مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

…من أسرار الوجود…

99

د. أحمد عياش

لطالما” الأنا “موجودة ، لطالما “الأنا” تؤمن بخلودها، من أجل ذلك بحث الإنسان عن كل الوسائل والطرق ليثبت بقاءها، حاول اكتشاف اكسير الحياة فلم ينجح، رفع “أناه” أهراما تناطح السحاب وحكى عبر أساطير تحاكي أوهامه وخياله ، على الصخور وعلى بردى النيل ، حنّط جثته و وعد نفسه بسفر أسطوري في اليوم الأربعين بعد أن أقنع نفسه أنه سيقوم من القبر في اليوم الثالث.

أدرك يأسه من تخليد” أناه” على الأرض،نظر إلى الأعلى، أعجبه الغيب، رفع “أناه” إلى السماء، وزع “أناه” أجزاءً بين كلّ قوى الطبيعة فإذا به يتعب من مشاهدتها تتناحر فيما بينها لكل واحدة منها جيش في الوهم و وحوش في الخيال ، أدرك فصام شخصيته، أنهكه السؤال، عاد وفي مهمة مستحيلة، جمع أشلاء”أناه” الممزقة في إله واحد يُعبد وتُرجع إليه الأمور، هدأ واستكان، ظنّ انه سيرتاح، إلا ان في بعض الظنّ إثمٌ ومن العار أن يرتاح ،لم يرتح، أضطرت “أناه” ان تُزين له الغيب بأن تُجمل له الموت، جعلت لموته ملائكة ثم رَشت لذّاته بحور العين، رَشت عطشه بأنهار من لبن ومن عسل، رَشت جوعه بثمر إلهي و مائدة العشاء السرّي، ثمّ رفعت فُقر حاله درجات فوق درجات ولم تكتف بكل هذه المغريات بل انتقمت من أعداء “الأنا ” بنار تتغذى بلهيب نارها وتتزين بصراخ المعذبين من الظالمين.

كل ما في الأمر أن “الانا” غير مقتنعة بعدمها، بعبثية توترها وبقلق موتها .

ليس هناك من” أنا” تعترف بنهايتها فكل “أنا” صانعة لألوهيتها لتزين ديمومتها.

يُحكى أن ملكا عادلا يحتضر ،ناهز التسعين من عمره، قال الأطباء فيه، أنه ميت لا محالة ،جاءته رعيته صفوفا صفوفا لتودعه وهو على فراش الموت لا يدري بما قاله الأطباء فيه، كلما دخل فوج من الناس إليه ، قبّلوا يده وبكوا، التفت إلى وزيره وناداه أن يقترب ، انحنى الوزير ليسمع كلماته المتقطعة ، سأله الملك:
-إلى أين هم مسافرون ؟
يودعوني ويبكون، أسفرهم طويل إلى هذا الحدّ أم أنهم لا يدرون متى يرجعون؟

كل” أنا ” آلهة ، وكل آلهة باقية، طالما متعة الدهشة واللذة والجدوى شعلة شباب فيك لا تنطفىء في داخلك.

أنت مزيج من ألوان الحب وكحول، أنت ثلج من نار وإلى ماء ستعود.

ف/خ

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0