Ultimate magazine theme for WordPress.

الشهيد وليد علبة.. الباقي عبرة وروحك المكان

251

 

هاني الحلبي

 

إلى روح الشهيد وليد علبة الذي ارتقى في قرية الشبكي شرق السويداء فجر الأربعاء 25 تموز 2018

 

في كنف والدين طيبين كان ثالثهما وليد..

وليد لأنه ولد من رحم أثنى إلى حياة ليست قليلة الظلم او قليلة الحب.

والثالوث مقدس. آب وروح قدس وابن بار.

وكما أعطته الطبيعة من عزم سنديان الجبل، أعطته من محيا القلوب سيماء إنسان كريم.

طليعة أسرته وبكرها.

لما آذن موعد التجنّد في الجيش العربي السوري بحماس كبير انضوى في صفوف الدورة.

تلقى تدريبات قاسية ككل رجال الجيش وسيداته.

لأنه جيش ألقيت على كواهله صناعة الأزمنة ومهام القيامات.

تدرّب كيف يزحف لينال من عدو

لكن البطل لا يزحف امام أية قامة

تدرّب كيف يكرّ ملتوياً

كامناً حيناً وساحباً حيناً

حركة وناراً

تدرّب كيف يمر النظر

من الحدقة فالفرضة فالشعيرة سهماً من موت

تدرّب كيف يتدحرج من سيارة مسرعة

ويأخذ متراسه بلحظة

تدرّب كيف يلتحف السماء ويفترش التراب

وكل ما فيها من وحوش وضوارٍ

هي بعض السراب

***

فتّون فتاتين..

كلمة سرية ليست لحساب في فسيبوك

وليست لحساب في واتس او غيره

ولم تظهر على شاشة تلفاز.

ولم يذكرها اثير إذاعة.

ولم يكتبها قلم صحافي في جريدة عالمية أو محلية.

كلمة سر بين قلب أخ وأخته.

إذ يراها ملاكه ونبض حياة أسرة وقلوبها.

وهي مستحقة.

وإذا كان مكتوباً الا نلتقي حينذاك.. فلله في خلقه شؤون.

وللأقدار تصاريف ومناحٍ لا تفهمها الأرواح حينها.

فحسبها أن تتلقى وتفك من رموزها ما حصلت من علوم الحضور.

***

في لحظة تتلاقى الأزمنة تكون محكاً للرجال وفحصاً للعزائم والقلوب..

ليس الوقت الأفضل إلا حيث يتلاقى النهار بالليل.

الناس نيام.

لكن عيون الله فاتحة وسعَ سماء.

وعيون كلاب أيضاً اعتادت الدخول إلى الأحياء،

ولها فيها صداقات خبز وملح ومنافع وتجارة.

والقلوب واجفة من نذير غريب.

في ضيعة مجاورة كلب يعوي.

قالت كبيرة البيت أجارنا الله مما هو آتٍ. نيّال فاعل الخير.

هدوء… هدوء.. هدوء الهدوء..

سوى نبض القلوب المستريحة في كنف الله.

الأطفال المستدفين في أحضان أمهاتهم..

والأحبة الملتصقين بوهج التراب..

***

دق دق دق..

مين عالباب..

أنا محمد جاركم..

وفتح الباب.. وآخ تخرج مع نشيج القلب..

خنجر جار غادر يخترق الشغاف..

ويغلق السفاح خلفه.

يطارد الأطفال والبنات.. فلا رجل في البيت..

الرجال الرجال نادتهم السماء إلى الجبهات

فغادروا وقد لفوا أكتافهم بأكفان عيونها خضر..

***

البيوت مفتوحة الأبواب..

صرخات متفرقة من أماكن عدة..

كأنها أوركسترا موت تعزفها أقدام شياطين..

رصاص كأنه شهب فلكي يخطخط خد السماء..

صياح ضحايا أفلتن من براثن الوحوش…

أطفال يطلقون صرخاتهم الأخيرة..

وامهات تنفجر أكبادهن حسرة على مهج العمر..

دخان يلف الضيع..

**

أحد الشهداء وهو يهوي

تذكّر واجب أهل الجبل..

اهتدى إلى هاتفه وضغط أوك

طلب أي رقم..

الفزعة.. الفزعة..

وخنق الدمُ صوته والكلام..

***

تداولت الضيع والمدن الخبر الشؤم..

غصّت خطوط الشبكات بالكلام..

أي كلام؟ والسيف حسام!

أي كلام؟ والموت زوؤام!

والصبايا سبايا

والأطفال حنايا

لقبضة مغوار همّام..

يتدّ في الأرض قدمه

يعِر لله جمجمته

ينتضي سيفاً

يمتشق سكيناً

يجرّد مدفعاً

الأهم إنه ميعاد الحساب.

لا تُعِد روحك

لا ترتجف أمام ميزان

فخلف الميزان إمام عظيم

أنت يا التراب المجبول دماً

ما عداك

سوى شلو سقيم.

قم إليهم

وعلّق قميصك على الأشجار

ولديك آخر جديدٌ

تنسجه أم فتيّة

***

كان الوليد مع فيقة الفجر

يبسمل الله

يشكر ربه أنه أحياه ليوم مجيد

تُدعى فيه الأرواح

إلى حشر عتيد

فيهدي دماه

فليس لديه سوى قميص واحد

لكن خزانة الأجيال ملأى

أقمصة بألوان وقصات شتى

هنا كان في الهند

وهناك كان في الصين

وهنالك في المغرب

وغيرها في البرازيل

وبعدها في أوروبا..

لكن في عصر القيامة

أرداه الرب نجماً في الشمس

سورية الشمس

أراده عتياً في بلد السيدة

سورية

ليبقى اسماً لا يغرب مع غروب جثمان

أفطرت قلوب أهلك

جفت دموع اسرتك

بكت جدران بيتك

والزهور والحقول

بهت حولك الشهداء

في عزاء مهول

كل الخيول التي عندك صهلت

تنتظر قدوم فارسها

صهوتها تشققت من شمس حوران

لم يمتطها فارس بعدك

تفيض عيونها بدمع مدرار

والمواشي صامت عن طعام

والخير فيّاض

الماعز أفطمت جداها بأيام حداداً

ورشاشك لم يقبل أحداً بعدك

اعتاد قبضتك المتينة

رشاشك سوري أصيل

لم يبزق رصاصه على ذقنه

كرشاشات مرتزقة

كان يصرخ بك

قبل أن تفقد الذخيرة

لقّمني

إني جائع وخائر الجوف

أدخل أنت في حجرة النار

فأقذفك حمماً إليهم

تشدّد يا الشديد

لكني أعدك

أني سأصدأ في الليلة الأولى

إذ تفارق روحك المكان

***

يا من رفضتَ أن تنسحب

وتفرّ بروحك

لوساطة بدوي

تذكّر طعم الخبز في فمه

وما زال للقمح

طحيناً في دمه

والملح يلحّ فيه

آثرت أن تبقى إلى الطلقة الأخيرة

أثرت أن يشلّعك رصاصُهم

على ان يبقوا جيرانك الغادرين

على قوّادين يمرّرون الرصاص والمؤون إليهم

من مقرن لمقرن

كيف يخون الإنسان أهله؟

بل كيف يمكن ان يكون مَن يخون؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.