Ultimate magazine theme for WordPress.

أسطورة داعش تتبدّد على صخر البازلت في السويداء

94

التاريخ البطولي السوري يستعيد أمجاده بثوار جدد أحفاد ثوار سلطان الأطرش

رأى محللون عسكريون عديدو أن ما يسمى “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، والمدعو دولياً باختصار “داعش”، تنظيم عالمي ترفده وتغذيه بالرجال والعتاد والمال أكثر المنظمات والتنظيمات تطرفاً وغلواً وتعصباً وخبرة في الأعمال القتالية والعسكرية والتكتيكية واللوجستية.

فقد شاركت مجاميعه في القتال على مساحة جغرافية واسعة تمتد من وسط آسيا الى الشرق الاوسط الى شبه الجزيرة العربية وشمال افريقيا.

تفجير سوق الخضار في السويداء
تفجير سوق الخضار في السويداء

وقد أذاق كل من عاداه ووقف في طريق هدفه ومنهجه أشد الهزائم والمآسي والمجازر والتبشيع.

كما اشتهر تنظيم داعش بعدة اساليب قتالية ابهرت كل المتابعين والمحللين العسكريين، بسبب انتصاراته السريعة والمحققة دائماً.

فمثلا اتبع طريقة قتال العقرب عندما كان يهاجم القطع العسكرية وهي طريقة تشبه الى حد كبير جسم العقرب بالهجوم، حينما يمطر القطعة او القاعدة العسكرية بوابل من نيرانه الكثيفة المتواصلة ومن ثم يقوم بإرسال الانغماسيين إلى السواتر والحدود الملاصقة للقطعة العسكرية، وهنا لا يجد المدافعون عن القاعدة إلا وقد وصل اليهم مقاتلو داعش وهم منشغلون في تبادل ناري ثقيل او محتمون من القذائف المنهمرة، وبذلك تكون الرمايات النارية هي ذيل العقرب والانغماسيون هم ملاقطه أو كماشاته..

والطريقة الثانية هي السيارات المفخّخة المتتالية التي كان يرسلها الى أهدافه ومن ثم يقوم عناصره بالهجوم السريع والمباغت محدثين صدمة كبيرة لدى المدافعين، وجعل كل قدراتهم الدفاعية مشلولة الى حد كبير.

فمثلاً خلال الهجوم على مطار دير الزور العسكري ارسل التنظيم الى بوابات وسواتر المطار في يوم واحد 35 سيارة وعربة عسكرية مفخخة.

والأسلوب القتالي الثالث هو الانغماسيون. وهذا الاسلوب يستخدم لمباغتة المدن والبلدات والحواجز العسكرية ويتمتع هذا الاسلوب بالغدر والمفاجأة وإحداث الفوضى وتشتيت الاهالي والمدافعين والجهات الرسمية وغير الرسمية ومن ثم يتسلل مقاتلوه الى داخل المدينة ويتمركزون في نقاط حساسة ومهمة وينتشر قناصوه في كل المفارق والطرق والأبنية العالية وقد اتبع هذا الاسلوب في الهجوم على مدينة الرمادي والرطبة العراقيتين، كما اتبعه في احتلال مدينة سرت الليبية.

أما الطريقة الرابعة فهي شنّ الهجمات المتزامنة من عدة محاور في وقت واحد. ويكون قد جهّز للهجوم الرئيسي الكبير الذي يباغت به عدوه الذي هو مشتت ومهتم بالهجمات الأخرى..

اما بالنسبة لمحافظة السويداء التي هاجمها مؤخراً فقد استخدم معها الطريقة الثالثة والرابعة معاً نظراً لاهتمامه الشديد في السيطرة على موقعها الاستراتيجي الجبلي وعجزه عن الاستمرار في القتال في الصحراء الواسعة القاحلة وضيق المساحة المتبقية تحت سيطرته.

من هجمات داعش في السويداء
من هجمات داعش في السويداء

وبهذه الطرق العسكرية استطاع التنظيم الذي يملك نخبة المقاتلين العالميين المزودين بكل الخبرات والشخصيات العسكرية ان يحتلوا غالبية المدن في غرب العراق وشرق سورية بالكامل الى ان وصلوا الى أطراف مدن حلب وحماه وحمص ودمشق والحدود السعودية الشمالية وشرق الأردن وجنوب تركيا خلال أشهر معدودة.

وبالدليل القاطع على خبرة مقاتلي التنظيم وشراستهم في المعارك، فقد احتل مدينة الموصل العراقية خلال يوم واحد وانهارت أمامه ثلاث فرق عسكرية مجهّزة بأحدث الاسلحة ولم يتجاوز عدد مقاتليه ألف مقاتل في ذلك الهجوم.

وايضا استولى على مدينة الرمادي العراقية بـ 230 مقاتلاً. وهي رابع مدن العراق سكاناً.

واستولى على مدينة الرطبة في العراق على الحدود الأردنية بـ 60 مقاتل فقط.

وكما اجتاح محافظة دير الزور كاملة باتساعها الكبير فقط بـ 500 مقاتل وانتزعها من عشائرها العربية ومن جبهة النصرة ومن فصائل الجيش الحر خلال أسبوع واحد فقط..

وأيضاً استولى على محافظة الحسكة السورية بـ 400 مقاتل خلال 3 أيام وانتزعها من الجيش السوري وجيش أحفاد الرسول الذي كان يسيطر على مساحات واسعه منها.

وخلال تلك الاحداث والهجمات لم تستطع اي محافظة او قاعدة عسكرية أن تصمد أمامه، وأصبح يُقال عنه “إن أراد فعل”.. وأخذت المدن والبلدات تسقط امامه او تستسلم او تبايعه مرغمة وخوفاً من التنكيل والمنطقة والمدينة تلو الأخرى وما ان يصل عناصره الى مشارفها حتى يدخلوها من دون قتال لإيقان المدافعين وأهلها ان الخسارة والهزيمة محققة أمام هجماته وانتحارييه.

وخلال كل تلك المعارك التي خاضها التنظيم في سورية والعراق لم يظهر الإعلام أي جثة او قتيل لداعش. وهذا ما أذهل العالم وازداد اليقين بقدرته على الانتصار السريع الخاطف من دون خسائر في صفوفه واخذت كل الدول في أوروبا وآسيا وأميركا تتحسّب وتُعد العدة لمواجهة هجماته.

والمفارقة الكبيرة والمذهلة أو المعجزة الربانية والأسطورة الإلهية كانت في محافظة السويداء السورية أمام طائفة المسلمين الموحدين (ما يعرف بالدروز) ذات العدد السكاني القليل والتجهيز العسكري البسيط في حوزة ساكنيها المدنيين والذي لا يذكر في المعارك الحديثة.

فسيفساء يعود للحقبة الرومانية أكتشف في المدينة.
فسيفساء يعود للحقبة الرومانية أكتشف في المدينة.

فقط هاجمها التنظيم من أربعة محاور متزامنة بألوف عدة من مقاتليه المتمرسين ومن أربع جهات وبعشرات الانغماسيين والانتحاريين. وقد هاجم مدينة السويداء بأحد عشر انتحارياً من جهتين من قلب المدينة ومن جنوبها. وشنّ هجوماً مباغتاً على ريفها الشمالي الغربي. وكانت معركته الرئيسية في ريفها الشرقي، حيث شنّ هجوماً مباغتاً مع ساعات الفجر الأولى على ثماني قرى في جبهة تمتد الى 25 كيلومتراً وتسلم النقاط الحساسة والتلول المحيطة وتمركز فيها بقناصيه ومقاتليه وجعل شمس الصباح الأولى خلفه وفي وجه كل المدافعين والمجموعات القادمة من الغرب لنصرة هذه القرى الثماني وأصبح القتال والتصويب شبه مستحيل على المقاتلين المدنيين من أهالي السويداء الذي تحوّلوا مهاجمين لتحرير القرى والمدنيين من قبضة التنظيم..

لكن ما يتمتع به الدروز من بأس في المعارك والتلاحم والنخوة الهائلة والمشهورة لديهم وأعدادهم الكبيرة التي وصلت الى هذه القرى خلال أقل من ساعة والتي أعلنتها مصادر عدة بنحو 50 ألف مقاتل من الأعمار كافة ، ابتداء من سن 15 عاماً الى سن 85، أي غالبية ذكور المحافظة، جعلت مقاتلي التنظيم ينهارون ويتبعثرون في كل الاتجاهات ومحدثين التحاماً واشتباكاً وجهاً لوجه الى ان وصل القتال للتشابك بالأيادي والأجساد. وفي بعض الحالات الى الارتماء على المقاتل الداعشي الذي يحمل الحزام الناسف والتضحية بالجسد لحماية باقي المقاتلين والأهالي، كما حصل مع أبطالهم أمثال يامن أبو عاصي ويامن خضير. وامتدّ القتال من زاوية الى زاوية ومن غرفة الى غرفة ومن جدار الى جدار ومن صخرة الى صخرة الى ان امتلأت الأراضي والأزقة بجثث مقاتلي التنظيم وأصبحت بالمئات وموقعين به الهزيمة النادرة والكبيرة خلال ساعتين من القتال الأسطوري ومقدمين أروع ملاحم الشجاعة بل تفوّقت على ما ذكره المؤرخون عن معارك الفتوحات الإسلامية ومعارك الجيش الانكشاري والحروب الأوروبية في العصور الوسطى والكاميكاز الياباني والفتناميين موقعين به الخسائر الجسيمة بالأعداد، وما عجز عنه الجيش الأميركي والروسي بصواريخهم العابرة الدقيقة الذكية وطائرات الجيل الخامس والجيش العراقي والسوري والإيراني وحزب الله وكل الميليشيات الطائفية والمجاميع المسلحة الأخرى من النصرة وجيش الإسلام وغيرهم في أشهر.

ودليل بأس الموحدين الفريد من تاريخهم في تغلبهم على الجيوش التركية والفرنسية والمصرية الألبانية، رغم قلة عددهم. ويقول المؤرخين إنهم خاضوا في محافظة السويداء وحدها 161 معركة لم يخسروا أياً منها رغم قلة عددهم وبسبب شجاعتهم التي لم يذكر التاريخ مثيلاً لها.

وعلى سبيل الذكر فقط خسر الفرنسيين أمامهم 12 الف جندي في أقل من 6 ساعات سنة 1925. ويقول الجنرال اندريا في مذكراته والقائد العسكري للحملة على السويداء سنة 1925 في شهر أيلول إن شيخهم كان يركض بأقصى سرعته باتجاه الرشاش الثقيل من على بعد عشرات الأمتار مع علمه أنه سيموت ويخترقه الرصاص ويصل الى رامي رشاش جثه هامدة ليرتمي عليه ويكون خلفه ابنه أو أخوه ليتمكن الأخير بقتل رامي الرشاش ويسمح للفرسان القادمين من خلفه باجتياز استحكاماتنا. وبهذه الطريقة فقدنا كل الاستحكامات والمتاريس..

وبالعودة الى معركتهم مع داعش في ريف السويداء الشرقي فقد كانت خسائر التنظيم أكثر بكثير من المقاتلين الدروز عندما تواجهوا وجهاً لوجه وكانت الصور التي ملأت مواقع التواصل خير شاهد.

لقد تحطّمت هذه الأسطورة الداعشية المرعبة لكل العالم والشعوب على صمّ بازلت جبل العرب وعلى رسوخ معتقدهم وإيمانهم اليقين الثابت.

ولا شك أن في هذا الانتصار تأسيس لتاريخ جديد، متصاعد من عصر البطولات في سورية والمشرق العربي، وما بعده لن يكون كما قبله بالتأكيد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0