وصلني رابط لمايدعـى «هيئة مكافحة الإشاعات» الذي أسمع به للمرة الأولى.. في البداية عندما تراسلها تكتب ابحث عن «شائعة» وبعدها يأتيك الرد.. وننتقل للصور التي ينشرها الموقع، واحدة مكتوب عليها الحقيقة والأخرى الشائعة.. الصور الحقيقية والخبر الحقيقي في الغالب منسوب إلى محطات وتلفزة مرموقة وبعضها محلية يتم تداولها وترسل على «الجروبات» كالنار في الهشيم.. وآخرها منذ أيام خبر لوفاة ثلاثة أشخاص في مستشفى ما نتيجة تناول لحم معـلب من ماركة معينة وقد وصلتني الرسالة أنا شخصياً عدة مرات في الليلة نفسها, والكارثة أنني قد تسوقت من يومين بست علب من المادة نفسها (وهي ليست رخيصة) فاتجهت إلى المطبخ ورميتها في سلة المهملات وسط ذهول الشغالة في المطبخ التي طلبت أن تأكلها لأنها غير منتهية الصلاحية فقلت لها إنها فاسدة..!
وكما يعـرّف الإشاعـة عالم الاجتماع الأميركي «تي شيبوتاني» بأنها أخبار ملفقة تتولد من نقاش جماعي ومصدرها حدث مهم وملتبس وتعريفها المختصر((«الإشاعة = الأهمية + الالتباس»)).!
أثبتت المعلومات المضللة /السياسية والاقتصادية بأنّ تأثيرها كبير للغاية ويمتلك المضلـّلون صفحات عـديدة على فيسبوك، مخصصة لكل شيء بداية من الأغـذية الطبيعـية حتى الوجهات السياحية لقضاء العطلات. وهي تجذب عدداً كبيراً من المستخدمين، وتحظى بإعجاب مئات ألوف الأشخاص، ففي جميع أنحاء العالم، ومن بينه بلدنا: هناك آلاف الأشخاص لديهم الاستعداد لنشر أي محتوى من أجل حفنة دولارات.
حرب الإشاعات هي أحد مظاهر حروب الجيل الرابع، توظيف القوى الناعمة لاختراق الشعوب لتدميرها، وهي ماساعـدت عليها ثورة علم الاتصال وانتشار الوسائط الإعلامية السمعية والبصرية والإلكترونية.
إن إخفاق الإعلام الوطني، بمواجهة موجات الشائعات له أسباب عدة نتناول أهمها:
– شُح المعلومات يؤدي لخلق بيئة حاضنة للشائعة ولكن كلما توافرت المعلومة لن تجد الشائعة البيئة الخصبة لتناميها ولهذا أصبح على الدولة أن تسرع في احتوائها.
– تناقض المعلومات بمعنى تعدد الجهات التي تعطي المعلومة بشأن حدث معين أو صدور تصريحات من جهة واحدة لكنها تكون متناقضة وفي كلتا الحالتين نعطي الفرصة لمروجي الشائعات لنسج الأخبار الكاذبة .
– مواقع التواصل الاجتماعي المروج الأول للشائعات، فمعظمها إن لم يكن جميعها يبدأ في الانتشار عن طريق ترديدها عبر هذه المواقع.
– ترديد الشائعات وتكرارها من خلال وسائل الإعلام حتى ولو بحسن نية يثبت وجودها في ذهنية المتلقي ولو بتكذيبها أو الرد عليها إذا افترضنا حسن النية.
لذا يجب التوقف عن ترديد محتوى الشائعة والاكتفاء بذكر الحقائق التي تترجم في العقل لمواقف رافضة للأخبار الكاذبة!
ونرى أنه يجب أن تتخذ الدولة إجراءات للحرب ضد الشائعات، منها: مراكز التفكير أو ما يسمى think tanks المعنية بمعالجة الموقف الإعلامي والأخبار الكاذبة التي تصبح شائعـة وتقطع الطريق على مروجيها ببث ونشر الأخبار الصحيحة المصاغة بشكل احترافي.
تدريب الناطقين باسم المؤسسات الحكومية على المهارات الإعلامية بمخاطبة الجمهور، بما فيها الصياغة المهنية للبيانات والأخبار الرسمية وتجنب الوقوع في الأخطاء والتناقضات التي تساهم في تعميق الشائعة بدل وأدها في مهدها!
عدم الاستهانة بالجهات التي تقف وراء الشائعات حيث تستعين بالاختصاصيين في نسج الأخبار الكاذبة، وتدفع مقابل ذلك الأموال لشن الحروب الدعائية.
قال كوتيليا (فيلسوف هندي بالقرن الثالث ق.م): «إن السهم الذي يطلقه الرامي قد يقتل شخصاً وحيداً أو يجرحــه، ولكن الأحابيل التي يديرها الأعداء قد تقتل حتى الأجنة في الأرحام».
لعقود، أتاح لنا الطب سبيلاً سهلاً للوقاية من الأمراض عبر اللقاحات، وذلك عبر تعريض أجسادنا لفيروس ضعيف لمساعدتها على توليد أجسام مضادة له، لكن هل من «تطعيمات» أخرى يمكن استخدامها خارج دائرة الطب؟
يعكف باحثون مثل ساندر فان ديرليندن على تطوير «لقاح» لمكافحة داء استشرى على الأخص في القرن الحادي والعشرين، وبات يعرف بـ«الأخبار الكاذبة».
وقد يثبت هذا الحل نجاعة لأن الدعاية المضللة تتصرف كالفيروسات، فالأخبار الزائفة تنتشر كالنار في الهشيم، وتفوق الأخبار الحقيقة بعمق تأثيرها ومداها، منتقلة من طرف لآخر عبر «تويتر وواتساب وفيسبوك»، وما يزيد الطين بلة هو أن الخبر الكاذب يستمر قائماً رغم المحاولات العديدة لدحضه. ولاننسى أنّ التضليل مثله مثل الفيروس يتحور باستمرار ويتكيف مع المتغيرات.
وتقول نيومان: «لو تغير الفيروس، هل سيستمر الناس في الوقاية منه؟»، متسائلة عما إذا كانت اللعبة ستنجح مع الطبيعة المتغيرة باستمرار للإثارة والأكاذيب على الانترنت.

صحيفة تشرين

ف/خ