Menu
30° C
غائم جزئياً
غائم جزئياً
%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%b3%d9%8a%d8%af-%d8%a7%d8%ad%d9%85%d8%af

إرهاب معتدل.. احتلال صامت!!

د.محمد سيد أحمد

لقد كرست لنا الحرب الكونية على سورية مفاهيم جديدة لم نسمع بها من قبل في مجال العلوم السياسية بل هي من اختراع العقل الصهيوني الذي يسيطر على منظومة الإعلام على كوكب الأرض، ويصدر للرأي العام العالمي مجموعة من المفاهيم التي يحاول ترسيخها لدى العقل الجمعي حتى وإن بدت غير منطقية وغير متسقة مع ما هو مستقر وثابت ومعروف وشائع لدى عموم البشر. وإذا كانت المفاهيم القديمة والمستقرة في أدبيات العلوم السياسية في مبحث الإرهاب لم يرد فيها أن هناك إرهاباً متطرفاً مقابل إرهاب معتدل، فالإرهاب حالة واحدة تتضمّن ممارسات متعددة سواء على المستوى المعنوي أو المادي.

 وفي هذا الإطار تعد الممارسات المسلحة التي تقوم بها أي جماعة داخل حدود أي دولة مستهدفة الأفراد أو المؤسسات المدنية أو المنشآت العسكرية نوعاً من الإرهاب. وهذا الإرهاب يتوجّب على الدولة مواجهته عبر شعبها وجيشها وكافة مؤسساتها الرسمية، وخلال الحرب التي شنتها الجماعات التكفيرية المسلحة على كامل الجغرافيا السورية عبر السنوات السبع الماضية كنا نصنف ما يحدث من خلال ما هو معلوم ومعروف وشائع في مجال العلوم السياسية بأنه إرهاب، لأنه لا يحق لأحد امتلاك السلاح واستخدامه داخل حدود أي دولة إلا جيشها ومؤسساتها الأمنية الشرعية فقط، ما عدا ذلك فهو غير شرعي وامتلاك السلاح واستخدامه ضد الشعب وجيشه فهو إرهاب يستوجب مواجهته.

 لذلك أعلنت الدولة السورية وهذا حقها بأنها ستخوض المعركة ضد الجماعات التكفيرية المسلحة التي جاءت من كل أصقاع الأرض لتمارس كافة أنواع الإرهاب ضد الشعب والجيش، وهنا دارت الآلة الإعلامية الصهيونية التي تعمل هذه الجماعات التكفيرية المسلحة بالوكالة عنها لتنفيذ مخطط التقسيم والتفتيت للدولة السورية للترويج لمفاهيم جديدة لم نسمع بها من قبل ومن بين تلك المفاهيم الغريبة والعجيبة والتي تتنافي مع العقل والمنطق هو مفهوم الإرهاب المعتدل، حيث وصفت الجماعات التكفيرية المسلحة التابعة لها بأنها جماعات معارضة معتدلة، وحين تتحدث معهم بأنه كيف تكون المعارضة المعتدلة هذه مسلحة، وهل تقبلون أن تتسلح المعارضة في بلدانكم يصمتون ويخرسون.

وفي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات ممثلي الدول الإمبريالية الغربية في أروقة المنظمات الدولية مطالبة بحماية الإرهاب المعتدل المزعوم في سورية، وتعقد يومياً الجلسات في مجلس الأمن مطالبة بوقف الضربات الموجعة التي يوجهها الجيش العربي السوري للجماعات الإرهابية في الغوطة الشرقية، تشهد أحد المتاجر الفرنسية حادثاً إرهابياً يقوم به شخص واحد، ثم تعلن جماعة داعش مسؤوليتها عن الحادث. وهي التنظيم الإرهابي الأكبر على الأرض السورية والذي دافعت عنه فرنسا نفسها باعتباره تنظيماً إرهابياً معتدلاً، فوجدنا قوات الأمن الفرنسية تستنفر ضد الإرهابي المعتدل وتقوم بقتله، وكأن الإرهاب عندما يضربهم يصبح إرهاباً متطرفاً، لكن حين يضربنا نحن يكون إرهاباً معتدلاً، أي منطق هذا وأي عقل الذي يحاول اقناعنا بالأمر نفسه وعكسه في الوقت نفسه.

وإذا كان هذا ما يتم بواسطة العقل الصهيونى وآلته الإعلامية في ما يتعلق بمفهوم الإرهاب المعتدل الذي لم نسمع عنه من قبل في أدبيات العلوم السياسية، فإن ما ورد في مبحث الاحتلال وما هو معروف وشائع عن هذا المفهوم هو اعتداء دولة عسكرياً على أراضي دولة أخرى وإعلان سيطرتها وهيمنتها عليها وإخضاع شعبها ونهب ثرواتها. وهذه الحالة مجرمة في القانون الدولي وتستنفر لها المنظمات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن، وتتعالى الأصوات وتصرخ لكي تتدخل القوات الدولية لردع المعتدي وإجباره على الانسحاب، لكن في ظل الهيمنة الصهيونية على المنظمات الدولية ظهر مفهوم جديد لم نسمع به من قبل وهو الاحتلال الصامت، وهو مفهوم جديد سيتم تداوله في مبحث الاحتلال في أدبيات العلوم السياسية.

وهذه الحالة الغريبة والعجيبة لم نسمع بها ولم نشاهدها من قبل فحتى العدو الصهيوني الذي يحتل أراضينا العربية في أقطار عدة لم ينعم بهذه الحالة التي نشهدها اليوم من قبل العدو التركي الذي قام بالاعتداء العسكري على الأراضي السورية وقام باقتحام مدينة عفرين وقتل شعبها والاستيلاء على مؤسساتها وإنزال العلم السوري ورفع العلم التركي عليها، في الوقت الذي لم يعلُ صوت داخل المنظمات الدولية التي تصرخ دفاعاً عن الإرهابيين المعتدلين ليعلن أن ما حدث هو احتلال فاجر لا بد من ردعه، ومن هنا يتم ترسيخ المفهوم الجديد وهو الاحتلال الصامت.

لكن مهما حاول العقل الصهيوني من نشر وترسيخ هذه المفاهيم الغريبة والعجيبة وغير المتسقة مع ما يقبله المنطق والعقل، والتي يتعامل معها المجتمع الدولي بدون ضمير، فإن عقلنا الجمعي العربي السليم لن يقبلها بأي شكل من الأشكال، وستظل بوصلتنا واضحة فالجيش العربي السوري البطل الذي يقوم الآن بتجفيف كل منابع الإرهاب على الأرض السورية، سينهي حالة الاحتلال ليس فقط لعفرين بل وللواء الاسكندرونة المحتل من قبل العدو التركي، والجولان المحتل من العدو الصهيوني، اللهم بلغت، اللهم فاشهد.