مجلة وموقع إعلامي شامل
حرمون

الكاتب العراقي حيدر الهاشمي لـ حرمون: لا يُسأل العراقي كيف يكون شاعراً فالشعر جزء من العراق تماماً

الشاعر هو إبنٌ للعصر ولعلومه ومعارفه، وهو إبنٌ للمستقبل، لأحلامه وإمكاناته التي لم تولد بعد

أقول: لا حَرَمَنا الله من حرمون، ومن آفاق الحرية ومديات الجمال، التي أتاحها ويتيحها دوماً

259

حوار فاديا خالد

إن كانت في هذا الكون أسرار فإن العراق أبهاها.

ففي العراق ابتدأ كل شيء. وبه كان كل شيء. في العراق كتبت اول قصيدة، ونبض اول قلب للحب. وفيه سرحت أول أنثى شعرها وصبغته وحمّرت شفتيها وتركت انوثتها للريح والهوى..

وان يبلغ مدى حرمون العراق وأذواق مبدعيه، وان يدعوا الله ألا يحرمهم من آفاق الحريات والجمال التي يمنحها.. هو سر من أسرار النبض المشرقي، كذاك السر الذي أتى بجلجامش وصديقه السرمدي أنكيدو إلى جبل حرمون الأقدس لمواجهة الشر بوصفه قوة غاشمة.

وأن تحتضن صفحات حرمون القاص والسيناريست العراقي حيد الهاشمي لهو شرف وشهادة..

وإذ رأى الأديب حيدر الهاشمي أنه لم يعرف مكر الحروف م بالقدر الذي نسجت شرنقتها حوله، فأبقته رهنها إلى اليوم، حيث لم يتمكن اللون من احتضانه، اعتبر أن النقد والشعر سجال وتلازم، فحيث يكون أحدهما حكماً يكون الآخر، بل لا يكون الناقد كبيراً إن لم يكن شاعراً كبيراً؛ والعكس بالعكس.. لكن اعتبر رحلته اللامعة مع السيناريو مردها على جليسه الفضي بشاشته التي تتربع ركن كل بيت، أسوة بالكتاب..

إلى مواقف كثيرة لامست آه الدهشة جمالاً وسحراً.. في حوار شامل هنا تفاصيله..

 

 

  • نحن نعلم أنك بغنى عن التعريف، لكن تبقى زوايا مجهولة من سيرتك، ممكن إلقاء الضوء عليها وتعريف زوار مجلة وموقع حرمون عنك؟

 

عراقي جنوبي من الناصرية، أرض سومر التاريخ والحضارة، سبعيني المولد، ثمانيني النشأة، تسعيني الأحلام، في الألفية الثالثة رميت شباك الشعر، على طيورٍ بعيدة، سررت بالصيد لحظة ولحظتين وثلاثاً، ولم أعرف أن الحروف ماكرة بالقدر الذي نسجت شرنقتها حولي، وأبقتني رهنها إلى اليوم .

 

– ممكن العودة إلى البدايات، كيف بدأتم؟ وأين؟

 

الحلم، الرغبة، الألم الذي نحاول الهروب منه، كل هذه الأشياء كانت دخاناً على فضاء طفولتي. مَن يستطيع أن يصف خيط الدخان أو لفحةً من غبار؟… ربما هو أن هذا الفضاء هو الذي أحالني إلى الرسم، إلى اللوحة والفرشاة، كنت أعتقد أن بإمكان الرسم أن يخرج ما في داخلي من صراخ وأصوات، كنت أرغب أن يسمعها الجميع، لكن الحرف كان أمهر من كل الألوان وأسطع من كل الخيالات. وفي جنوب العراق تحديداً، يمتدّ الشعر مثل بستان باسق، على ضفاف الأنهار، يتلاشى معها في الأفق البعيد، ولا تملك في نهاية الأمر إلا أن تكون جذعاً بين جذوع النخيل.

 

  • ما عوائق البدايات؟ وكيف تخطيتها؟

 

في العراق يتوهّج الموت مثلما يتوهّج الجمال، ثنائية عصية على التفسير، لكن العراقيين بغتةً يدركون أنهم توهّموا بالشعر، بين هذين القطبين، نولد في الحرب التي لا تنتهي لتبدأ حرب أخرى تفضي إلى الحصار الطويل… ربما أن العزلة عن العالم، هي التي تجعلنا نسيج أنفسنا وواقعنا وتراثنا وكلما تنفسنا العالم تكاثف في صدورنا غيماً عراقياً.

 

لماذا أخترت ميدان الشعر وكتابة السيناريو؟ كيف تقيّم تجربتك فيه؟

 

لا يُسأل العراقي كيف يكون شاعراً. الشعر جزء من العراق تماماً، كما الماء والتراب والنخيل .

أما عن السيناريو فنحن لا نعرف العالم الا من شاشة التلفزيون… هنا ما من ثلاثة إلا والتلفزيون رابعهم، أو خمسة والتلفزيون سادسهم، التلفزيون صديق لي كما الكتاب، وهو الجليس الذي أحالني إلى كتابة السيناريو. لكن السيناريو بخلاف الشعر، هو جزء من عمل تركيبي… جزء من برنامج.. والبرامج إلى مؤسسات، لا تتوفر الا في أحايين متباعدة، ولذا تجربتي رهينة هذه المناسباتية والصدفة وتنتمي إلى الهواية بشكلٍ مطلق، رغم أني حصدت الجوائز في هذا المضمار .

 

  • هل ندمت على اختيارك؟ ولو توفرت لك ظروف التغيير تغير؟ إلى ماذا؟

 

أنا موجة… والموجة لن تنسى أنها تدفقت من نهر الواقع… وكل تعريف لها يتضمّن بالضرورة تعريفاً للواقع الذي أتى بها، أنا جزء من ظروفي وما يحيط بي وكل ما بإمكاني هو الارتقاء إلى مستوى متصاعد من الوعي والجمال… لو تغيّرت الظروف ألف مرة ومرة، سأحاول الارتقاء بها إلى ما يفوقها… ولن أقف عند حدودها مطلقاً .

 

  • كيف كوّنت خبرتك الفكرية والشخصية؟

 

القراءة والمطالعة، شيء أساسي في تعريف المثقف، تُضاف إليهما الإذاعة والتلفزيون. ظروف العراق والمنطقة العربية وتناقضاتها حافز دائم وغير منتهٍ على البحث والجدل. الآن النت يغلب على ما سواه من وسائل الاطلاع، لكن المعرفة بكل تقاسيمها وتنوّعاتها: فكرية، ثقافية، أدبية، فنية، سياسية أو دينية، لن تبرهن على نفسها إلا في ميدان العيش الواقعي، وبالقدر الذي يضطرب به الواقع، يتوهّج الوعي، وهكذا نحن محظوظون وبائسون في اللحظة نفسها.

 

 

  • ما أبرز ما تتذكره من مواقف جعلتك تكتشف نفسك، تحديات، مواجهات، إخفاقات، إنجازات؟

 

كثيرة وخارجة عن الحصر، الخوف الذي يعتصر قلوب الأمهات على مصير أبنائهن، الخائضين في الحروب، وكركرة الطفولة التي تلوّن المستقبل بالأمل .

قسوة وجهامة المعلم، التي تتحطّم على كلمات قصيدة جميلة، لم يتوقع أنها تصدر منك، رغم أنه متيقن أنها ليست لسواك.

نص ترسله أدراج البريد، وتعتقد أنه أصبح بذمة النسيان، ليفاجئك صديق ما أو تفاجئك الصدفة، فتجده منشوراً في صحيفة أو يبث في المذياع من طرف قصي من العالم.

 

  • برأيك، ماذا أنجزت حتى الآن؟ وماذا لم تنجز بعد؟

 

تطوّقني الأحلام من كل الجهات… أنا أحلم، أنا أتجدّد، لذلك أعتقد أنني لم أفصح بعد عن الأشياء المهمة، رغم أنني لا أستطيع أن أتبيّنها، أنا أشعر فقط بأن القادم أهم وأغنى .

 

– كيف تكتب قصيدتك؟ وأية طقوس للوحي برأيك؟ أم أنه يفتح عليك أبواب الإلهام بلا استئذان أو مواعيد أو مقدمات؟

 

الحالتان كلتاهما، المواقف الاجتماعية … أحداث الواقع التي تنطبق في مشاعرنا وتقرع أجراس الروح العميقة، أحياناً أفكر في المواقف وأعالجها بلا انقطاع، أكتب وأحذف باستمرار حتى يستوي النص على لمسة الصقل الأخيرة، وأحياناً أطوي مشاعري مع أحزانٍ كثيرة، للحدّ الذي يوصد النسيان أبوابه بإحكام… لكنها تفاجئني وتندلع من قاع الروح، كغيمة يانعة على وشك المطر.

 

  • هناك مَن يقول بموت الشعر، ولم تُقَم مراسم تشييع، هل يموت وكيف؟ أم تجفّ قرائح الشعراء؟

 

الفضاءات التي حلّق بها الشعر، تدل على أنه طائرٌ لا يركن إلى السكون على شجرٍ ما، الانتقال من العمود إلى التفعيلة إلى قصيدة النثر، تدلّ على حياة الشعر وموت الأنماط، نعم الأنماط تموت، لكن الشعر خالد ومتجدد.

 

 

  • بين القصيدة الحكاية، والقصيدة الأسطورة، والقصيدة الحكمية، والقصيدة الومضة.. ائتلاف واختلاف.. ما هما برأيك؟

 

لا بدّ للشعر من جوهرٍ يتوفر عليه، ليكون شعراً. جوهرٍ يميّزهُ عن باقي الأنماط الفنية… بتصوّري أن العلامات والحروف والكلمات وسباق اللغة برمّته يكتسي في الشعر، بأجنحة تتيح له التحليق في فضاءاتٍ بأبعاد أخرى. هذه هي لمسة الشعر السحرية على اللغة… أن يتحوّل الحرف إلى جناح خارج منطقة تغطية المألوف. النوعان الأخيران، الحكمة والومضة هما السائدان حالياً لضرورات الاختصار والعجالة والانضغاط التي تميّز واقعنا الحالي.

 

 

– يزدهر الشعر والقصة بمعطيات عدّة، منها رفعة النقد وتميّز الشاعر وغيرهما.. ما العلاقة الراهنة بين الشعر والنقد؟ وما مستقبلها؟

 

الشعر والنقد متلازمان، هذه جدلية معروفة كلاهما يؤثر في الآخر، ويستحثه ويفتح له الأفق. لا يوجد شعر دون نقد ولا يوجد نقد دون شعر، تماماً كالشيء وظله تحت شعاع الفاعلية الإنسانية، يتبادلان الأدوار باستمرار، وبرأيي أن الشاعر الكبير ناقدٌ كبير في الآن نفسه… والناقد الكبير شاعرٌ كبير كذلك .

 

– ماذا تنظر إلى الإيمان؟ إلى الدين؟ وما دورهما في واقعنا وهل يساعدان على صناعة مستقبلنا؟

 

إن الشاعر هو إبنٌ للعصر… لعلومه ومعارفه، وهو إبنٌ للمستقبل، لأحلامه وإمكاناته التي لم تولد بعد… من الواضح أن الدين ينكمش كثيراً على صعيد الأيديولوجيا والشريعة، تجربة الإنسان لم يتهيأ لها بعد أن تغيّر قاع الروح المظلمة. فالكون والإنسان مثل خط مستقيم باتجاهين متعارضين بقدر ما يتنامى الكون ويتسع باستمرار، تستدقّ الروح وتتعمّق وتغور دون نهاية، وهو ما يتيح بأشياء كثيرة، أن تظل قائمة، أن الآلهة التي اصطفت الإنسان ليكون فاعل كونها القديم، ليس بمقدورها أن تفهم كونه الجديد بمعزل عنه… عن تجاربه ونتائجه ورغباته وعموم فاعليته .

 

  • الكاتب المبدع حيدر الهاشمي يعرف انك شاركت في العديد من الفاعليات الأدبية والشعرية ونلت العديد من الجوائز حدثنا عن هذه المعارض والجوائز التي نلتها.

 

كثيرة منها على سبيل المثال الشهادات التقديرية التي حصلت عليها من خلال مشاركتي في رابطة القصة القصيرة جداً في سوريا والعراق ومشاركاتي في مسابقات نصوص السيناريو للقنوات الفضائية العراقية… فضلاً عن الملتقيات المباشرة والتي كان آخرها، ملتقى القصة القصيرة جداً الأول في العراق، المنعقد في مدينة الناصرية .

 

– طموحاتك؟

 

أن تكتسي الأرض السلام، لتثمر الجمال الذي نصبو إليه… السلام شرط الجمال .

 

– كلمة أخيرة لحرمون

 

أقول… لا حَرَمَنا الله من حرمون، ومن آفاق الحرية ومديات الجمال، التي أتاحها ويتيحها دوماً .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0