Ultimate magazine theme for WordPress.

إيران وأوروبا والتفاهم النووي

18

 

حسن روحاني*

 

يواجه العالم عدداً لا يُحصَى من التحديات بما في ذلك القضايا الاقتصادية، والأزمات الاجتماعية، ورطة اللاجئين وكراهية الأجانب والإرهاب والتطرف.

لم تكن أوروبا معفاة، وقد واجهتها هذه المشاكل بشكل شبه يومي.

خلال العامين الماضيين، برزت السياسة الخارجية الأميركية كمشكلة جديدة ومعقدة مثلما تخلق أميركا تحديات جديدة على مجموعة متنوّعة من الجبهات في العلاقات الدولية.

نرى تواطؤ الولايات المتحدة في الفظائع اليومية في اليمن وفي الإذلال والترويع المتصاعد لشعب فلسطين العظيم، التي ألهبت يومياً مشاعر مليار ونصف المليار مسلم.

نحن نؤمن أن الدعم الواضح للحكومة الأميركية للجماعات الإجرامية مثل داعش، دليل استخفاف بالمبادئ الإنسانية، وسبب لتفاقم المشاكل في منطقتنا.

على نطاق أوسع، نَهجُ الرئيس الأميركي ترامب في مسائل التجارة والمعاهدات الدولية والطريقة المهينة التي يتعامل بها مع الحلفاء الأميركيين يوضحان كيف طرحت السياسة الأميركية سياسة جديدة وتحديات للنظام العالمي.

باختصار، سياسات الإدارة الأميركية القائمة على التفرد، التمييز العنصري، الإسلاموفوبيا، وتقويض المعاهدات الدولية الهامة، بما في ذلك اتفاقية المناخ في باريس، لا تتوافق بشكل أساسي مع التعددية وغيرها من الجوانب الاجتماعية السياسية ومنظومة القيم والمعايير التي تقدرها أوروبا.

هناك أمر آخر خطير يفاقم العلاقات عبر الأطلسي: الاتفاق النووي الإيراني، المعروف بخطة العمل المشتركة الشاملة، كان نتاج عامين من المفاوضات المكثفة بين إيران وست دول أخرى، بما في ذلك ثلاث من أوروبا.

كمرفق لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، تتمتع هذه الاتفاقية بموافقة اﻷﻏﻠﺒﻴﺔ اﻟﺴﺎﺣﻘﺔ ﻣﻦ المجتمع الدولي، وﻛﺠﺰء ﻻ ﻳﺘﺠﺰأ ﻣﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن الدولي، الذي يفرض التزامات معينة على جميع أعضاء الأمم المتحدة.

لسوء الحظ، فإن الولايات المتحدة، من خلال الاختباء وراء مزاعم لا أساس لها وفي تجاهل تام لمفهوم الالتزامات الدولية، قد تخلت عن الاتفاق النووي وفرضت خارج حدود سلطتها الإقليمية عقوبات أحادية الجانب على إيران، وبالتالي عملياً على دول أخرى.

الولايات المتحدة، في الواقع، تهدّد الدول التي تسعى إلى الالتزام بالقرار 2231 بإجراءات عقابية.

هذا يشكل استهزاء بالقرارات الدولية وابتزاز الأطراف المسؤولة التي تسعى إلى دعمها.

يُعترف بالاتفاق النووي باعتباره نصراً عظيماً للدبلوماسية في عصرنا، ولهذا السبب يعمل الاتحاد الأوروبي مع الدول الأخرى في جميع أنحاء العالم باستثناء عدد قليل جداً لإنقاذ هذا الإنجاز العظيم.

منذ انسحاب الولايات المتحدة، أجرينا محادثات بناءة مع المشاركين المتبقين في خطة العمل المشتركة.

كان الدعم من قبلهم قيماً، ولكن من الضروري أن تنجح الأطراف الأوروبية، فضلاً عن الصين وروسيا، بتقديم وتنفيذ الحزمة النهائية المقترحة من التدابير للتعويض والتخفيف من آثار أحدث عقوبات انفرادية وأخرى خارجية تفرضها أميركا.

لا يمكن لهذا الاتفاق التاريخي أن يبقى إلا إذا استطاع الشعب الإيراني التمتع بفوائده.

القرار الأخير لمحكمة العدل الدولية وتدبيرها المؤقت ضد الولايات المتحدة بإسقاط شرعية العقوبات أحادية الجانب التي تؤكد شرعية وصحة موقف إيران، وعدم شرعية هذه العقوبات العدائية القمعية.

تجاهل الطبيعة الملزمة والإلزامية للتدبير المؤقت الذي تطلبه محكمة العدل الدولية من شأنه هو الآخر أن يقوّض الثقة بالمعاهدات الدولية كما أن من شأنه أن يشكل تحدياً كبيراً وعواقب ممكنة وﺳﻠﺒﻴﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺴﻠﻢ واﻷﻣﻦ اﻹﻗﻠﻴﻤﻲ واﻟدولي.

أثبت الاتفاق النووي أن إيران ملتزمة بالتفكير والحوار.

لقد بدأنا مشاورات سياسية مع أوروبا بشأن القضايا الرئيسية ذات الاهتمام المشترك، وخاصة في الأزمات الإقليمية، بهدف إيجاد الحلول المناسبة.

في عالم اليوم المضطرب، فإن الطريقة الوحيدة للتغلب على الصعوبات هي من خلال تضافر دولي الجهود القائمة على المصالح المتبادلة، وليس المطالب قصيرة النظر لإحدى الحالات الانفرادية مميتة. في حين أن تعددية الأطراف هي المسار الوحيد المناسب وغير المكلف والفعال من العمل.

إن تقاليد أوروبا في تعددية الأطراف تؤهلها جيداً للعب دور هام في تعزيز السلام والاستقرار، بما يتماشى مع هويتها ومصالحها.

إيران تؤمن بالتعددية وتستعد لذلك بالانضمام إلى الأمم الأخرى المحبّة للسلام في هذا الطريق لتحقيق المزيد .

التعاون بين إيران وأوروبا سيضمن مصالح الطرفين على المدى الطويل، ويضمن السلام والاستقرار الدولي.

 

*رئيس جمهورية إيران الإسلامية – الفاينانشيل تايمز –  مساء الخميس – 1/11/2018

إيران وأوروبا والتفاهم النووي

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.