروتستانتي أو لم يقبل بالتسمية الآشورية أو الآثورية، وكان علينا أن نتساءل أيضا ما علاقة هذه التسمية (التي لم تكن متداولة كما الكلدانية إلا بشكل محدود جداً ومنذ عشرات القرون) بالمسيحية أو المذهبية… وهكذا نجد أن البعثات الارثوذكسية أبقت التسمية السريانية على رعاياها من دون أن تسميهم بالسومريين أو الأكديين أو الآراميين… وعلينا أن نتساءل أيضاً لماذا أبقت البعثة الكاثوليكية على المكثلكين من الأرثوذكس (اليعاقبة) بالسريان الكاثوليك وليس بتسمية أخرى أو الكلدان؟… ربما أحدنا يقول إنهم أحسوا بخطئهم؛ ونجيب إن كان كذلك لماذا لم يصححوا خطأهم ويسموا الكلدان بالسريان الكاثوليك؟؟؟ فأصبحت هذه التسميات التأريخية مرتبطة بالمذهبية رغم عدم علاقتها بذلك وقَبِلَ هذا الشعب هذه التسميات بكل طاعة من غير أن يفكر أحدهم بإعادة النظر في هذه التسميات التي جزأت الشعب الواحد الى أجزاء رغم أنهم كانوا يتحسّسون بكل ما كان يجمعهم تحت خيمة قومية واحدة من حيث اللغة والتاريخ والتراث و… إلا أنهم لم يتجرأوا بإعادة النظر في تسميتهم وحتى عندما ذهبوا بوفود عدة الى حيث عصبة الأمم ذهبوا بأسماء عدة ولم يفكروا أن يصححوا الخطأ من أجل أن يذهبوا باسم قومي واحد… وبقيت هذه التسميات المتشتتة وحتى مطلع السبعينيات حين أجمعتهم السلطة الحاكمة ومررت عليهم تسمية الناطقين بالسريانية من الكلدان والسريان والآثوريين، وكان على المجتمعين أن يتساءلوا ماذا يعني بالناطقين؟ هل هذا يعني أن هذه اللغة ليست لغتنا بل فرضت علينا من قبل الاستعمار السرياني؟ أي بمعنى هل نحن ثلاث قوميات ولكن لغتنا هي السريانية؟؟ أم أن قوميتنا هي إما العربية أو الكوردية أو التركمانية أو الأرمنية أو الفارسية أو… ومذاهبنا هي الكلدانية والسريانية والآثورية ولكن الاستعمار السرياني فرض علينا السريانية؟؟…

ومثلما ظهرت نظريات عدة حول منشأ أجدادهم (السومريون والأكديون والبابليون والآشوريون والكلدانيون والآراميون) حيث يلخصها د خزعل الماجدي[5] بـ :

(هناك عشر نظريات حول أصل الساميين: الأولى تقول إنهم من الجزيرة العربية، والثانية من اليمن، والثالثة من وادي الرافدين، والرابعة من بلاد الشام، والخامسة من وسط آسيا، والسادسة من أرمينيا، والسابعة من قفقاسيا، والثامنة من شمال أفريقيا، والتاسعة من شرق أفريقيا، والعاشرة من أوروبا)…

هكذا ظهرت نظريات عدة في منشأ السريان لتتشبث كل مجموعة بإحدى هذه النظريات تؤهلها دخول حلبة الصراع حول تحليل التسمية السريانية ومن أبرزها:

  • النظرية اللغوية على اعتبار أن التسمية السريانية هي محرّفة من الآشورية بحجة أن الإغريق حين قدموا المنطقة صعب عليهم لفظ حرف الشين لذا لفظوه سين… ولكن علينا أن نتساءل أيضاً هل حقاً الإغريق كانوا عاجزين عن لفظ هذا الحرف؟ وهل اللغة الإغريقية خالية من أي كلمة فيها حرف شين؟ ألم يسمعوا بأقوام أخرى تستخدم هذا الحرف وهل حرفوه لهم؟ وإن كان كذلك نقول وهل الرومان والفرس أيضاً كانوا عاجزين من تلفظ هذا الحرف؟؟؟
  • النظرية التوراتية التي تذهب على أن هذا الشعب كان يسمي نفسه آرامي ولكن بعد قبوله المسيحية استبدل اسمه بالسرياني كي يتم تمييزهم عن الوثنيين وكأن السريانية تعني المسيحية أو أنهم قوم قبلوا المسيحية قبل الآراميين… وإن كان كذلك وكأننا فسرنا الماء بالماء لأننا سنتساءل من جديد من هم السريان؟
  • النظرية المكانية أي أن السريان سمّوا بهذا الاسم نسبة الى مملكتهم سوريا أو ملكهم سوريوس أو… وهذا ينقلنا الى التساؤل من أين جاء أسم سوريا، وماذا كان يسمي نفسه هذا الشعب قبل سوريوس؟؟
  • ومن الممكن أن نظيف نظرية أخرى ونقول ربما إن هذه التسمية قد اشتقت من أسم (أسروينا) هذه المملكة التي تبنت هذه اللهجة (السريانية) منذ القرن الثالث قبل الميلاد وأنطلق بها المبشرون الى بلدان عدة لتصل بلاد الهند والصين و… أو ربما تكون (وهذا احتمال أضعف) مشتقة من اسم مدينة (سرين) التركية وهي إحدى مدن أسروينا التي كانت تستخدم السريانية….

ومن المنطق أن نقول: هذا الشعب كان يسمّي نفسه ولا يزال بهذا الاسم (سريان) وعندما جاء الإغريق أو الرومان أو الفرس أو العرب وسألوهم من أنتم قالوا سورايا (جزء من العراق وإيران) أو سوريت (جزء من تركيا) أو سوريويو (سوريا ولبنان) فلفظها الغرب (سيريان أو أسيريان أو سيرياك) والعرب والفرس (السريان)… وما الضرر لو بقيت هذه التسمية كي توحد الشعب الواحد طالما لهم المقومات نفسها؟…

والغريب لم تحظَ الشعوب العريقة الأخرى (كالإغريق والرومان والفرس والعرب والعبرانيين و…) بمثل هذا الجدال..

 

المراجع:

[1] للمزيد راجع المطران أندراوس صنا بين العربية والسريانية مجلة مجمع اللغة السريانية العدد 2 سنة 1976

[2] المطران أندراوس صنا – المصدر نفسه.

[3] المطران بولس بهنام ـ افاق جديدة في دراسة اللغة الآرامية / مجلة مجمع اللغة السريانية ـ المجلد 2 سنة 1976 ص347.

[4] المصدر السابق

[5] في مقال منشور له على صفحته الإلكترونية تحت عنوان (خزعل الماجدي يفجر مفاجأة تاريخية: الساميّون لم يخرجوا من الجزيرة العربية).

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0