Ultimate magazine theme for WordPress.

عيد الأضحى المبارك.. تسوية بين المنطق الإنساني والمنطق الإلهي

40

د.أحمد عياش*

أمّا وقد هلّ عيد الأضحى المبارك على جميع المسلمين لا بدّ من مناقشة مناسبة العيد من وجهة مختلفة من دون إخضاع الأطراف المكونة للحدث للتحليل النفسي او فقط للقراءة الدينية .

أعطى سيّدنا إبراهيم تفسيراً لحلم راوده أنّ عليه ذبح إبنه إسماعيل من زوجته هاجر (الجارية) ومضى الى قمة تلّة ليذبح إبنه، لينتصب له الشيطان اللعين لينهاه عن فعله!
كيف ذلك!
من واجب الشيطان ان يوسوس بالسوء لسيدنا ابراهيم وليس بالخير والصحّ، من واجب الشرير الشيطان ان يدفع بفكرة ذبح الابن من الزوجة الجارية كفتنة ومكراً طالما السيدة سارة(السيدة الحرّة) أنجبت ولو متأخرة جداً طفلاً أسمه إسحق فما عاد من ضرورة للذرية المقدسة أن تتبعثر وأن تتوزع على خطين، إنّما ذلك لم يحصل فقد نطق الشيطان بعكس وظيفته الشريرة إذ حاول إقناعه عبر تحريك العاطفة الأبوية لديه وليس بأي شيء آخر فهل يُعقل ان يتحدث الشيطان بالخير وأن يستدل النبيّ بالخطإ، الخطأ الذي يصل الى حدّ الجريمة الغريبة وقد علّم لله آدم الأسماء كلّها والنبي إبراهيم يعلم كم كانت جريمة قايين بحق هابيل مؤلمة.

أبداً ليس الأمر كذلك، فالحجّة والإقناع من قبل الشيطان والقرار والتفسير والتأويل للحلم من قبل النبي إبراهيم خضعا لآلية المنطق الإنساني بينما حكمة لله لا تخضع الا لمنطق إلهي لذلك جاءت التسوية بين منطقين الهي وانساني عبر التضحية بحيوان وكأن الهدف من ذلك لرسالة واضحة من الربّ بضرورة الإيمان بمنطق الإله لأن لله يعلم ما لا تعلمون
“إني أعلم ما لا تعلمون”

المنطق الأنساني يختلف إذن عن المنطق الإلهي لذلك ما يؤمر به الانسان من الربّ ليس قابلا للمجادلة من العبد وفق المنطق الانساني لأن عكس ذلك يصبح المشهد مرعبا إذ كيف يأمر الرب نبيّا بذبح ابنه الطفل على سبيل التجربة ولله أعلم بما في الصدور فهل هو بحاجة لدليل بينه وبين النبي ابراهيم؟

المشهد يصبح مرعبا إذ كيف يسمو الشيطان لقول الحق والمحبة و النصح الصحيح لنبي لله بعدم ذبح ألابن اليافع بينما النبي مصرّ على ذلك، بل مدّده على جبينه وعمل به السكين لكن السكين لم تجرح!؟كلّ ذلك والابن يطلب من والده ان يشدّ الوثاق عليه وان لا تلطخّ ثياب الأب بالدم كي لا تجزع الأمّ!

عيد الأضحى المبارك رسالة واضحة بأن على الانسان عندما يقارب أسئلة الوجود والخلق والعدالة والموت والأمراض والأحداث والبلاء والسعادة و الحبّ والصلاة والصوم والحلال والحرام عليه أن لا يقاربها فقط بالمنطق الانساني لأنه سيصل الى نقطة خطرة وطريق مسدود مما يضع الانسان عند مفترق طرق تفكير ومشاعر ربّما تنحو به الى الكفر والبطش والحرام بحال أصرّ على التفسير عبرالمنطق الانساني التحليلي -العلمي للأمور بل عليه التسليم والإيمان بوصايا الربّ لأن المنطق الإيماني-الديني يخضع لمنطق إلهي ليس بالضرورة أن يفقهه عقل الانسان و خاصة ان الانسان ما أوتي من العلم الا قليلا…

أزمة الكثيرين أنّهم يعتقدون ان الإله يفكر ويحاسب ويتفاعل ويقرّر وفق منطقهم هم اي وفق المنطق الإنساني ممّا يحوّل الإله لكيان انساني مطالب بالسلوك الانساني لذلك فهم يتعاطون مع الدين ومناسكه باحثين عن مخارج وفتاوى انسانية لسلوكهم الخاطىء آملين الفوز برحمة الربّ.

عيد الأضحى المبارك هو دلالة على تسوية بين المنطق الإلهي والمنطق الإنساني لعلّ الإنسان يرتاح من عذاباته وألم البحث والتحليل في أزماته الوجودية كي لا يكون ضحية لإضطرابات نفسية عميقة بل على الانسان ان يتكلً على لله وان يعقل ويتوكل فليس على الانسان ان يجد كلّ الأجوبة لأسئلته فهناك أسئلة كثيرة ليس لها أجوبة وخاصة عندما يحاول الانسان ان يدرك المنطق الالهي لتفسير أمور علمها عند الربّ.

كلامنا هذا لا يعني التوقف عن العلوم إنما الحثّ والمثابرة على العلوم بالمنطق الانساني والانتباه و الحذر عند مقاربة الأمور الغيبية التي لن يفقهها ولن يدركها المنطق الانساني لأن لها منطقا الهيا وإلا لأصبح الدين أسطورة ولأصبحت الروايات خرافة ولتحول الرب لأداة نفعية بيد الماكرين…
المنطق الإلهي يليق بالله وحده والمنطق الانساني بعيد جدا عن إدراكه فليتواضع الجميع.
كل عام وانتم بخير والحمدلله.

*طبيب نفسي

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.