Ultimate magazine theme for WordPress.

مسيرة جيش ووطن وعيد يتجدّد

83

أسامة العرب

هو العيد الثالث والسبعون لتأسيس جيشنا اللبناني. تحية تقدير وإجلال لهذا الصرح الوطني الكبير الذي حفظ بلدنا وحدودنا من كل المخاطر والأزمات التي أحاطت بهما طوال هذه المدة المنقضية. فترة مديدة ولا شك، لكنها عامرة بالمنجزات والتطورات في آن، سجلّه بطولات عسكرية سيّجت لبنان.

فمنذ بدء تكونه ومن خلال وثيقة 26 تموز عام 1941 وقسم اليمين من ضباط لبنانيين على عدم قبول الخدمة إلا في سبيل الوطن وتحت علمه وبقيادة حكومته، وذلك رداً على عدم قبول الخدمة إلا في سبيله وأيضاً رداً على محاولات فرنسية في زمن الانتداب الذي طالب بتشكيل وحدة لبنانية للقتال إلى جانبها في أوروبا، استطاع هذا الجيش في حزيران 1944 أن يفرض بإرادة شعبه ونضاله أن تكون له وحدات من القناصة اللبنانية معززة بمفرزة مصفحات تحت تصرفها.

في تلك التواريخ ومع إشعاع نور الاستقلال في العام 1943، أصبح لللبنانيين جيشهم المستقل وبدأت معه تنفيذ المهام الكبيرة الموكلة إليه. وكانت معركة المالكية في شمال فلسطين التي خاضها الجيش اللبناني وطرد فيها العدو الإسرائيلي عام 1948 مسلماً البلدة إلى جيش الإنقاذ العربي. آنذاك فاتحة المهام الجسام التي أوكلت إلى الجيش دفاعاً عن الأرض كما الكرامة والحق الفلسطيني. مهمتان كبيرتان كانتا عنوانان لوجوده، الدفاع عن حدود الوطن ضد العدو الإسرائيلي وحفظ أمنه الداخلي في المهمات والمخاطر المفصلية. في العام 1958، كانت تجربته الأولى مع أحداث دموية اندلعت بين اللبنانيين الذين انقسموا لأسباب سياسية سرعان ما تحولت صراعاً طائفياً بين مكوناته. وقد نجم في هذا المفصل الدقيق والخطر على كيان الوطن نجاح ملحوظ. وكان الجيش، منذ مطلع الاستقلال، قد وضع نصب عينه مهمة مراقبة ما يجري على الحدود الجنوبية المهددة دائماً من قبل الصهاينة بالاعتداءات والاختراقات، وقد دافع في إطار تلك المهمة بجدارة مع الأهالي عن الأرض والممتلكات.

عام 1975، انطلقت حقبة الحرب الأهلية، والبداية مع حرب السنتين التي شهدت غياب دور الجيش والقرار السياسي الموحّد وانحيازات عن خط الدولة التوحيدي، ما أدّى إلى تشرذمه وانقسامه، وبدء تداخل قتالي وأمني في تشكيلات أهلية لبنانية وفلسطينية وعسكرية مع تكوّن الحاجة لطلب الانتشار العسكري السوري لضبط الوضع المتدهور. وكان الاجتياح الإسرائيلي للبنان من جنوبه إلى جبله فبيروت في حزيران 1982 وبدأت معه مقاومة اللبنانيين لهذا الاحتلال وأظهرت قطاعات من الجيش تعاطفها مع هذه المقاومة الوطنية والإسلامية لحين بدء التحرير الأول في العام 1985. مع ما بدا من انقسامات في بنيان هذا الجيش بفعل الصراعات السياسية المحلية. وعند مسار توحيد المؤسسة العسكرية بمساعدة ما اتفق عليه في الطائف في 30 أيلول 1989 عربياً وبدعم سوري ملحوظ، كانت عملية فجر الجنوب في العام 1991، تطبيقاً لبنود الوثيقة بنزع سلاح الميليشيات، بعد ما رفضت بعض القوى اللبنانية والفلسطينية تسليم السلاح والانسحاب من شرق صيدا إلى المخيمات والمراكز الأهلية، فتمكن الجيش من تحقيق النجاح في هذه المهمة بأقل خسائر ممكنة.

 

اعتداءات إسرائيلية ومخاطر إرهابية

لم يتحرر في العام 1985 كل الجنوب، إذ إن “إسرائيل” كانت قد انسحبت من جزء منه في حين بقيت أجزاء واسعة منه غير محرّرة. مع بدء عملية “عناقيد الغضب الإسرائيلية” التي لم يشارك الجيش فيها بشكل مباشر واقتصرت في العام 1996 على معارك مع حزب الله والمقاومة الإسلامية، بدأت مسيرة التحرير الكبرى لكل الجنوب والبقاع الغربي التي خاضتها المقاومة الإسلامية بدعم شعبي وعسكري ملحوظ.

وقد تكللت هذه المهمة الوطنية التي نفذتها قوى المقاومة الإسلامية والوطنية بالنجاح من خلال الانسحاب القسري للصهاينة من أرض الجنوب ما عدا تلال شبعا وكفرشوبا وذلك في العام 2000. في ذلك المفصل الهام، انطلق الجيش اللبناني إلى الأراضي المحررة ليفرض الأمن والقانون ويبدأ عهد حماية الوطن والذود عن حياضه بدعم تام من كل القوى والمكونات اللبنانية.

ترافق تحرير الجنوب مع بدء بروز دور قوى الإرهاب (1999-12-31) التي وضع الجيش خططه القتالية لوأد هذا البروز والذي تجلّى في محاربته ما أقدم عليه الإرهابيون في منطقة الضنية في الشمال من خطف للعسكريين والاعتداء عليهم. في حرب تموز 2006 وقبلها مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كان الجيش اللبناني قد تولى حماية الأمن في تلك المرحلة الصعبة، وصد الهجمات “الإسرائيلية” جنباً إلى جنب مع المقاومة الإسلامية وحزب الله وسقط منه شهداء وجرحى من جرّاء استهداف مراكزه. وبعد القرارات الدولية منها ال1701 وبقرار حكومي، سارع الجيش في التوجّه إلى حدوده الجنوبية للوقوف سداً منيعاً ضد أي تحرك “إسرائيلي” غاشم يستهدف الأرض والشعب.

 معركة الجيش في العام 2007 ضد الإرهابيين في مخيم نهر البارد كانت مقدّمة قتالية مهمة وإنذاراً له بالاستعداد لمعركة تحرير الجرود في عرسال والقاع وغيرهما. يومها سقط للجيش 172 شهيداً، لكنه في آب 2017 وفي معركة “فجر الجرود”، تمكن مع المقاومة الإسلامية من دحر الإرهابيين بخسائر قليلة نسبياً 24 شهيداً و26 جريحاً. قبلها تمكّن الجيش من إخماد شرارة “أحمد الأسير” وجماعته في عبرا، هؤلاء الذين أرادوا إخضاع مدينة صيدا وجوارها إلى إرهابهم وقطع الطريق نحو الجنوب لشرذمة الوطن وتسهيل المهمة أمام الصهاينة بفرض إرادتهم ومخططاتهم التوسعية.

عيد للجيشين اللبناني والسوري

كل هذه الدفاعات والانتصارات ضد الصهاينة والإرهابيين جرت، ومع بدء بروز دور الجيش اللبناني فيها، لم تكن لتكلل بالنجاح لولا تضافر جهود الشعب والجيش والمقاومة. أيضاً لا بد هنا من تثمين دور الجيش السوري الذي قبل خوضه معارك حفظ أمن ووحدة لبنان الداخلية والخارجية من “إسرائيل” والإرهابيين، أثناءها وبعدها، وخلال حروبه على أرض سورية، تمكن رغم كل هذه المواجهات من أن يكون ظهيراً داعماً للجيش اللبناني في كل الأزمات.

إن عيد الجيش اللبناني في الأول من آب هو أيضاً عيد الجيش السوري. فهذا الجيش جرى تأسيسه في تلك الحقبة التاريخية. كانا جيشاً واحداً قبيل “سايكس بيكو” واليوم باتا جيشين، لكنهما موحّدان في العقيدة والانتماء، موحدان أمام الإرهاب والتوسع “الإسرائيلي” ومخاطر الاعتداءات التي لم تنقطع ولم تنته إلا بالخضوع للقرارات الدولية.

إن هذا الجيش السوري الذي سيظل ظهيراً داعماً للجيش اللبناني، أظهر صموداً كبيراً أمام المخاطر والعواصف الإرهابية والاعتداءات “الإسرائيلية” والمؤامرات الدولية، بدءاً من معركة ميسلون واستشهاد يوسف العظمة، مروراً بحرب فلسطين في العام 1948، وصولاً إلى مفصلي حرب تشرين الأول 1973، ومعارك حلب والجنوب السوري في درعا والرقة ودير الزور الخ.. خلال العامين 2018-2017، فلولا هذه التضحيات الجسام التي ما زال يقدمها أبناء المؤسستين العسكرية السورية واللبنانية، لما كان الوطن في كلا البلدين بمأمن من غدر الصهاينة والإرهابيين.

لقد كانت هذه الحرب التي يخوضها بواسل ونسور الجيش السوري واللبناني، بالنيابة عن العالم عموماً، بخاصة من يزعمون أنهم متحضرون وأحرار، بمثابة امتحان قاس لهما ولقدراتهما حيث استطاع الصمود والثبات والنجاح فيها، من دون أن يقدم أي تنازلات، فاستحقا في عيدهما كل التبريك والاحترام والتهنئة.

في هذه المناسبة، يشعر اللبنانيون والسوريون بعظيم الامتنان والمسؤولية تجاه جيشيهما ويقدّران فيهما تلك القوة الداخلية المنبعثة من وجدان مقاتليهما، ويؤكدان وقوفها الدائم خلفهما لدعم مسيرتهما المشتركة واستكمالها أمام كل المخاطر والمؤامرات الماثلة والمخفية المستترة التي يخطط لها الأعداء وخدمهم من الإرهابيين مهما تنوعت الأسماء واختلفت الوجوه.

لتتمجّد هذه الذكرى ولنستلهم منها قوة دافعة لنا لحفظ الوطن والشعب بمقاومته وأطيافه كلها. ولنجدد العزيمة شعباً ومقاومة وتحت مظلة الجيش اللبناني ودعم الجيش السوري من أجل مجابهة كل المخططات الدولية و”الإسرائيلية” والإرهابية وإجهاضها.

(البناء)

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.

مجلة حرمون العدد0